بيان الكتب: ساهم دانييل لازار مؤلف هذا الكتاب في العديد من الصحف والدوريات الامريكية والعالمية مثل «وول ستريت جورنال» و«ذا نيو يوركر» و«هاربرز» و«لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية و«نيو لفت روفيو»... الخ. سبق له ونشر كتابا بعنوان «الجمهورية المجمّدة وحرب أمريكا غير المعلنة». نقطة الانطلاق في هذا الكتاب الجديد «الضربة الناعمة» تتمثل في الانتخابات الرئاسية الامريكية التي جرت في شهر نوفمبر عام 2000 والتي شهدت عملية فرز الاصوات فيها «مسلسلا» من المفاجآت بحيث ان آلياتها ومؤشراتها ونتائجها «تقلّبت» في الساعات الاخيرة مع تقلّص الفارق بين عدد الأصوات التي نالها المتنافسان جورج دبليو بوش وآل جور الى ستة آلاف صوت فقط بعد فرز أصوات الناخبين في ولاية فلوريدا. إن هذه الانتخابات وكل الملابسات التي رافقتها دعت «دانييل لازار» مؤلف هذا الكتاب الى تحليل آلياتها من زاوية علاقة ما جرى بحقيقة الديمقراطية الامريكية وبمدى مطابقته مع بنود دستور الولايات المتحدة. ومن خلال هذا طرح تساؤلا جوهريا يتعلق بمعرفة عمّا اذا كان الدستور الامريكي قد أصبح بصيغته الحالية دستورا مترهلا وغير عصري.. وبالتالي ينبغي تعديله وجعله أكثر مواكبة لمعطيات المرحلة. كانت كل مؤشرات عملية فرز أصوات الناخبين تدل على ان جورج ولكر بوش، وبعد اعلان معظم النتائج، هو الفائز في الانتخابات الرئاسية الامريكية الى ان «جاءت» نتائج ولاية فلوريدا لتقلب الاوضاع رأسا على عقب، ففارق الاصوات التي نالها المتنافسان قد أصبح ضئيلا الى درجة ان آل جور الذي كان قد اتصل بمنافسه جورج بوش الابن قبل خمسة واربعين دقيقة فقط ليخبره بأنه على وشك اعلان هزيمته أمامه، عاد واتصل بالمرشح الجمهوري من جديد ليخبره هذه المرة بأن الظروف قد تغيرت، لاسيما وان هناك عددا من الاصوات لم يتم ادخالها في حساب النتائج. أصيب المرشح بوش بالذهول بعد حديثه الهاتفي الثاني مع المرشح الديمقراطي ولم يتردد في اتهام آل جور بالتراجع في مدة تقل عن ساعة عمّا كان قد قاله حول الاعتراف بالهزيمة. وبالنتيجة لقد تعقدت المشكلة وبدا ان هناك خللا ما في عملية فرز الاصوات، وفي الوقت نفسه كانت فترة رئاسة بيل كلينتون تقارب نهايتها، ومع ذلك لم يكن أحد يدري وحتى تاريخ 12 ديسمبر من العام الماضي 2000 من هو الذي سيكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة الامريكية. وحيال الوضع الذي آلت اليه الامور أصدرت المحكمة الامريكية العليا حكمها بوقف عملية فرز الاصوات في فلوريدا. ويرى مؤلف هذا الكتاب ان مثل هذا الحكم لم يكن بعيدا عن توجه يضمن للجمهوريين السيطرة على المحكمة بعد تولي رئيس جمهوري لمقاليد السلطة في امريكا. ان المحكمة العليا هي أعلى سلطة قضائية في الدولة وليس هناك مجال لاستئناف الاحكام الصادرة عنها. لذلك لم يكن أمام الديمقراطيين أي ملاذ آخر سوى الرضوخ. لكن اذا كان الامريكيون قد رأوا دائما في هذه المحكمة أهم جهاز «محايد» في الدولة فإنهم وانطلاقا مما جرى اثناء عملية فرز أصوات الانتخابات الرئاسية الامريكية لعام 2000 قد بدأوا ينظرون لها على أساس انها «مؤسسة» امريكية سياسية لا تحرص على النزاهة المطلقة». إن «المتهم» الرئيسي بنظر مؤلف الكتاب هو النظام الانتخابي الامريكي الذي يصفه بأنه «متخلف» وهو الذي «أسس» لامكانية الوصول الى مثل الوضع المعقد لنتائج الانتخابات المعنية. ان هذا النظام الانتخابي لايزال على حاله منذ القرن الثامن عشر، وبالتالي لم يعد مناسبا لدولة تدّعي انها أكثر الدول تقدما وأعرقها ديمقراطية. ثم ان آليات النظم الانتخابية في البلدان «الديمقراطية» الاخرى يتم تعديلها وتحديثها بين حين وآخر كي تتماشى مع التطورات والمستجدات التي يفرضها العصر بينما يصر الامريكيون على النظر لدستورهم وكأنه كتاب مقدس لا يمكن المساس به. هذا رغم تأكيد المؤلف عبر تحليلاته بأن هذا الدستور قد أثبت بأن الولايات المتحدة ليست ديمقراطية من حيث بنية الدولة فيها وذلك على عكس ما يدعيه الجميع انها «مجرد جمهورية من القرن الثامن عشر» تتمتع ببعض المباديء «شبه الديمقراطية». وفي حالة فرز الاصوات الانتخابية بولاية فلوريدا اثناء انتخابات نوفمبر 2000. ويتردد المؤلف في تأكيده بأن حاكم الولاية، وهو شقيق المرشح الجمهوري، قد ساعد أخاه في «سرقة» الانتخابات من المرشح الديمقراطي. ويحاول المؤلف تقديم الحجج والبراهين على الآراء التي يقدمها فيقول بأن الدستور الامريكي المعمول به حاليا هو نتاج قرنين من الاحتلال والثورة والحرب الأهلية، وذلك منذ ان بدأت انجلترا غزوها للعالم الجديد منذ القرن السادس عشر. وبعد ان يستعرض الظروف التي ميزت كل حقبة من حقب التاريخ الامريكي، يحلل المباديء الأساسية التي قام عليها في النهاية الدستور الحالي الذي يحكم القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم. وفي اطار تحليل الدستور نفسه يشرح المؤلف أقسامه الثمانية من زاوية «فصل» العلاقة بين الشعب والحكومة. هكذا يتم التعرض لمهام رئيس الدولة والكونجرس والجهاز القضائي واختصاصات الولايات المختلفة. ان أكثر ما يعيبه دانييل لازار على هذا الدستور هو اهتمامه بأمور صغيرة تمس الحياة اليومية للأفراد، في حين انه يغفل قضايا كبرى تخص حقوق الانسان وحرياته. وقد أدّى ذلك، بنظره، الى اعتقاد الامريكي العادي بأنه لا توجد عقول سوى في امريكا وان كل الانجازات الاوروبية أصبحت بمثابة «معطيات قديمة» لا تتماشى مع التقدم الامريكي. ويشير المؤلف ضمن هذا السياق الى ان مجلس النواب الامريكي كان يناقش في أواخر القرن الثامن عشر مسألة اعلان الولايات المتحدة بأنها أكثر بلدان العالم حريّة ورقياً في الوقت الذي كان البعض ينتقدون افتقارها لمبدعين عظام في الفنون والآداب والعلوم من أمثال جوتة وشير وموزارت وبيتهوفن وبلزاك وهيجل الذين كانت تزخر بهم أوروبا «القارة القديمة». أضف الى هذا تباين التفسيرات لمضمون الدستور الامريكي وما يثيره من اشكاليات، حيث ان كل جهة تفسره بالاسلوب الذي يتناسب مع مصالحها، وبالتالي لابد من طرح بعض الاسئلة: هل الشعب هو السيد الحقيقي داخل الولايات المتحدة الامريكية سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو الجماعة؟ وهل تسمح مواد الدستور للحكومة الفيدرالية تجاهل امتيازات الولايات لتأمين الهدوء الداخلي؟ ان مختلف الاجابات والتفسيرات المتعارضة أدت الى معارك سياسية على قاعدة ان كل صاحب مصلحة يفسر الدستور الامريكي على هواه. وفي حين ان الدستور يعطي للسياسة صبغة ديمقراطية، فإنه يحرم في الوقت نفسه عامة الشعب من أدوات السلطة أو القوة الضرورية احيانا لحل النزاعات السياسية. وضرب المؤلف مثالا على ذلك في الانفصال الذي حدث في ستينيات القرن التاسع عشر وعزاه الى افتقار الشعب للقوة التي تجعله سيد قراره. وفي عودة لانتخابات نوفمبر من عام 2000، يرى المؤلف بأن الدستور لم يمنح ولاية فلوريدا مهلة طويلة لاجراء الانتخابات فحسب، وإنما منحها ايضا سلطة ان تقرر الاستمرار أو عدم الاستمرار في فرز الاصوات. لكن في الواقع عمل جورج دبليو بوش وانصاره على وضع العراقيل أمام مطالب فريق آل جور باجراء فرز كامل للأصوات أو حتى فرز أصوات أربع مقاطعات من مجموع المقاطعات الـ 67 التي تضمها ولاية فلوريدا. ويؤكد المؤلف بهذا الصدد على ان صورة الجماهير الغاضبة من الجمهوريين التي رفعت لافتات تدعو الى وقف فرز الاصوات أو «وقف عمليات التزوير». ستظل ـ أي الصورة ـ مرتبطة بأحداث نوفمبر ـ ديسمبر 2000. لقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يستخدم فيها أحد الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الامريكية أعمال عنف جماعية لوقف فرز الاصوات. وعلى الرغم من اصرار الجمهوريين بأن الذين قاموا بالاحتجاج إنما كانوا أفرادا عاديين من انصار الحزب الجمهوري وبأنهم قد فعلوا ذلك بدافع الحرص على سلامة الانتخابات. فإنه من الثابت وجود بعض رجال الحزب الجمهوري ومسئوليه في صفوف المتظاهرين، هذا بالاضافة الى بعض مثيري الشعب الذين يمكنهم احداث قلاقل تهدد الأمن. ويناقش المؤلف على مدى صفحات عديدة من كتابه، طريقة معالجة وسائل الإعلام الامريكية لانتخابات نوفمبر 2000 ولما شهدته عملية فرز اصوات ناخبي ولاية فلوريدا من «أحداث». هكذا يسوق ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» اليمينية واتهمت فيه بشكل عام آل جور بمحاولة «تخريب» فوز المرشح الجمهوري جورج ولكر بوش والوصول الى الحكم بصورة غير شرعية. لكن بالمقابل كانت هناك أصوات كثيرة رأت في اطالة أمد الانتظار لتحديد الفائز بالانتخابات خسارة جسيمة بالنسبة للجميع، إذ ان ذلك يمثل فقدان الامة لثقتها في قضاتها الذين يفترض ان يكونوا الحماة الحقيقيين للدستور. ويشيد المؤلف ضمن اطار البحث في مسألة احترام القانون بموقف آل جور، وبموقف الخبراء الدستوريين الذين تولوا الدفاع عن موقفه حيث قرروا جميعا، بعد صدور حكم المحكمة الامريكية العليا بوقف عملية فرد اصوات الناخبين في فلوريدا، وبالتالي اعلان فوز جورج ولكر بوش، قبول قرار المحكمة. ولم يكن أمام آل جور أي خيار سوى الامتثال لـ «القانون»، إذ وعلى الرغم من ان المواطنين الامريكيين قد اقترعوا بشكل ما وقرر القانون شكلا آخر ـ من جهة نظر آل جور ـ فإنه يتعين احترام القانون وليس للسيادة الشعبية، مما يمثل «نظرة متطورة لمفهوم القانون ولمدى التقيد به». ومن النتائج الاساسية التي ترتبت على انتخاب نوفمبر 2000 مطالبة الكثيرين في أوروبا بضرورة اعادة النظر بالنظام الانتخابي برمّته، بل وفي الدستور ذاته بحيث يتم انتخاب رئيس الولايات المتحدة الامريكية ونائبه بالاقتراع العام المباشر بشكل يعكس الارادة الشعبية وحتى لا تتكرر التعقيدات التي ظهرت بشكل جلي خلال الانتخابات المذكورة والتي جعلت أكبر قوة في العالم تقف حائرة لا تدري ما تفعل حيال تلك المشكلة القانونية.