بيان الكتب: يأتي هذا الكتاب تلبية لمتطلبات العصر الحديث، الذي أصبحت فيه الثقافة العربية ـ بمختلف فروعها ـ تعاني من الإهمال وعدم الاكتراث من قبل أبنائها أولاً، والغرب ثانياً. ذلك اننا لم نعد نرى الاهتمام اللائق بدراسة تاريخ العلوم العربية الاسلامية الذي من شأنه اظهار اهمية الدور الذي اضطلعت به حضارة الاسلام، في بناء الحضارة الانسانية. ويوضح مؤلفا الكتاب ان للدراسة هدفاً آخر، وهو بناء التواصل الفكري والحضاري بين أمس هذه الأمة وغدها. هذا التواصل الذي قطعه انبهار اجيال سابقة بزيف الحضارة المادية البحتة التي مازالت تواصل قيادة العالم الى حافة الانهيار باعتراف فلاسفة العلوم في السنوات الاخيرة. يتوزع الكتاب على ثلاثة ابواب، يتقدمها تمهيد، وينتهي بخاتمة تبين خلاصة البحث ونتائجه. وقد خصص الباب الاول لمقدمات عامة، اولها مقدمة حول الطب الاسلامي، ابرز فيها المؤلفان أهم ما تميز به الطب الاسلامي، اما المقدمة الثانية فقد سجلت فيها خلاصة للطب الاندلسي الذي جاء الكتاب دراسة في فرع منه وهو «الجراحة». كما كرست المقدمة الثالثة لتكون مدخلاً للجراحة والتشريح والتخدير في الطب الاسلامي عموماً. هذا وقد خصص الباب الثاني لبسط تراجم لأبرز أعلام الجراحة الأندلسية، وهم: الزهراوي، ابن زهر، القربلياني. وتشير النصوص التي استعرضها الكتاب وقام بتحليلها ومناقشتها مع الرسومات الايضاحية والوصف الدقيق للعمليات الجراحية، الى أن عمالقة الطب الأندلسي كانوا يمارسون الجراحة بأنفسهم اذ لا يمكن ان تتأتى تلك الدقة والبراعة الا من خبراء متقنين متمرسين. لقد كان الزهراوي الذي عاش في القرن الرابع الهجري اول مؤسس لفن الجراحة على أصول علمية، وهو الذي اخذ بيد الجراحة من حضيض العمل باليد الى رفعة التقنية العلمية المتخصصة وسموها. بعد ان اقام دعائمها على أساس معرفة التشريح. وان الابتكارات المنسوبة اليه في مجال الجراحة لهي الشاهد على عراقته في هذا الفن. ففي مجال الجراحة العامة برع الزهراوي في جراحة الفتوق، واستخدم الخيوط المصنوعة من أمعاء الحيوانات، وبرع في جراحة الدرق، وعلاج الدوالي، وتدبير النزوف بربط الشرايين والكي، وتقنيات التجميل. كما يعد اول من تكلم بدقة حول كسور الجمجمة وجراحتها وآلاتها. وفي مجال جراحة الرأس فقد أبدع في جراحة العين التي مزجها بالجراحة التجميلية، وفي جراحة الأسنان والفم، حيث عرف تقويم الأسنان، وكذلك نقل الأعضاء. هذا الى جانب اسهاماته العديدة في مجال الجراحة البولية والنسائية و... وأما عن الطبيب العربي المسلم ابن زهر، الذي يعتبر الامتداد العلمي لمدرسة الزهراوي الجراحية، فقد تميز بريادته في مجال الطب الجراحي السريري القائم على الملاحظة والتجربة، واستطاع ان يخرج عن قيود المتقدمين ويقدم ما هو جديد ونافع من خلال الجراحة المتميزة ولقد عرف ابن زهر الأورام المنصفية وأورام غشاء القلب، كما استعمل التغذية الصناعية بالأنبوب، واشتهر بتعليقاته المهمة حول طب الكسور، وكذلك جراحة الجهاز التنفسي. كما كان للطبيب ابو عبدالله القربلياني مشاركات مهمة سطرها له تاريخ الطب في علاج المصابين بالكسور ورضوض الحرب، والأورام عموماً، مما سمح بأن يكون في مقدمة المختصين بالجراحة الصغرى. وقد قام القربلياني بتصنيف الأورام والكلام على تدبيرها حسب نوعها وطبيعتها وموقعها من الجسم، وكذلك تحدث عن أسباب فشل معالجتها، وعن اختلاطاتها. ثم جاء الباب الثالث الذي تم فيه بحث مساهمات الطب الاندلسي في الجراحة من خلال التقسيم المنهجي للجراحات ضمن الجراحة العامة التي شملت الجراحة الوعائية والفصد والحجامة والكي والجراحة التجميلية وجراحة الأطفال والختان وجراحة الأورام، ثم الجراحة العظمية والمرضية، وجراحة الرأس، فالجراحة البولية والتناسلية والنسائية.. وختاماً لهذا الباب، قام المؤلفان بذكر أهم الأدوات الجراحية انذاك مع رسوم توضيحية لها جميعاً. وبعد.. يحق لنا ان نقول بكل امانة وموضوعية: لقد مثلت الجراحة في الطب الأندلسي قمة ما وصلت اليه الجراحة في الحضارة العربية الاسلامية. بل قمة ما وصلت اليه الجراحة في العالم آنذاك. صباح فاروق كيالي