مؤلف كتاب «دلائل الاعجاز في علم المعاني» هو العلامة أبوبكر عبدالقاهر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني المتوفى سنة 471ه، وقد ولد في جرجان، ثم أخذ العلم عن محمد بن الحسن الفارسي النحوي، حيث صار من أئمة اللغة والنحو والبلاغة، وكان غزير العلم، وقد قيل فيه انه مؤسس علم البيان. تصدى «عبدالقاهر» للتدريس في بلده، ولم تقبل الدنيا عليه، لكنه لم يكن يرضى ان يغير طبيعته الجادة، أو ان يذل نفسه في السعي الى الدنيا، انصرف الى العلم، فوضع كتبه التي عرفنا منها: دلائل الاعجاز، أسرار البلاغة، المغني في ثلاثين مجلدا، العمدة في التصريف، كتاب في العروض، المختار من دواوين المتنبي والبحتري وأبي تمام، المفتاح، الرسالة الشافية في الاعجاز. وكتابه «دلائل الاعجاز» فهو في اعجاز القرآن الكريم، حيث جعله في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة من حيث التعبير، وقد قلّب أمر الاعجاز على وجوهه، ومضى يبحث في وجوه الاعجاز لبيان حقيقتها. ورفض ان يكون الاعجاز في العناصر النحوية والبلاغية في العبارة القرآنية فحسب، مقررا ان القرآن الكريم معجز في نفسه وان دليل اعجازه هو في نظم الكلمات وتأليف العبارات، وان بيان النظم لا يمكن ان تفيه قوانين النحو حقه، بل لابد من معرفة علم الفصاحة والبلاغة ايضا. وهكذا وضع «الجرجاني» يده على نظرية النظم التي تجمع بين منهجين نقديين هما: النحوية والبلاغية، ويوحدهما في منهج واحد يناقش فيه سمو اعجاز القرآن وجمال الشعر. وقد رفض عبدالقاهر ان يكون الاعجاز ناشئا من تخير الالفاظ لأن هذه الالفاظ لم تكتسب شيئا جديدا لم يكن لها من قبل وضعها في آي القرآن، كما رفض ان يكون الاعجاز في موسيقاه التي تكونت من واقع حركاته وسكناته. كذلك رفض ان يكون الاعجاز في الفواصل التي في أواخر الآيات فهي بمثابة القوافي في الشعر. ويذهب الى ان الاعجاز ليس في الاستعارة والكناية والمجاز وحدها، لأن ذلك يؤدي الى ان الاعجاز في آيات معدودات مما يشتمل على الاستعارة والكناية والمجاز. فالاعجاز في ذلك كله، وهذه نظرية النظم عنده حيث يقول: «وأعلم ان ليس النظم الا ان تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو»، ثم يمضي قائلا: «ان النظم لا علاقة له باللفظ وإنما النظم يقتضي المعنى القائم في النفس فهو الذي يرتب الالفاظ حسب المعاني التي لها اسبقية، ولا تزيد الالفاظ على ان تكون تابعة للمعاني». وقد حمل عبدالقاهر على المنحازين الى اللفظ، لأن الانحياز الى اللفظ قتل للفكر، كما انه لم يستطع ان يتصور الفصاحة في اللفظة، وإنما في العملية الفكرية التي تضع تركيبا ينتظم الألفاظ. كما حمل على المنحازين الى المعنى فقال: «وأعلم ان الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب، غلط من قدم الشعر بمعناه، وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية ان هو اعطى الا ما فضل عن المعنى». إن قوانين النحو تحتل عند «الجرجاني» النظام اللغوي المستقر في عقل الجامعة التي تجعل اللغة وسيلة اتصال بين أفرادها، ومن هنا يحاول صياغة مفهوم النظم الذي يميز فيه بين كلام وكلام، فيقول: «ليس النظم الا ان تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه، وتحفظ الرسوم التي رسمت، فلا تخل بشيء منها، ومعرفة الفروق بين كل الاستعمالات في كل باب على حدة. إن البحث عن جماليات التركيب النحوي للشعر، حلم لم يتحقق في موروثنا النقدي، الا مع العلامة «الجرجاني» فراح يتأمل العلاقات السياقية بين اجزاء العبارة لندرك معنى نظرية النظم التي نحن بحاجة اليها اليوم. محمد سطام الفهد