ريشار. ج الدريش مؤلف هذا الكتاب، هو استاذ العلوم السياسية في جامعة نوتنجهام، ويدرس في هذا الكتاب العلاقات بين الاجهزة والسرية البريطانية والامريكية طيلة فترة الحرب الباردة. ومن الملاحظ ان الدراسات الخاصة بالاجهزة السرية قد غدت خلال العقد الأخير من الزمن، أي بعد انهيار الكتلة الشيوعية بمثابة أحد فروع الدراسات «الاكاديمية»، كما يدل الكم الكبير من الكتب التي تم رصدها لعمل هذه الاجهزة. هذا لاسيما وان العديد من «الاراشيف» بما في ذلك اراشيف جهاز الـ «كيه.جي.بي» السوفييتي السابق قد أصبح مفتوحا أمام الباحثين. ومن الملاحظ ايضا ان لمثل هذه الدراسات المكرسة للاجهزة السرية جمهورا عريضا يهتم بها، وذلك تحت غطاء الرغبة بفهم الآليات التي اتبعتها الاجهزة المعنية في «الدفاع عن الأمن الوطني لشعوبها». لكن مؤلف هذا الكتاب يشير من طرف آخر الى ان الكثير من «الآليات الحقيقية» لمهنة «العمل السري» لاتزال هي ايضا «طي الكتمان». وبالتالي تم الكشف عن «أسرار» الماضي بكثير من «الانتقائية» المدروسة بشكل دقيق. إن الهدف الأساسي الذي يسعى اليه مؤلف هذا الكتاب هو ان يقدم دراسة وثائقية استقى مادتها الأساسية من مختلف الاراشيف الحكومية. ومن هنا ايضا يتميز هذا العمل بدوره بكثير من «الانتقائية» وهو يركز أولا على دراسة أهمية عمل الاجهزة السرية خلال فترة الحرب الباردة و«المواجهة» بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي آنذاك، حيث كانت قضية الصواريخ الكوبية عام 1962، أي اكتشاف صواريخ سوفييتية آنذاك منصوبة على بوابات أمريكا بمثابة نقطة تحول أساسية في التركيز على أهمية التنسيق بين الاجهزة السرية. لكن مؤلف هذا الكتاب لا يقتصر فقط على «الأرشيف الرسمي» إذ يلجأ احيانا ـ في الواقع نادرا ـ الى استقاء معلوماته من مذكرات بعض قادة الاجهزة السرية البريطانية والامريكية خلال الحرب الباردة، أو من كتب السيرة المكرسة لهم كمصدر ثانوي. هذا مع التأكيد بأنه من الصعب اعتماد هذه المصادر كوثائق رسمية بسبب خضوعها لذاتية أولئك الذين كتبوها. ما يؤكد عليه المؤلف هو ان الاجهزة السرية ـ أجهزة الاستخبارات ـ البريطانية والأمريكية قد عرفت درجة متقدمة من التعاون المفيد والمثمر في العديد من مناطق العالم، وكان عملها بمثابة عون كبير للقيادات الحاكمة في البلدين من أجل صياغة سياساتها في المناطق المعنية. وتتم الاشارة ضمن هذا الاطار الى ان أحد الأهداف الأساسية للتعاون الاستخباري البريطاني ـ الامريكي خلال فترة الحرب الباردة كان يتمثل في جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول القدرات النووية السوفييتية. ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي لعبه بعض العملاء المزدوجين من أمثال «أولج بينكوفسكي» و«فلاديمير بيتروف» وغيرهما. بكل الاحوال كانت الاجهزة البريطانية والامريكية تتفق على خدمة هدف مشترك تمثل في «محاربة الشيوعية». وكان ذلك التعاون قد «تنشط» كثيرا اثناء فترة «التعايش السلمي» بين المعسكرين، وحيث ان حرب الاجهزة استمرت في ظل ذلك التعايش. في المحصلة يمكن القول بأن هذا الكتاب الموثق الذي يعنى مباشرة بعلاقات الاجهزة السرية البريطانية والامريكية في ظل الحرب الباردة إنما هو ايضا بصورة ما تأريخ للعلاقات الدولية في تلك المرحلة التي كان كل معسكر يتطلع فيها لـ «ازالة» المعسكر الآخر مهما كانت شعارات «التعايش» المرفوعة