بيان الكتب: يقدم الكاتب د. مصطفى عبد الغني اهداء كتابه حقيقة الغرب.. بين الحملة الفرنسية والحملة الأمريكية الى سليمان الحلبي شهيد الحملة الفرنسية، والى أطفال بحر البقر وملجأ العامرية وقانا وانتفاضة الأقصى، شهداء الحملة الأمريكية. وجوه كثيرة للغرب..!؟ الوجوه الكثيرة، حقيقية.. بشعة وقبيحة نلتقي بها منذ عرفنا هذا الغرب حين جاء على مدافع بونابرت وليس مطبعته كما يزعم البعض وما أكثرهم في نهاية القرن الثامن عشر، وتوالت في صور عديدة شواهد بدت في ذروة اكتمالها مع نهاية القرن العشرين حيث نعيش جميعا محاولة الغرب لاعادة رسم خارطة الكرة الأرضية بطريقة اقتصاد السوق. ليس بطريقة الحضارة أو الديمقراطية أو حقوق الانسان.. كما يزعم البعض. وتتعدد الوجوه.. فهذا هو وجه النظام العالمي الجديد بتعبير جورج بوش الأب عقب حرب الخليج الثانية 90 ـ 91 للهيمنة على العالم و أمركته. وهذه هي لوحة نهاية التاريخ بتعبير فرانسيس فوكوياما حين حاول أن يراوغنا من شرفة وزارة الخارجية الأمريكية بألوانه وتنظيراته. وهذا هو كروكي صراع الحضارات لصمويل هنتنجتون الذي خرج لأول مرة من فورن أفيرز مجلة الشئون الخارجية الأمريكية قبل أن يعود العام 1996 ـ لتجسيد خطوطه في كتاب ضخم حاول به التأكيد على وجود العدو الحقيقي للغرب وهو كما رآه ونظر له ـ في الاسلام. إنها وجوه كثيرة دالة ترسم خلفها جميعا صورة هذا الغرب الذي يحاول أن يخدعنا، فيزيد من قبضته علينا، مرددا عباراته التي لا تخلو من معنى العولمة وحوار الحضارات الكونية و الكوكبية و الحداثة و ما بعد الحداثة.. الخ.. الغرب الجزار.. نعم.. إنها حقيقة الغرب كما نراها.. الجزار الذي لا يتردد في استخدام الخازوق مرات كثيرة في علاقاته بأبناء الدول الأخرى من المعترضين أو المناوئين لحكمه وارهابه وهي تأتي كلها على شكل شهادات على حقيقة الغرب. الشهادة الأولى: حين حمل الغرب الفرنسي سليمان الحلبي المناضل الكبير ابن سوريا الى الخازوق في مصر المحتلة ـ بعدما اغتال كليبر مدافعا عن كرامة الأمة العربية ـ وقف ضابط فرنسي.. كان شاهد عيان عما حدث، وقال بالحرف الواحد في الوثائق الفرنسية عن سليمان الحلبي: .. بطح أرضا وشق شرجه وأدخل فيه الخازوق وربطوا ساقيه وفخذيه ويديه وجسمه ودفع الخازوق.. وهو ثابت. الشهادة الثانية: حين اعترف المحتل البريطاني في مصر ـ إبان الاحتلال البريطاني ـ لها بأنه قد استخدم الخازوق بشكل رسمي وشرعي ضد المواطنين العرب في مصر من العزل، يقول بلانت أحد الانجليز في مصر بالحرف الواحد: .. بموجب مرسوم 1895م يمكن الحكم بالموت على أي مصري واعدامه صلبا أو على الخازوق لمجرد أنه امتعض من اعتداء جندي بريطاني على عرض زوجته أو أنه حال دون ذلك.. الشهادة الثالثة: وهي شهادة جاءت في كتاب ماذا يريد العم سام؟ لنعوم شومسكي يستخدم وسائل العنف من تهشيم الأطفال الرضع، أو تعليق النساء من أقدامهن، وقطع أثدائهن، وسلخ جلودهن أو قطع رؤوس الضحايا ـ يضيف ـ ووضعهم على خازوق.. إن الخازوق يستخدم كثيرا، سواء في اصرار الغرب أن تكون التنمية الاقتصادية ـ تنميتنا ـ تابعة له تماما وهناك عشرات من الاتفاقات ليس آخرها الجات، حتى صناعة الارهاب التي أصبحت صناعة غربية أو تزويره للتاريخ.. لا يستثنى من هذا عسكري مثل اللورد اللنبي أو كاتبا مدنيا وأستاذا جامعيا مثل برنار كما تقول أبحاثه المعمقة وخداعه للكثير. نجد هذا في اسرائيل كما نجده في الغرب.. فاسرائيل ليست غير نتاج للمركزية الغربية في سياقها التاريخي.. والخازوق الغربي ـ الفرنسي هو ماض لمجازر قبية ودير ياسين وقانا وصبرا وشاتيلا وبحر البقر وأبوزعبل. رغم هذا الوضوح إلا أن هناك بعضاً من المثقفين قاتلوا من أجل تقديم الغرب على غير شكله الحقيقي، بل كانوا غربيين أكثر من الغرب ذاته. فها هم بعض المثقفين يقرنون بين الحملة الفرنسية والدور المصري في اليمن تحت مفهوم دهاء التاريخ مفهوم هيجل. ومصدر الدهشة في ذلك ما ذهب اليه البعض من المقارنة بين الحملتين حملة نابليون وحملة عبدالناصر ـ إنما هما متساويتان في التأثير الايجابي، وهو ما وصل به الى نتيجة مؤداها أن الجيش المصري حين ذهب الى اليمن قد فعل شيئا مماثلا لما فعله جيش نابليون عندما غزا مصر ومعه المطبعة ومئات من العلماء المتخصصين في شتى فروع العلم، والذين جعلوا من تلك الحملة بداية لاعادة اكتشاف مصر.. فقد اصطحب الجيش المصري معه الى اليمن مئات من المدرسين والأطباء والمهندسين فكانت تلك هي بداية وعي الشعب اليمني العريق بالعصر الحديث. والواقع أن مصر لم تكن ـ أبدا ـ كفرنسا من حيث نوازعها الامبريالية الصرفة كما أن اليمن لم تكن أبدا لمصر في الهدف الذي ذهبت من أجله مصر الى هناك ـ كذلك فإن مصر ـ كما يردد الكثيرون الآن ـ لم تكن جثة هامدة، ظلت هكذا طيلة قرون عديدة حتى جاءت الحملة الفرنسية فبعثت فيها مس الكهرباء ليبدأ البعث من جديد. ومراجعة الحقبة التي سبقت هبوط نابليون بحملته على بر الاسكندرية في 2 يوليو 1798 تكشف لنا أن عددا كبيرا من الكتاب والرحالة والقناصلة والسياسيين منهم سانت بريست وجان بابتيست موودي توت وسفاري وفولتي.. الخ كتبوا الى حكومتهم الفرنسية لاستعمار مصر صراحة، فقد ظل هؤلاء وهم يشيرون الى ضياع عديدة من المستعمرات الفرنسية في جزر الهند الغربية ويلحون كثيرا على أن مصر، ومصر بوجه خاص، هي الميدان الذي تستطيع فرنسا أن تجد فيه حاجتها التي كانت تستمدها من جزر الانتيل.. فضلا عن أن الاحتلال أو الاستيلاء أو الاستعمار وهي كلها مفاهيم رددت كثيرا طيلة القرن 18 تجعل التجارة بين فرنسا وبقية أقطار الشرق في متناول اليد بدلا من المشكلات التي تعانيها فرنسا في غيبة وضع يدها على هذه البلاد، بل أكد بريست صراحة ـ وهو سفير فرنسا في القسطنطينية ـ على أن الاستيلاء على مصر أمر لا مفر منه لخدمة المصالح الفرنسية. فرنسا جاءت إذن مستعمرة. ومصر لم تكن غائبة عن الوعي عندما نعود الى الجبرتي ـ مؤرخ هذه الفترة ـ يلاحظ أن مصر قبل مجيء بونابرت لم تكن أبدا بلدا يغيب فيها الوعي، وتعيش في كساد تجاري أو اقتصادي قط، فهذه الطبقة الجديدة التي تكونت عبر العصر العثماني رغم كل سلبياته كانت من التجار والزعماء وعلماء الدين، كانت مصر في طور التطور، بل لولا التطور الذي كانت تشهده مصر قبل مجيء الفرنسيين ما كان يمكن أن نجد هؤلاء العلماء المصريين وهم يتصدون للحملة ويقاومونها دون توقف. وعبورا فوق أحداث كثيرة تشير الى انقطاع اليمن الطويل عن العالم، فقد كان اليمن في بداية الستينيات تواصل محاولات الانتفاضة ضد حكم الامام الذي تحالف فيه التخلف مع الاستبداد مع الجهل، وبدى اليمن قطعة من العصور الوسطى. وعلى هذا النحو تحرك عبدالناصر لمساندة اليمن فور اعلان الثورة فيه، فإن مشروعه ـ مشروعنا القومي كان ينتابه التراجع من الدول التي كان في سبيل اقامة وحدة عربية معها، كان الانفصال قد حدث وانتهت أواصر أول وحدة عربية في التاريخ، وراحت الخلافات مع العراق تزيد. ورغم أن القوى الانفصالية والرجعية كانت قد تصاعدت، فإنها كانت تقف في موقف ضعيف بهذا التفكك الذي أحدثته وهذا النكوص الذي استفاد منه الاستعمار. لم يكن نابليون قد جاء الى مصر بطلب المصريين، لكن عبدالناصر وجيش مصر العربية ذهب الى اليمن بطلب من القوى الثورية القومية اليمنية، بل إن هذه القوى خطت الى أبعد من ذلك حين ركزت طلباتها من مصر في سرعة الاعتراف، وسرعة وصول قوات مسلحة لتقف الى جانب القوات الثائرة بصنعاء، وتحارب معها معركة التحرر العربي ضد القوى الرجعية في المنطقة والقوى الغربية في الشمال، وزادت فطلت دعما أكثر تمثل في اسهام في الادارة ودعم في الاعلام. لم يكن عبدالناصر يسعى الى امبراطورية مصرية كما كان يسعى نابليون هناك. كان عبدالناصر قائدا ورمزا للمشروع العربي التحرري الذي يواجه المشروع الامبريالي الأمريكي في الستينيات من القرن العشرين، كما كانت مصر تواجه المشروع الاستعماري الفرنسي في نهاية القرن الثامن عشر إذن كان الغرب في الماضي مجسدا في حملة نابليون، أما اليوم فهو في العولمة والسوق الواحدة والقرية الكونية والاعلام المسيطر والشركات المتعددة والعابرة للقوميات والغريب أن الاستعمار في المرحلتين كان على علاقة وثيقة بالصهيونية واسرائيل بعد ذلك، وكان على علاقة عضوية بأسباب التخلف في واقعنا العربي وكان على علاقة عضوية بعصور القهر والاستبداد في عالمنا العربي سواء في الماضي أو الحاضر. ما زال الاستعمار هو نفسه لا يتغير رغم تغير صوره وأشكاله وما زالت المقاومة كذلك هي السبيل الوحيد للانتصار في معركة الاستقلال. أمين اسكندر