بيان الكتب: تتناول الباحثة الدكتورة ماجدة حمود في كتابها الجديد حقلا من اهم حقول الدراسات الادبية البناءة، وهو حقل الادب المقارن، اذ تقدم لدراساتها المتنوعة بجانب نظري، مؤسسة للجانب التطبيقي، لتضمن تفاعل، المتلقي في معرض بحث مقولة التأثر بالآخر. وقد حاولت ان تؤسس لرؤية موضوعية في تناول النص الادبي من الزاوية المقارنة، سواء في ذلك النص الذي ينتمي الى الادب العربي، ام النص الذي ينتمي الى الادب واشكال هذا الالتقاء، ودرجة التأثر، وبعده الزماني والمكاني، ومقوماته. وهي تتبع في دراساتها للنماذج كلا من المدرستين الفرنسية والامريكية، بمنهجيهما المختلفين في النظر الى عوامل التأثر التاريخية والشخصية. وتبرز اهمية الدراسات الادبية المقارنة في رأي الكاتبة من انها تتيح لنا معرفة ذواتنا والثقة بأنفسنا بموضوعية عبر مرآة الدراسات الادبية المقارنة، فنرى ما أصاب هذه الصورة من تشوه او جمال. من ناحية اخرى تسعى الباحثة لتلمس مظاهر الابداع والتقليد عبر الرؤية المقارنة للآثار الادبية، وكيفية تلقي المؤثرات الاجنبية، ومدى اعتمادنا على الآخر وتقليده، او على ذواتنا وتأسيس ادبنا على الابتكار، حين نبحث عن الصفات الذاتية التي كونت ادبنا، فيكون تأثرنا بالآخر تأثراً ابداعياً، يستفيد من انجازاته، ويستطيع تجاوزها بفضل الابداع. في الدراسة التطبيقية تتوقف الباحثة عند نماذج متعددة كصور للتأثر بالآخر، فتبدأ بتناول اسطورة بيجماليون التي تعدها من اشهر الآثار التي طبعت الادب العالمي بميسمها، فتقدم في الجانب النظري تعريفاً للاسطورة وانواعها ووظائفها السلبية والايجابية، ثم تخلص الى الدراسة التطبيقية، فتوجز مضمون اسطورة بيجماليون، وتنشيء مقارنة بينها وبين كل من مسرحية بيجماليون لبرنارد شو، ومسرحية توفيق الحكيم بالاسم نفسه. وتمضي في استعراض الفروق بين المسرحيتين وبين الاسطورة الاصل، وسمات كل منهما، وكيف جسدتا الجو الاسطوري ثم وظفتاه او اسقطتا عليه من حيثيات الواقع وحاجات النفس الانسانية، وقد ميزت الباحثة هنا ما بين اتجاهين فكريين ينعكسان على عملية الابداع، فالحكيم يؤمن بقضية الفن للفن، في حين يلاحظ على برنارد شو إيمانه بقضية الفن للحياة، وقد افلح في بناء مسرحيته وفق بعدين منسجمين، بعد واقعي نجد فيه شخصيات حيوية تتحرك في اجواء واقعية، وبعد رمزي اسطوري نلحظ فيه علاقة المبدع بما يبدعه، في حين اعتمدت مسرحية الحكيم على بعد واحد في بنائها، وهو البعد الاسطوري. وتتبع الباحثة اثر هذه الاسطورة في نموذج من القصة القصيرة السورية للكاتب جورج سالم، في مجموعته القصصية «عزف منفرد على الكمان»، حيث بدا هذا الاثر واضحاً في قصة «الينبوع»، اذ يلتقي الحلم بالاسطورة، حين جعل الكاتب حلم اليقظة اطاراً لقصته، وقد ساعده في ذلك لغة رمزية استطاعت ان تجسد الحلم في الواقع، وتبديه في حلة مقبولة، وقد اختفت في القصة تفاصيل الاسطورة، وكذلك الاجواء الاسطورية، وظهر الهم الحياتي الذي يؤرق الشباب، في صورة شخصية لإنسان عادي لا يملك اسماً فهو معمم. وينعطف البحث لدراسة نموذج للاثر الاسلامي في الادب الغربي، فتقف الباحثة عند اثر كتاب «حي بن يقظان» لابن طفيل، في قصة «ربنسون كروزو» لدانيال ديفو، وذلك في عدد من المجالات، كالاثر المكاني «جزيرة نائية» والشخصية الثانوية «آسال وجمعة»، والغاية التعليمية عند ابن طفيل، وهي التدليل على وجود الله باستخدام العقل والحدس، والغاية التربوية عند ديفو كرسالة موجهة الى الشباب في عصره، ثم انعكاس ملامح من السيرة الذاتية للمؤلفين في كلا القصتين، حيث نجد في حي بن يقظان اهم القضايا التي ارقت ابن طفيل ومفادها: هل تستطيع الفلسفة ان تؤدي الى الايمان بالله تعالى، على نقيض القول الشائع: من تمنطق فقد تزندق؟ ثم هل يكفي استخدام العقل ليصل الانسان الى الايمان العميق، ام هو بحاجة الى القلب والقوى الداخلية الحدسية الى جانبه؟ وهل يستطيع العامة الايمان بهذه الطريقة، أم لابد من الطريقة النقلية في الايمان؟ وهل الطريقة العقلية الحدسية وقف على الخاصة دون العامة. كما تلاحظ الكاتبة في قصة حي بن يقظان بعض معاناة ابن طفيل الروحية، وبعض ملامحه الشخصية التي اسقطها على «حي» فجعله فيلسوفاً وطبيباً وعالم فلك مثله. اما قصة ربنسون كروزو فقد لمحت فيها الكاتبة جانباً من معاناة دانيال ديفو من عقوق ابنه، لذلك جعل ربنسون ابناً عاقاً لوالديه، وانزل عليه غضبه، مما جعله يعاني متاعب جمة في سفره، وعاقبه بأن جعله يعيش معظم حياته وحيداً يجتر آلامه. وتعرض الكاتبة للاختلافات بين الاثرين الادبيين، في حياة البطلين وعلاقتهما بالطبيعة، وفي الطبيعة السردية للعملين ومستوياتها في كلا النصين. في فصل آخر تتناول الباحثة اثر الرواية الغربية الحديثة في الرواية العربية، فتختار رواية «الصخب والعنف» لوليم فوكنر وتدرس تأثيرها في رواية «ما تبقى لكم» لغسان كنفاني، وتقدم للدراسة المقارنة ببحث تتلمس فيه بداية ملامح الرواية الحديثة، او ما يعرف برواية تيار الوعي، التي تمثل ثورة حقيقية على الاتجاه التقليدي في الكتابة الروائية، والذي كان سائداً في القرن التاسع عشر، وتتناول بالبحث والاستقصاء الشخصيات وميزاتها، والانطباعات والصور والتقنيات الاخرى المتعددة في الرواية الحديثة، كاستخدام الحوار الداخلي، المباشر وغير المباشر، ومناجاة النفس، والوصف، والمونتاج الزمني والمكاني، واللغة الروائية، والقالب الفني، ودور المتلقي.. وصولاً الى صياغة موقفها من الرواية الحديثة. وتبحث الكاتبة في الروايتين تفصيلا، ثم تتلمس جوانب اللقاء والافتراق بينهما، فتعتبر رواية «ما تبقى لكم» انجازاً كبيراً من الناحية الشكلية في الرواية العربية، خاصة وان استخدام اسلوب تيار الوعي في تلك الفترة لم يكن شائعاً، وقد استطاع كنفاني ان يحول رواية الصخب والعنف الى رواية فلسطينية مليئة بشخصيته كما يشير جبرا ابراهيم جبرا. ثم تخرج الكاتبة الى دراسة نموذج القاتل المثالي بين عطيل شكسبير وراسكولينكوف دستويفسكي، مشيرة الى مدى التأثير الذي مارسه شكسبير على دستويفسكي في مجال رسم شخصية بطله، وان كلا الاديبين رأى أهمية الانسان في القلب والعواطف، لذلك اهتما بإنسانية الانسان التي تكمن في روحه وعواطفه الى جانب عقله. وقد ظهر عند كليهما ايضا رهافة الحس تجاه الجوانب الانسانية المأساوية في الحياة، وابديا تعاطفا كبيرا مع الألم الانساني، لذلك لم يكن غريبا ان يطلق على دستويفسكي لقب شكسبير عصره، اذ كان همه الاكبر منصرفا الى البحث عن طمأنينة النفس الانسانية، فرأى انه بالامكان تحقيقها عن طريق حب الله وحب الناس، وقبول الألم او المعاناة الانسانية ولو كانت في غير وجه حق. وقد استطاع الاديبان في رأي الكاتبة ان يتجاوزا عصرهما الى حد بعيد، فشكسبير تجاوز قوانين الكلاسيكية التي تؤكد على قيمة العقل وحده، ولا تعير التفاتا الى العاطفة، فجمع العقل الى العاطفة، كذلك تجاوز قانون الوحدات الثلاث، وصار يعرض على المسرح المشاهد الدامية، حتى اتهمه نقاد عصره بأنه بربري لكثرة ما يعرض من مشاهد القتل على المسرح. كذلك تجاوز دستويفسكي القوانين السائدة في عصره، أي أدب الطبقة العليا، وبدأ يلتفت الى معاناة الاسر الفقيرة او المتوسطة، فانتبه الى الواقع المعقد المتناقض، متأثرا بجوجول. وتولي المؤلفة عنايتها لبحث المؤثرات الفكرية الغربية في القرن العشرين على الادب العربي الحديث، ثم تدرس من خلالها اثر الوجودية تحديدا في قصص زكريا تامر، فتبدأ بتعريف الأفكار الوجودية وأعلامها، ثم تبحث في عنوان الوجودية وأدب الضياع في القصة السورية، والموقف العام في مجتمعنا العربي من الوجودية، وموقع «كامو» وروايته «الغريب» ضمن هذا المنحى من التأثير، وتخص بالدراسة مجموعة زكريا تامر «صهيل الجواد الابيض» ومدى علاقتها بغريب كامو، من خلال بحث النقاط المشتركة في الشخصية والمكان والزمان والحدث والسرد واللغة المكثفة في بعض المواقف. فالمقولات الاساسية عند ابطال زكريا تامر الذين يمثلون في رأي الكاتبة بطلا واحدا، تلتقي مع المقولات الوجودية لدى بطل كامو «ميرسو»، وهي فكرة العبث ومقولة الحرية ومقولة الالحاد ومقولة الموت ومقولة رفض العمل.. ثم تركز الكاتبة على خصوصية زكريا تامر من حيث تقديمه لغة قصصية جديدة مدهشة. وتعود الباحثة ادراجها في التاريخ الادبي العربي، لتقف عند الجاحظ في بحث تخصصه لدراسة الصورة الادبية «الصورولوجيا»، وتحديداً صورة الفرس في بخلاء الجاحظ، فتتناول بدراسة تمهيدية صورة الآخر في الأدب المقارن، كما أرست دعائمها الأديبة الفرنسية مدام دوستال، وتبحث في أسباب تباين صورة الأنا عن الآخر، وصورة الشرق لدى أبناء الغرب، وماذا تفيد دراسة الصورة الأدبية للاخر، وكيف يتم تلقيها.. وتستأنف البحث في دراسة عناصر تكوين الصورة الادبية للاخر، فتراها متمثلة في المخزون الواسع من الكلمات التي تنقل صورة الاخر الينا، وهي حقول معجمية تشكل مفاهيم ومشاعر مشتركة من حيث المبدأ، بين الكاتب وجمهوره. وتخرج الكاتبة من دراستها الموسعة هنا الى الحديث عن المهمات المتوخاة من دراسة صورة الاخر في الادب العربي، فتراها تتكون من شقين: ـ دراسة صورة العرب في الآداب الاجنبية. ـ دراسة صورة الشعوب الاجنبية في الادب العربي قديمه وحديثه. اذ ان المنحى الاول يساعد في التعرف على اشكال التشويه التي تنطوي عليها صورة العرب في الاداب الاجنبية، مما يقدم تمهيدا لتصحيحها ومعالجتها، فللعرب مصلحة في ان تكون صورتهم في الخارج صورة واقعية وقريبة من الحقيقة، اذ انهم من خلال هذه الصورة يستطيعون فهم انفسهم بشكل افضل. وفي هذه الحالة ترى الباحثة ان الآداب الاجنبية في حقيقتها مرآة، وقد تكون مقعرة او محدبة تشوه صورتنا، لكننا يمكن ان نرى فيها انفسنا ونتعرف بفضلها على نقاط ضعفنا التي لا تروق لنا، لكن من الضروري ان نتعرف عليها، كما ان دراسة صورة العرب في الآداب الاجنبية يمكن ان تؤدي دورا متمما لدراسة تلك الصورة في وسائل الاعلام الاجنبية، وذلك في اطار المساعي العربية للتصدي لتشويه صورة العرب الذي تمارسه الجهات المعادية وعلى رأسها الاوساط الصهيونية والاستعمارية والعنصرية. اما المنحى الثاني الذي هو دراسة صورة الشعوب الاجنبية في الادب العربي، فتجده الباحثة يفيد فوائد جمة، اذ ان الصورة المشوهة للعرب في الآداب الاجنبية تعكس اشكال التشويه التي تنطوي عليها اشكاليات فكرية واجتماعية ونفسية عربية تستحق ان تدرس وتحلل، اما صورة الاوروبيين في الادب العربي فتنطوي على تشوه ايجابي تارة، وتشوه سلبي تارة اخرى، لذلك نجد في مقابل الصورة السلبية للغرب المادي، صورة ايجابية للشرق الروحاني، الذي يسود فيه الدفء الانساني والاخاء والروحانية، انها الصورة النمطية للشرق الروحاني الذي يقف في مواجهة الغرب المادي. لكن أصحاب الصورة النمطية يعجزون عن تفسير تفوق الغرب على المستوى العالمي في القرنين الاخيرين، وانتشار اسلوب الحياة الغربية في الشرق، وهو ما يعرف بظاهرة التغريب، وقد ظهرت صورة الاوروبيين في ذروة تشوهها حين صورت المرأة الاوروبية بصورة المرأة المستهترة التي تجري وراء شهواتها نابذة كل القيم الاصيلة. وعلى أية حال يظل القول بوجود فضاء ثقافي واحد في العالم امرا غير دقيق، لاننا لم نتخل عن اوهامنا المسبقة حول انفسنا وحول الاخر. وتلاحظ الكاتبة اهمال الجانب الجمالي في الدراسات التي تهتم بصورة الاخر في الادب، بحيث يؤدي بها الامر الى ان تتحول الى نوع من الدراسات الاجتماعية او الفكرية او النفسية، التي تتوسل الى العلمية باستخدامها مناهج متعددة في البحث كالبنيوية والتاريخية والتحليل النفسي، لذلك تؤكد على الحاجة الى دراسات مقارنة تستطيع ان تقيم توازنا بين الانفتاح الفكري على الآخر والانفتاح الفني على النص الادبي. وبكل ما سبق تقدم الكاتبة لدراسة صورة الفرس في كتاب البخلاء للجاحظ، فتبدأ بنبذة عن حياة الجاحظ وعصره، ثم تفصل الحديث عن كتابه البخلاء، متناولة مفهوم الجاحظ للبخل ومنهجه في تصوير البخلاء، ونظرته الموضوعية للشعوبية، وصولا الى ان الجاحظ قدم عبر كتاب البخلاء صورة الفرس من خلال رؤية جمالية، تضفي بهاء وجاذبية على صورة البخيل بشكل عام، دون ان يميز في هذه الصورة الجذابة بين العرب والفرس، لذلك لم تجد الكاتبة في الحاق صفة البخل بالآخر دليلا على ان الجاحظ قدم صورة مشوهة عن الفرس، وانما وجدت في ذلك رصد مرحلة حضارية جديدة بدأت تفرض قيمها الاجتماعية والاقتصادية غير المألوفة، بحيث تجلت معطياتها الجديدة في سلوك الاشخاص، وفي مناظراتهم الفكرية. وقد بدا الجاحظ مدافعاً عن الفرس ضد المتعصبين العرب، كما دافع عن العرب ضد المتعصبين الفرس، مما يجعل من كتابه انموذجاً للانفتاح على الاخر، نكاد نفتقده اليوم، وهذا الانفتاح بحد ذاته صورة من انفتاح الحضارة الاسلامية على الثقافات الاخرى. بهذه الصورة نجد الباحثة تنطلق من مفهوم الادب المقارن وفحواه، من أنه الأخوة التي تجمع الانا بالاخر، دون نوازع تعصب او تحامل او تجن، فهو عامل التقاء لا تنافر، وهذا الجوهر الذي وجد أبدا في النماذج الادبية الخالدة، لم يكن يتبلور الا بالتفاعل مع الاخر، من هذه الزاوية تؤكد الباحثة على أهمية الدراسات الادبية المقارنة التي تقدم علاقاتنا كعرب مع الاخر، وحوارنا معه، باعتبار العلاقة ضرورة كبرى، تسهم في حوار الحضارات، هذا الحوار الذي يعترف بالاخر شريكاً في بناء الحضارة، لا الاخر المستعمر الذي يبغي الغاء هويتنا وتدميرنا، فما الابداع الا وليد الانفتاح على حضارات اخرى، وهذا ما تؤيده الحقائق التاريخية والفنية، فالعزلة ابدا تعني اغراقا في الذات، وابتعادا عن معطيات العصر، وبالتالي تخلفاً، وفي أحسن الأحوال دوراناً حول الأنا القومية، والمبالغة في انجازاتها، وغض الطرف عن سيئاتها وما تعانيه من أمراض الجهل والتخلف. محمد عبدالواسع