بيان الكتب: محمد الماغوط فارس مازال ممتطياً جواده، يسافر بنا بقصيدته رغم ان الآذان ما عادت تصغي للانشاد. والكثيرون لا يفقهون ما تعني الكلمات.. شاعر عبر عن هذا الجيل من خلال ذاته. والباحث لؤي آدم يحاول ان يسلط الضوء من خلال هذا الكتاب على تجربة شعرية متميزة خلال مسيرة الشعر العربي المعاصر والتي صاغها الماغوط من بين التجارب المتقدمة في الشعرية العربية المعاصرة وبالتالي فالباحث هنا يسبر اغوار عوالم الماغوط الشعرية ويحاول ان يبرز ما خفي منها، ذلك لان الماغوط ليس كالاخرين من الشعراء فقد اغلق تلك العوالم واصبح الولوج اليها يتطلب قارئاً بمستوى شاعريته حتى يستطيع ان يفتح تلك الابواب ليطل منها على تلك العوالم القصية. يقول الباحث لؤي ادم عن اسلوب عمله «لن ادعي في دراستي التجريبية هذه والتي التزمت في توجيه دقة قيادتها بموجب نهج خاص، حاولت فيه الاستفادة من نتائج الابحاث النفسية لتطبيقها في دراستي هذه والتي حاولت فيها تحليل شخصية الماغوط، وابداعاته الادبية، ثم حاولت تقديم التأويل الناجع لما تم تحليله منفرداً بهذا نوعا ما، عن الذين تمنهجوا باسلوبية النقد الادبي التقليدي الذي لم يستفد من سيكولوجية الابداع الا ماندر معتمدين على الاراء المزاجية البعيدة عن الموضوعية. قسم الباحث دراسته الى قسمين: الاول ـ دراسة تحليلية. الثاني ـ دراسة تركيبية. في الدراسة التحليلية، يركز الباحث على تمرد الشاعر والعلاقة السيكولوجية لدواعي التمرد، والمحاور النفسية مع تأويلاتها: ـ محور التمرد عند محمد الماغوط. ـ تعليل محور التمرد عند محمد الماغوط سيكولوجياً. ـ تأويل محور التمرد عند محمد الماغوط سيكولوجياً. يكتب الباحث فاتحة لهذا القسم. ويجد ان «امواج البحر الماغوطي» كما سماها ستجتاح القاريء، لو كان غير مسلح بسد صخري يقيه ثورة امواج البحر الماغوطي «لذا لابد ان تكون شاطئاً صخرياً شاهقاً جدا جداً حتى تتمكن من مجاورته ومجالسته بهدوء، رغم ان مياه امواجه المستحيلة لن تجد اي صعوبة في التسلل الى اعماق مفاصل الصخور العملاقة». ومنذ البدء نجد انفسنا كقراء امام الباحث المتشرب بكل مساماته بتجربة الشاعر، ونبدأ بمحور التمرد عند محمد الماغوط ينتقل بنا الى مظاهر محور التمرد في كتابات الشاعر، ثم مظهر الاب، ومظهر رجال الدين وسلطتهم ومظهر الهيمنة الطبقية «يقول محمد الماغوط.. طفولتي في ضيعة «سلمية» بقدر ما كانت بائسة نمت فيّ احساس التمرد، طبيعتها امراء وفلاحين مقابر خاصة للامراء ومدارس لاولادهم فقط. ابن الفلاح لا يدرس، من هذا الخلل اتت عزة النفس والتمرد». ويتناول الباحث محور التمرد مرة اخرى من زاوية التعليل، ومحطات تكوين الشخصية، منذ اطوار الطفولة كما يسميها الباحث، ثم ازدواجية التذكر، والشعور بالقهر والنزعة التمردية، والشعور التظلمي، والمظاهر السلوكية للشعور القهري، ثم ردود الافعال التمردية عبر سلوك الشاعر الشخصي. «ساحشو مسدسي بالدمع واملأ وطني بالصراخ وقوله «يا اهلي.. يا شعبي يا من اطلقتموني كالرصاصة خارج العالم.. من اصافحه في التاسعة اشتهي قتله في العاشرة وتبلغ العدائية حد الرغبة في الاستحواذ على كل شيء كل امرأة في الطريق هي لي كل نهد وكل سرير هو لي.. لعائلتي.. لرفاقي الجائعين» اما في تأويل محور التمرد فنقرأ اثبات الذات بنزوعه الابداعي «المتميز» ثم اثبات الذات بنزوعه الابداعي «المتمرد»، ثم تسافر مع مخطط بياني للمنحى الانساني لمراحل الجدل التلازمي. ـ القهري والتمردي عند محمد الماغوط عندما ننتقل الى القسم الثاني من الكتاب لنواصل السفر مع محمد الماغوط من خلال بحث لؤي ادم.. والذي سماه دراسة تركيبية.. تواجهنا ابداعات الماغوط، اذ يسلط الباحث الضوء على نتاج الشاعر الابداعي، ويتابع المحور التصاعدي لهذه التجربة، عبر مراحل الابداع المختلفة: ـ مرحلة الحب المهيمن. ـ مرحلة القوة المهيمنة. ـ مرحلة التوازن وهيمنة قوة الحب الانساني. يقول لؤي ادم «نستطيع ان نقول ان محمد الماغوط وبعد تأمله الذاتي لحالتي التجاذب الباطني بين جاذبية الحب المهيمن، وجاذبية القوة المهيمنة كحالتين متناقضتين، تمكن من خلالهما تجريده لهيمنة الحب من حسيته وتجريده لهيمنة القوة من تجبرها من تحقيق وحدة الذات عبر توازن المتناقضات». ثم ينتقل لؤي ادم الى تعليل وتأويل ابداعات الماغوط سيكولوجيا ويبدأ من دائرة التوتر، ويرجع الى مراحل الشاعر ويضعها في دائرة التوتر: ـ مرحلة الحب المهيمن في دائرة التوتر. ـ مرحلة القوة المهيمنة في دائرة التوتر. ـ التوتر والحضور. ثم مظاهر التوتر، وفضاءات التوازن عند الشاعر، وتطور المحاور النفسية، ومن ثم مخطط لمسار رحلة البحث عن الذات والتماهي عند محمد الماغوط، فالاتزان النفسي «عانى الماغوط في مرحلة متقدمة من طاقاته الحسية العملية المتفجرة والتي كانت تحرم آفاقه من سكينة التأمل والتفكر، حتى نرى الماغوط ينتفض متمرداً على نفسه، في رحلته الثالثة ليصل الى ذاته التي لم يكن ليستطيع ان يصل اليها الا من داخل نفسه ليصل بهذا الى الاتزان النفسي، والان لنتبع مراحل وصور هذا الاتزان النفسي وكيف حدث متأملين في هذا القول المأثور لمحمد الماغوط.. «لو كانت الحرية ثلجاً.. لنمت طول حياتي بلا مأوى». وفي الفصل السادس نصل الى أساس البحث.. لنقرأ عن التطابق والتماهي بذات الوطن من خلال ذات الشاعر.. او كما يقول الباحث واصفاً الماغوط «وطن في وطن» هنا نقرأ المزايا والصفات الخاصة والعامة لشخصية الشاعر: ـ صاحب الشخصية المتزنة. ـ صاحب الارادة القوية. ـ صاحب القلم المبدع. اما في الصفات العامة للماغوط: ـ الفداء، الفداء الحتمي، الفداء الاختياري، الفداء الفطري. ـ السهل الممتنع. ـ الصدق والالم. ـ الاصلاح.. الجرأة. ـ الشعور الاغترابي. ـ الانسانية.. «هي المزية السابعة عنده، ولا اقول الاخيرة، لانه يمتلك الكثير مما يمكن لنا ان نجده لديه، واقول هذا الكلام بعد ان قرأت كل كتاباته وكل ما كتب عنه تقريباً، ولا أدري ان كان احد غيري قد خاض هذا البحر قبلي؟ المهم ان هذه المزية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بميوله الاصلاحية التي نمت وترعرعت مع توأمتها الانسانية، في رحم مخيلة محمد الماغوط منذ طفولته المبكرة، اذ ان محبته للجميع ولوطنه وعفويته وصدقه جعله يعشق كل ما في هذا الكون». في الملحق في ذيل الكتاب شذرات من كتابات لعشرات الادباء والكتاب الذين تناولوا الماغوط، انسانا وشاعراً، منهم «سنية صالح، د. محمد بدور، زكريا تامر، نزار قباني، انسي الحاج، غسان كنفاني، يوسف الخال، نزيه ابو عفش، نازك الملائكة، بوعلي ياسين، نبيل سليمان، وفيق خنسا، نبيل خوري، عمار المير احمد، د. راتب عسكر، حسان عطوان، محمد علي شمس الدين، رياض نجيب الريس، د. جابر عصفور» وغيرهم كثيرون. هذا الكتاب احد اهم الكتب الدراسية البحثية التي كتبت عن شاعر متمرد مبدع كمحمد الماغوط. ولعلنا هنا أمام شاعر لابد من دراسة اعماله وباحث لم يترك ثغرة دون ان يحاول ان يضعها في دائرة الضوء وبذلك قدم دراسة متميزة لشاعر متميز. جديرة بالقراءة، وبالشاعر. عبدالاله عبدالقادر