بيان الكتب: «أسامة بن لادن وظاهرة العنف الديني في العالم.. لماذا؟» كتاب جديد وهام لأنه يواكب الاحداث والتطورات الجارية في العالم وهو من تأليف محمد جربوعة ورمزي ديشوم. ويبدأ الكتاب بتوطئة للمؤلفين يشيران فيها الى انه من بين 3421 سنة من تاريخ البشرية هناك فقط 268 سنة سادها السلام، وحين قرر قابيل قتل أخيه هابيل فإنه لم يكن يؤسس آنذاك لحرب ابادة جماعية على أساس ان هابيل المقتول كان يشكل نسبة هائلة من مجموع البشر على الكرة الأرضية، وبعد هذه المقدمة يطرح الكتاب سؤالا في غاية الخطورة: هل الارهاب أو العنف ظاهرة سلبية؟ أم انه ظاهرة ايجابية؟ بعد ذلك يخوض الكتاب في غمار رصد وتحليل ما يسميه الظاهرة «ابن لادنية» كحركة اسلامية أخذت تجتاح العالم. ويتناول الفصل الأول «ابن لادن» الظاهرة والابعاد والعلاقة القائمة بين أسامة بن لادن وحركة طالبان في افغانستان، ومشيرا الى ان زعيم الحركة عرض على أسامة حقيبة وزارية مهمة ولكنه رفضها، ويؤكد ان ابن لادن اختار أفغانستان بالذات لتكون مركزا لعمله لعدة أسباب، لعل من أبرزها تطبيقها نظام الامارة الاسلامية ويورد الكتاب الكثير من الاقطار والتطورات السياسية والايديولوجية التي يطرحها ابن لادن ومنها ان العنف ليس حالة مرحلية مرتبطة بزمن معين ولكن عبارة عن تغيير انساني لتأكيد رفض عوامل الظلم والقهر ولهذا السبب بالذات، فقد تركز في الوطن العربي كنوع من الرد على عوامل الاحتلال والقهر والسيطرة من جانب اسرائيل والولايات المتحدة. ويشير الى ان الجماعات الدينية مسألة في غاية الخطورة وهي «النصر أو الشهادة» وعليه فإن الجماعات الدينية المتطرفة تعيد الأمور الى حالة «الشرع» وهي بالتالي تمارس فعلها بوحي من السماء. ويؤكد الكتاب ان اسامة بن لادن ليس افرازا اجتماعيا لكون الرجل صاحب ثروة كبيرة ولكنه عبارة عن تمجيد لقناعة طبقية قائمة على الثورة ضد الآخر المتأثر بالقوة. وهو يلاحظ ان أمريكا بدأت تكثر من استعمال كلمة «الارهاب» بعد حرب الخليج الثانية مباشرة وذلك بعد ان فقدت شعار محاربة الشيوعية لكن الحقيقة تقول بأن امريكا تطلق نعت الارهاب على كل من يعارض سياستها، وفي اطار لعبة المصالح فإن الولايات المتحدة تسعى الى التصالح مع الارهاب عبر صفقة ما، متهما الجانب الأمريكي بأنه هو من عمل على توسيع الارهاب كظاهرة عالمية. ومن هذا المنطلق فإن اسامة بن لادن يفكر في لعبة عالمية خطرة وهي تجميد وابعاد امريكا عن الصراعات العالمية أو على الأقل تحييد الغرب من الصرعات التي سيخوضها المسلمون في المستقبل ومن خلال هذا التحليل يصل المؤلفان الى نتيجة مفادها ان امريكا تلعب دور محامي الشيطان عن الارهاب رغم انها تدعي محاربته في الوقت نفسه، وهنا يكشف الكتاب النقاب عن حقائق في غاية الأهمية ومنها ان الدول الغربية دأبت على محاربة الارهاب في العالمين العربي والاسلامي، وقد حدث الآن تبدل جذري في المعادلة ذلك ان الانبعاث الديني قد عاد ليحرك الواقع. ويشير الكتاب الى ان اسامة قد دخل مرحلة التقوقع في أعقاب العملية الشهيرة التي نفذها وهي تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام، مؤكدا ان هذا التوجه زاد من قناعة الجماعات الدينية ان ضرب امريكا سيعطيها مكانة عالية مرموقة، ومن هنا الدعوة الى توحيد الأمة أو الشعب نحو «هدف حضاري» أي اعدام المسارات المتعددة والمتضاربة في اطار المتاهة الداخلية التي يصنعها الكبت والضيق، ويستشهد بمقولة لهاملت تقول «حين ينصب عرش الانانية يتقلص نظام الظلم» وذلك في اشارة الى العنف والعنف المضاد، ولدى عودة الكتاب الى الخيارات التراكمية التأسيسية يؤكد ان الاسلام لا يمكن ان يقوم عبر القوة، مشيرا الى ان منع قيام أحزاب اسلامية هو أصل المشكلة، كما حدث في الجزائر الأمر الذي الذي أدى الى قيام سلسلة من الحروب والمواجهات المفتوحة محليا. وفي الفصل الثاني الذي يحمل عنوان «العنف والتطرف.. الحقيقة والمزايدة» يطرح الكتاب السؤال التالي: هل يركز ابن لادن كل قواته على أمريكا وبالتالي التخلي النهائي عن فكرة دعم العمل المسلح داخل الأقطار العربية؟ وهنا يدخل المؤلفان في شرح وتحليل لتنظيم القاعدة الذي أسسه ابن لادن حيث انطلقت الفكرة أساسا من التحرك ضمن استراتيجية ضرب وملاحقة المصالح الامريكية. ويشير الى ان اسامة والولايات المتحدة يصوب كل طرف مسدسه نحو الطرف الآخر في مشهد أقرب الى أفلام «الكاوبوي» حيث الضربة الأسرع هي القاصمة. ويضيف الكتاب ان فكرة ابن لادن تقوم على أساس ان الشعب الامريكي كله يؤيد مشروع ضرب ومهاجمة الدول والشعوب العربية، وبالتالي لابد من التعامل معه على هذا الأساس ويستشهد على ذلك بكتاب للرئيس الامريكي الاسبق نيكسون وهو «ما بعد الاسلام» والذي يحذر فيه الولايات المتحدة من ان يحل الاسلام محل الشيوعية كعدو للغرب وتقوم استراتيجية ابن لادن على توجيه الحشود التي كسرت الاتحاد السوفييتي في افغانستان وفككت أوصاله بعد ذلك أي توجيه الحشود الجهادية نحو امريكا بالذات لالحاق الهزيمة بها وهو يرى ان ضرب الولايات المتحدة من الداخل من شأنه ان يقوض الأمن الأمريكي بالذات. وهنا يشير الكتاب الى الخلاف القائم بين ابن لادن وبعض الاسلاميين القطريين الذين يدعون الى محاربة المصالح الامريكية في بلدانهم وافكارهم، فيما يطالب اسامة بشن حرب عالمية شاملة ضد الولايات المتحدة. ويضيف ان تنامي حركات التطرف في العالم يشكل المناخ المناسب لبدء مثل هذه الحرب لأن المناخ الدولي يصبح معاديا لامريكا. ويؤكد المؤلفان انه حتى اسرائيل فقد أفرزت العديد من الحركات الدينية المتطرفة، الأمر الذي ولد حركات مضادة في العالمين العربي والاسلامي، ويؤكد اسامة ان هذه الحركات لا تعني اليهود واسرائيل فقط، بل انها تعني العرب والمسلمين بالدرجة الأولى، الأمر الذي يطرح البعد الحضاري للصراع العربي ـ الصهيوني وعن العلاقة بين الجماعات الاسلامية في الجزائر وتنظيم القاعدة. ويؤكد الكتاب ان المجاهدين الجزائريين سبق لهم ان حاربوا في افغانستان ضد الاحتلال الروسي ومن ثم عادوا الى بلادهم لتطبيق النظريات التي مارسوها هناك وتبرز المشكلة الكبرى عندما يتم تبرير الارهاب الذي تمارسه اسرائيل من قبل امريكا فمن خلال هذا الموقف يزداد اصرار الحركات الدينية على محاربة الولايات المتحدة التي تحولت الى عدو لكل المسلمين. وتقرأ في الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «لماذا يظهر العنف عند الجماعات الاسلامية؟».. قضايا معاصرة جدا وعلى درجة من الخطورة ومنها ان قوة الاسلام تكمن في انه دين فطرة، الأمر الذي جعله ينتشر على نطاق واسع مع التأكيد على ان سيطرة الحق الواضح على العقل أمر لا يمكن ان يناقش لأن الاسلام هو دين برهان وحجة، التي تستدعي الادلة الشرعية ليزيد مساراته العامة. ثم يتحدث الكتاب عن «الطائفية الطبقية» التي تعد بمثابة الامتداد الطبيعي للأسرة ومن ثم يتسع الأمر ليطال القبيلة كمفهوم اجتماعي وكلازمة فإن هذه الطائفية لا بد ان تتلازم مع الطائفية السياسية التي تعني اعادة تركيب الوحدات المتفككة الى كيان متصل ومتواصل ولا مجال لأي من أنواع الديمقراطية الغربية لأنها تعد مفسدة لجوهر الاسلام العقائدي. وبالمحصلة يتحدث الكتاب عما يسميه «الطائفية الاقتصادية» التي تعني تجاوز القومية والجنسية والحدود الجغرافية والوصول الى «العالمية» التي أفرزت الكثير من الازمات والمشكلات الاجتماعية، وعليه فإن «الطائفية الدينية» لابد ان تكون هي الافراز الطبيعي لكل هذه الانواع من الطائفيات التي يوردها الكتاب والتلازم بين ظاهرة العنف وهذا الكل من الطائفية هو الذي يعزز دور الحركات الدينية في الوطن العربي والعالم. وفي الفصل الأخير «الحرب الامريكية جولة ظلم جديدة» يؤكد المؤلفان ان اسامة بن لادن هو نموذج لمئات الملايين من العرب والمسلمين والصينيين والكوريين الذين يكرهون أمريكا ويريدون التخلص منها أو هو التعبير عن الحالة الشعبية ـ النموذجية التي تؤكد قدرة الشعوب المظلومة على التحرر والخوف هو ان يكون هدف امريكا بعد افغانستان هو الشعب الفلسطيني أو المقاومة العربية بكل أشكالها وصورها. أحمد أبوالحسن