بيان الكتب: منذ طفولتنا قرأنا لابن بطوطة، وسافرنا معه الى الهند، ورأينا كيف تُحرق الزوجة بعد موت زوجها... وادركنا فيما بعد ان ادب الرحلات ليس تحركاً بين الامكنة ورسماً للخرائط وتمتعاً بالسفر والسياحة فحسب، بل انه كشف وسبر وتدوين ودراسة وبحث ومعرفة.. لحياة الشعوب، بما فيها من عادات وتقاليد واعراف وقوانين وحكايات واساطير وحقائق واكاذيب، ومعارف وعلوم... المؤسسة العربية للدراسات والنشر تخطو خطوة في غاية الاهمية اذ تقوم بتحديث هذا الجنس من الادب «وتقدم سلسلة تهدف لبعث واحد من اعرق الوان الكتابة في ثقافتنا العربية من خلال تقديم كلاسيكيات ادب الرحلة الى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب ورحالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودونوا يومياتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صوراً لما شاهدوه وخبروه في اقاليمه، لاسيما في القرنين الماضيين... وتهدف ايضاً الى الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكل عن طريق الرحلة، والافكار التي تسربت عبر سطور الرحالة، والانتباهات التي ميزت نظرتهم الى الدول والناس والافكار... فأدب الرحلة على هذا الصعيد، يشكل ثروة معرفية كبيرة، ومخزناً للقصص والظواهر، فضلاً عن كونه مادة سردية مشوقة تحتوي على الطريف والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجول وانفس تنفعل بما ترى، ووعي يلم بالاشياء ويحللها ويراقب الظواهر ويتفكر بها». صاحب المنار لما اعلن الدستور العثماني سنة 1908 زار الشيخ محمد رشيد رضا بلاد الشام، وكتب عن زيارته في مجلة المنار التي اسسها في 16 مارس 1898م، وكانت رحلته الثانية في 12 سبتمبر 1919. واتفق ان اعلنت كل من دولتي انجلترا وفرنسا عقب وصوله الى الشام انهما اتفقتا نهائياً على تنفيذ معاهدة «سايكس ـ بيكو» وجاءه في يوم الاثنين 17 اكتوبر 1919 شرطي بيروتي وقال للشيخ: اذا كنت تحب ان تقابل القومسير السامي مسيو جورج بيكو، فهو مستعد لمقابلتك... فذهب الشيخ رضا وقابله من الساعة الحادية عشرة الى ما بعد الظهر، ودار الحديث في ثلاث مسائل: ما ينكره المسلمون من السلطة الفرنسية، ما ينوون عمله في المنطقة الشرقية، المقابلة والتنظير بين الفرنسيين والانجليز والسياسة الحاضرة وما ينتظر من التحول والانقلاب فيها. بعد هذا ذهب رشيد رضا الى دمشق استجابة لطلب الامير فيصل، ثم عاد الى بيروت في اول مارس 1920م لاقناع وجهاء بيروت المنتخبين للمؤتمر السوري، الذهاب الى دمشق لحضور جلسة المؤتمر التاريخية التي تعلن استقلال سوريا.. وفي 4 مارس جاء كتاب مسيو مرسيه لوي يقول فيه للشيخ: «ان سعادة الجنرال غورو قد عين لكم 5 مارس الساعة 6 مساء ميعاداً لاستقبالكم في السراي». لقد قُدّر لصاحب المنار ان يكون المؤرخ اليومي لوقائع دخول غورو الى دمشق، واقصاء فيصل عنها وما جرى بين ذلك من احداث ـ يمكن للقاريء ان يتابع تفاصيل المهمة بين طيات الكتاب ـ كان خلالها يتصرف كمسئول اول عن مستقبل بلاد الشام، يقترح على فيصل تعيين الوزراء، ويقصده الوزراء للاستشارة في احلك الظروف، ولما نشب الخلاف بين اعضاء المؤتمر والملك فيصل، وبدرت من الملك كلمات انتقص فيها من قدر رجال المؤتمر، كان مما قال: انا الذي اوجدت المؤتمر. فرد عليه رشيد رضا: بل هو الذي اوجدك، فقد كنت قائداً من قواد الحلفاء تحت قيادة الجنرال اللنبي، والمؤتمر جعلك ملكاً لسوريا. ولما طلب الملك فيصل من الوزارة اعداد جيش لمؤازرة أبيه، فيما اذا نشبت الحرب بينه وبين ابن سعود، استشارت الوزارة رشيد رضا في ذلك، فأبى قائلاً: لو واتيتموه في ذلك لعجزتم عن التنفيذ. مقتل يوسف العظمة يعترف رشيد رضا بأنه كان السبب في مقتل يوسف العظمة فيقول: ولابد لي من كتابة كلمة في هذه الخلاصة التاريخية بشأن يوسف بك العظمة، الذي كنت معجباً بما اوتي من الذكاء والنظام، والهمة والنشاط، والوطنية وحسن السلوك، منذ عرفته معتمداً للحكومة العربية في بيروت، الى ان عين وزيراً للحربية باقتراحي وسعيي مع بعض الاخوان،. استبد يوسف بالعمل في وزارة الحربية، وكان يكتم اعماله حتى عن رئيس الوزراء، بل يعمي الامر الا على الملك فيما اظن. ولما اشتدت الازمة سألته هل هو مستعد للدفاع؟ قال: نعم اذا وافق الملك، واذا خالفناه نخشى ان يلجأ الى الاجانب، ولما عين ياسين باشا الهاشمي قائداً لموقع العاصمة عقب الانذار، اظهر للوزارة ما فيها من النقص، اي على خلاف ما كان يوسف يقول، ثم انه وافق الوزارة على قرار التسليم بما طلب غورو. بعد هذا كله رأيته في بيت الملك مع الوزارة، فكلمته وحده كلاماً شديداً، وذكرته ببعض كلامه، فقال ووجهه ممتقع كوجه الميت: انني مذنب واتحمل تبعة عملي، وكدت البارحة ان انتحر من الغم فلا تزد علي. ولما خرج الى الدفاع بمن بقي معه من بقايا جيشه، تزين ولبس ملابسه الرسمية، ووطن نفسه على الموت، فكان شرفه الذي امتاز به انه لم يقبل ان يعيش ذليلاً، بل اراد ان يكفر بدمه عن ذنب التقصير المبني على الثقة والغرور. بعد ذلك وجد رشيد رضا نفسه غارقاً في السياسة السورية وأحس بعمق المسئولية، وبحثاً عن مخرج لتجنب الانهيار الكامل راح يفتش بين شتى التيارات السياسية عن مخرج للازمة السورية، فشارك في تأسيس حزب الاتحاد السوري، ورضي ان يكون نائباً للرئيس ميشيل لطف الله. وقررت لجنة الحزب ان تدعو الجمعيات والاحزاب السورية الى عقد مؤتمر سوري عام في جنيف مركز عصبة الامم في 10 يونيو عام 1922م، ثم ارجيء الى اواخر شهر اغسطس، وتقرر ان يكون رشيد رضا ـ اللبناني الاصل ـ بصحبة ميشيل لطف الله، وكانت الرحلة الى اوروبا، والتي نشر رشيد رضا وقائعها في «المنار» المجلد 23 عام 1922. ورغم ارتباط هذه الرحلة بتبعات المسألة السورية، الا ان «المؤسسة» ارتأت نشرها في كتاب مستقل الى جانب الرحلات الاوروبية. اخيراً، لابد من الاشارة الى ان هذه السلسلة التي قد تبلغ المئة كتاب، من شأنها أن تؤسس، وللمرة الاولى، لمكتبة عربية مستقلة، مؤلفة من نصوص ثرية تكشف عن همة العربي في ارتياد الآفاق، واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة... اضافة لمعرفة الآخر وعالمه، والبحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب والمسلمين. محمود أبو حامد