بيان الكتب: كانت رواية «مقتل روجر آكرويد» المنشورة سنة 1926 سبباً في شهرة سيدة الرواية البوليسية اجاثا كريستي ومقتل روجر آكرويد لم يكن مؤلَفها الأول بفتح اللام كان ترتيب الرواية السابع بين مؤلفاتها®. وبعد نشر الرواية قال لها الناشر: كتبك في رواج دائم®. وبإمكانك كتابة ما يحلو لك الآن.. إن اسم اجاثا كريستي وحده يعتبر نجاحاً تجارياً. وهذا الكلام أسعدها وأحزنها في آن واحد لأنها كانت تتمنى النجاح من خلال امكاناتها الأدبية وليس من خلال اسمها. واجاثا كريستي كاتبة غزيرة الانتاج الأدبي.. تكتب بمعدل روايتين كل سنة، ومن هنا لانستغرب أن نجد عشرات العناوين لها تتصدر واجهات المكتبات.. واذا تصفحنا رواياتها نجد أن كلمة «جريمة» تتصدر عناوين رواياتها مثل الجريمة الكاملة، جريمة في ملعب الجولف، جريمة في الغربة، الجريمة تدق الباب، جريمة البرج، جريمة في الجو، جريمة في القطار الأزرق، جريمة ملاك، جريمة في العراق، جريمة الكوخ، جريمة في بيت الطالبات، الجريمة الأخيرة، إعلان جريمة، سر الجريمة، جريمة في قطار الشرق.. . هذا فضلاً عن عناوين توحي بوجود جريمة مثل موعد مع الموت، خاتمة المأساة، الأرث الدامي، القاتل الغامض، مقتل روجر آكرويد، الجثة التي اختفت، المتهمة البريئة، الشاهدة الوحيدة، رصاصة في الرأس، القصر الرهيب، اللغز المثير، اختطاف رئيس الوزراء، مرآة الميت، الكأس الأخيرة، الغيرة القاتلة، أخطاء القضاء، شر تحت الشمس.. وغيرها. ولكي تدفع اجاثا كريستي عن نفسها تهمة إمتلاكها لون واحد فقط في أشكال الرواية®. الرواية البوليسية، قامت بتأليف رواية رومانسية.. كتبتها تحت اسم مستعار هو «ماري وستماكوت»®. ثم ظلت ثلاث سنوات تكتب هذا اللون من الروايات البوليسية إلى أن انكشف أمرها. قال عنها أحد النقاد: «بعد لوكريسيا بورجيا ما من امرأة شغلت نفسها بالجرائم مثلها». واجاثا كريستي المولودة سنة 1891 خجولة تخشى الأضواء على الرغم من معالجتها لروايات جريئة تتعلق بطرق البحث عن اكتشاف أسرار الجرائم، وهي مواضيع تحتاج الى المواجهة مع الآخرين وكسر حواجز العزلة، فهي بعد نجاح روايتها «مقتل روجر آكرويد» اختفت وظل البحث عنها من قبل الشرطة والمخبرين وآلاف المتطوعين 15 الف متطوع، حدث ذلك في شهر ديسمبر سنة 1962، ثم اتضح أنها مختفية في فندق تتمتع وترقص وتقيم تحت اسم مستعار مدعية أنها فاقدة للذاكرة . وهو ما اعتبره البعض نوعاً من الدعاية لروايتها الناجحة . وهذا جعلها هي وكتابها يتعرضان للنقد الشديد والمشادات، واحتج كتَاب الرواية البوليسية على ذلك معتبرين اجاثا بعملها هذا تستهين بالقراء وبمشاعرهم سواء بعملها عند اختفائها أم بطريقة معالجتها لشخوص روايتها « مقتل روجر آكرويد» لأنها اعتمدت تضليل القاريء للوصول إلى القاتل الحقيقي. وهذا الأمر لم يخل من ردود فعل عكسية من قبل القراء أنفسهم والذين ناصروا اجاثا في عملها الأدبي واعتبروا كتاب الرواية البوليسية متحاملين عليها. أما كيتنج فيرى أن اجاثا كاتبة عادية لا تتمتع بالثقافة العالية واستدل على ذلك أن مؤلفاتها هي الأكثر مبيعا في العالم. وهي بعد ذلك قلما تقابل الناس والصحافيين حتى إن ناشر كتبها رآها للمرة الأولى بعد مرور ربع قرن على تعامله معها!. واجاثا تقيم في لندن قريباً من شاطيء التايمز، غير انها كانت تصحب أزواجها في رحلاتهم إلى الخارج. كان زواجها الأول من ارشيبالد كريستي ومنه حملت اسمها الأخير والذي ارتحلت معه إلى فرنسا عندما أرسل إلى الجبهة أثناء الحرب وهناك أقامت وعملت في احدى المستشفيات وبعد انهيار زواجها الأول من ارشيبالد كريستي انهارت ثم استعادت ثقتها بنفسها تدريجيا.. ولكنها كثيراً ما اصطحبت زوجها الثاني « ماكس مالوان» البروفسور في علم الآثار من جامعة لندن في رحلاته للتنقيب عن الآثار في منطقة الشرق الأوسط خاصة بلاد الرافدين والشام ومصر، وكانت أحب الفترات في حياتها تلك التي قضتها مع زوجها خلال التنقيب عن الآثار في المنطقة الشمالية من أرض الرافدين حيث سادت الحضارة الآشورية، وبينما زوجها ينقب عن الآثار توزع هي وقتها بين الطهو لزوجها ورفاقه وبين الكتابة في خيمتها وعندما تتذكر تلك اللحظات المحببة الى نفسها تقول مازحة: «اني محظوظة وسعيدة إذ أني متزوجة من رجل مهنته التنقيب عن الآثار، فكلما كبرت زاد اهتمامه بي». واجاثا ليست طباخة ماهرة وحسب بل وطباعة ماهرة أيضا فهي تطبع بثماني أصابع . عاشت اجاثا طفولة غريبة فهي أصغر البنات توفى والدها الامريكي ابفاه ميلر وهي صغيرة. فكان المعادل الكبير في حياتها أمها الانجليزية التي ارتأت أن تتعلم اجاثا في البيت وليس في المدرسة، أما اخواتها فلم يأبهن لذلك، فانطوت اجاثا على نفسها لا تعقد صداقات مع الآخرين.. فمنذ طفولتها كانت تبتكر قصصها وتعقد صداقاتها مع شخوص قصصها، ولعل هذا يفسر لنا سر إنطوائها وخجلها! ولعل ذلك يفسر لنا أيضا لم كانت تفضل الحمام وتجلس في البانيو الساعات الطوال لكي تختمر في ذهنها قصة جديدة، كما كانت تطيل المكوث في المطبخ، وتقول عن ذلك: «إن الطبخ يثير خيالها». حلمها الأول كان أن تصبح عازفة بيانو أو تصبح مغنية لكن صوتها لم يساعدها فاختارت طريق الأدب. أحبت اجاثا الشرق كثيرا، وكانت أولى رحلاتها إلى بغداد سنة 1929، وفي سنة 1930 التقت زوجها الثاني عالم الآثار ماكس مالوان في أرض الرافدين، ووثقت الكثير من اكتشافاته من خلال الصور. واجاثا مغرمة في تحليل شخصيات رواياتها من الناحية النفسية وتعطي الكثير من الاضاءات هنا وهناك معتمدة ومتأثرة بالمنهج الفرويدي في التحليل النفسي . وتحول العديد من رواياتها إلى أفلام سينمائية، كما مثلت فانيسيا ريدجريف دور اجاثا كريستي نفسها في أحد الأفلام. ورواية «مقتل روجر آكرويد» تحكي قصة التاجر الناجح «روجر آكرويد» الذي أُشيع انه ينوي الزواج من السيدة فيرارس قبل مقتلها، تلك المرأة التي فقدت زوجها قتيلا أيضا، واتهمت بقتله، فهي تملك الدوافع لذلك.. تكرهه وترغب بالزواج من روجر آكرويد وهذا يكفي وليس مستغربا، المستغرب أنها وبعد مقتل زوجها وخلو الطريق أمامها للزواج من روجر آكرويد رفضت خطبته لها . ولعل السر يكمن في أنها هي القاتلة فعلا لزوجها وأن هناك من اكتشف السر وراح يبتزها. ولكنها لم تكشف سر ذلك الشخص الذي يبتزها ولكي تهرب من مأزقها تحاول الانتحار. وبعد موت السيدة فيرارس منتحرة يحاول روجر آكرويد الوصول إلى الحقيقة فيقوم بشرح تلك الملابسات للدكتور شيبارد لكي يساعده في حل لغز انتحار السيدة فيرارس . وبينما هما في حديثهما ذاك اذ يدخل عليهما الخادم يحمل رسالة من السيدة فيرارس كانت قد كتبتها قبل موتها الى روجر آكرويد تطالبه فيها بالانتقام من الشخص الذي نغص عليها حياتها ودفعها في طريق الانتحار . بعد هذا اللقاء يعثر على روجر آكرويد مقتولا. فمن هو القاتل؟ الرواية تدور أحداثها في الريف الأنجليزي كأغلب روايات اجاثا حيث المجتمع الصغير المحدود الحركة والتغير، وحيث يحوم الشك حول الجميع عند وقوع جريمة.. وعند التحقيق معهم لا يبوحون بأماكن وجودهم ساعة الجريمة ليس لأنهم ارتكبوا الجريمة ولكن البوح بأماكن تواجدهم ساعة الجريمة سيكشف أسرارا لهم أرادوا لها ألا تنكشف، وكشفها سوف يعري أعمالا مشينة كانوا يؤدونها ساعة الجريمة مصادفة أو في فترة ما من حياتهم . روجر آكرويد وبعد وفاة زوجته تبنى ابنها رالف باتون الفتى المسرف المكلل بالديون ويعيش معه . كما يعيش معه أيضا وقبل مقتله أرملة أخيه «سيسيل» وابنتها فلورا ذات العينين الزرقاوين وكذلك سكرتيره الخاص وخادمه. ويظهر أشخاص جدد وقت الجريمة، ليس للقيام بالجريمة ولكنهم كانوا في المكان الخطأ وهؤلاء وأولئك لا يبوحون بأماكن تواجدهم ساعة الجريمة لأن ذلك سيعري حقائق مظلمة من ماضيهم يحاولون طمسها ما أمكن.. هكذا تسير اجاثا في تعقيد خيوط الجريمة واثارة الشك واستنفار ملكات القاريء وحدسه ليصل إلى المجرم الحقيقي قبل نهاية الرواية، وهي طريقة تستهوي الكثير من القراء وتثير فيهم الشعور بالنشوة لمشاركة المؤلفة في فك رموز الجريمة، ولعل هذا واحد من أسرار نجاح روايات اجاثا الكثيرة . وتظهر شخصية بوارو، تلك الشخصية التي تتكرر في الكثير من روايات اجاثا، ذلك الرجل الذي يعتقد انه أذكى رجل في العالم، ويتفحص بوارو مكان الجريمة، ثم ينتقل إلى المحيط الأوسع ويجد عند البحيرة خاتما مكتوب عليه رقما وحرفا يساعده في الاقتراب من القاتل، ويكتشف أن روجر آكرويد وقبل مقتله كان قد سحب 100 جنيه من البنك، وبعد مقتله لم يعثر سوى على 60 جنيها منها . ويتوصل بوارو إلى حقيقة وهي أن الجميع يكذبون عليه، ولم يكن ذلك إلا لأسبابهم الخاصة . تلك الأسباب التي يعني كشفها افتضاح أسرارهم الدفينة. وتنهي اجاثا روايتها بكشف المجرم الحقيقي على يد بوارو بعد أن يجمع المشتبه بهم في مكان واحد . فمن هو القاتل ؟ إنه الدكتور شيبارد، راوي القصة.. قتل روجر آكرويد ليأخذ رسالة السيدة فيرارس، لأن الدكتور شيبارد هو الوحيد الذي يعرف أن السيدة فيرارس هي التي قتلت زوجها وكان يبتزها للسبب ذاته فنغص عليها حياتها ودفعها للانتحار.. قلة من القراء وصلوا إلى هذه النتيجة . وهو ما كانت تسعى إليه اجاثا جاهدة في رواياتها دائما!! واجاثا كريستي وقد مضى على رحيلها اليوم ربع قرن، (1976) كانت امرأة رشيقة شبيهة بالنساء الرياضيات أو فارسات الخيل والتي لا يبدو على مظهرها أنها يمكن أن تكتب روايات بوليسية غامضة تحير فيها قراءها رغم ذكائهم وبعد انتهائها من كتابة روايتها «مقتل روجر آكرويد» التي ارسلتها إلى ثلاث دور نشر وأرجعتها لعدم قناعتها بنصوص الرواية . وعدم رجوع النصوص إليها في المرة الرابعة، جعلها تعتقد انها ضاعت في الطريق فلم تأبه لذلك، إلى أن جاءها الرد بالموافقة على النشر ففتحت لها تلك الرواية طريق الشهرة ولتبلغ مجموع ما نشر لها من رواياتها حتى اليوم أكثر من ألف مليون نسخة وفي أكثر من 40 لغة عالمية. إعداد ـ كريم السماوي