بيان الكتب: يعمل مؤلف هذا الكتاب مديرا لبرنامج دراسات السلام والنزاعات، كما انه أستاذ مساعد في قسم العلوم الإنسانية بجامعة تورنتو الكندية. له كتاب معروف يحمل عنوان «بيئة وندرة وعنف». يعيش مؤلف هذا الكتاب في تورنتو.أهدى المؤلف عمله «ثغرة الابداع» إلى «طلبته» الذين «سيكون المستقبل ما يصنعونه هم منه». هذا العالم الذي تساور أغلبية البشر فيه شكوك كثيرة حوله وما يمكن أن يؤول اليه في ظل مسيرة علمية متقدمة تفتح الطريق أمام «مجاهل» كثيرة. هذا العالم الذي صنعه الانسان هو عالم شديد التعقيد مما يجعله عصيا على الفهم، ناهيك إذن على السيطرة. بل ان ما يؤكده المؤلف هو ان الأغلبية الساحقة من البشر تخامرهم الظنون بأن الخبراء أنفسهم لا يعرفون في الواقع كنه ما يجري وبالتالي كأننا أمام قوى طلبته «خرجت من قمقم ـ ولا يستطيع البشر التحكم بها. كل ما نعرفه بشكل أكيد وثابت هو ان المجتمعات الانسانية تواجه وبدرجات متفاوتة، أزمات مالية واجتماعية وثقافية وسواها، هذا بالاضافة إلى التحديات الواقعية التي يواجهها العالم على صعيد التغيرات المناخية والاوبئة الخطيرة الفتاكة، التي كان مرض نقص المناعة المكتسب ـ الايدز ـ آخر «نسخة» منها، هذا فضلا عن عودة بعض الأمراض «القديمة» إلى الظهور مثل مرض السل وغيره. إن احدى السمات الاساسية لأزمات العصر تتمثل في تداخلها الكبير بحيث تحتفظ أبعادها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية الى درجة انها تكون أحيانا مستعصية على الادراك وعلى الفهم» حتى من قبل قادة العالم أنفسهم والمتخصصين في شتى ميادين العلم والمعرفة. في مواجهة هذا الوضع «المسدود» تجد المجتمعات الانسانية نفسها محكومة باستخدام قدراتها الابداعية، اذا كانت تريد بالفعل ان تحسن من أوضاعها وتتلمس الطريق الصحيح لحل مشاكلها. ان هذه هي «الرسالة» الحقيقية لهذا الكتاب». وان مزيدا من الابداع يعني قدرة الافكار ان تتحرر وتنطلق، وتحرر بذلك الافراد المعنيين بها وكذلك تساهم في تحرر مجتمعاتهم وتطلق قدراتها الابداعية الكامنة. لكن مثل هذه المهمة هي في غاية الصعوبة، اذ ليس من الميسور بالنسبة للمجتمعات الانسانية، الغنية منها والفقيرة، ان توفر امكانيات الابداع المطلوب في الزمان والمكان المناسبين. النتيجة المترتبة على مثل هذه الأوضاع مجابهة مجتمعات عديدة لما يطلق عليه المؤلف «ثغرة الابداع»، بين التفاوت بين الاحتياجات المتزايدة للابداع وبين حقيقة ما هو متوفر من هذا الابداع. إن هذه الثغرة، أو بالأحرى «الثغرات» تؤدي إلى اتساع الفوارق و«الهوة» في الفرص المتاحة وامكانيات الثراء داخل المجتمعات ذاتها، أو فيما بين مختلف المجتمعات الانسانية. إذ في حين تستطيع فيه مجتمعات عديدة التواؤم بدرجة معقولة مع عالمنا الذي يتسارع ايقاع التبدلات فيه، نرى ان مجتمعات أخرى تتأخر وتتخلف عن اللحاق بركب قطار «التقدم» ويرى المؤلف في هذا ما يهدد خلال القرن الحادي والعشرين بتزايد هوة التفاوت بين القادرين على التواؤم مع متغيرات العصر وبين غير القادرين على مثل هذا التواؤم، مما قد يشكل في المحصلة عائقا حقيقيا أمام التقدم نحو تحقيق فكرة المجتمع الانساني الذي يشارك فيه الجميع. لكن وفيما هو أبعد من هذا، يمكن أن يؤدي هذا الى النيل من استقرار المجتمع الدولي ورفاهيته عبر خلخلة أمنه واثارة القلاقل والانقسامات والتنافس ... وربما الحروب بين معسكري «الرابحين والخاسرين». انها ثنائية جديدة أخرى تطرح في أفق المستقبل. إن مثل هذه الصورة «القاتمة» لا تتماشى مع ما يعتقد به الكثيرون من ممثلي النخب الاقتصادية والسياسية والاعلامية في المجتمعات الغربية. وحيث ان هذه النخب قد عبرت مؤخرا عن تفاؤلها على قاعدة النجاح الذي حققته الولايات المتحدة بالذات والذي «يستحق» ان يكون «مثالا» للاقتداء به. ويشير المؤلف هنا إلى ما يرى به مدعاة لافتخار الغرب على قاعدة المنجزات الرأسمالية والتقدم العلمي والتكنولوجي والمؤسسات الديمقراطية.. أي بكل ما اعتبره قد ساهم «بشكل رائع» في رفاهية الانسان وحريته. مع ذلك فانه لا ينكر واقعا ان العديد من الانتصارات والانجازات التي حققها الغرب انما قد تحققت عبر تضافر واجتماع عدد من الظروف.. كما ان «ضربة الحظ» لم تكن بعيدة عن ذلك. وفي سياق حديث المؤلف وضمن محاولة التدليل على حقيقة وواقعية وجود الفوارق واتساع الهوة التي يحاول ان يؤكد على عمقها بين العالم المتقدم والعالم المتخلف، يستعرض نموذج وضعته الاحداث الجارية على الساحة الافغانية اليوم على مقدمة المسرح الدولي. افغانستان التي يصفها بالقول: «ذلك البلد الذي يعيش حياة القرون الوسطى». ويروي انه عندما كان ذات مرة في طريق العودة من الهند بالطائرة أعلن الملاح عن المرور في المجال الجوي لافغانستان وبأنهم «يطيرون» فوق عاصمتها كابول، نظر من النافذة إلى أراضي هذه البلاد التي كان جده قد خاض فيها المعارك قبل قرن من الزمن كأحد جنود الجيش البريطاني الذي كان يريد احتلالها ولم يفلح بذلك. وقد شكل ذكره لهذه «الحادثة» مناسبة للحديث عن تاريخ أفغانستان. لقد كان يحكم افغانستان ـ عندما حارب فيها، وحارب جيشها، جده قبل مئة سنة ـ هو عبدالرحمن خان الذي كان يعرف باسم «الملك الحديدي» ـ على غرار السيدة الحديدية مارجريت تاتشر فيما بعد ـ الذي عمل على توحيد البلاد تحت امرته وتحديثها والمضي بها نحو استقلالها عن النفوذ البريطاني. وكان قد بنى جيشا قويا لتلك الغاية. باختصار كان حاكما قويا لديه مشروع سياسي. أما اليوم، فهناك لا مفارقة كبيرة «ملأت» وعي الكاتب، بين «طيرانه» على ارتفاع 11 ألف قدم محاطا بأحدث ما أنتجه العقل البشري في مجال تكنولوجيات الطيران كما تدل طائرة «البوينج 747» الضخمة، وبين واقع افغانستان التي تمثل بلدا خربته اعوام الحرب الطويلة وشبه المستمرة. حرب ضد الغزو السوفييتي أولا وحرب بين الفصائل العرقية المتنازعة، وأخيرا الحرب التي قادتها حركة طالبان ووصلت بها الى السلطة في كابول ـ ثم نشر هذا الكتاب قبل بداية الحرب الدائرة اليوم. لقد دمرت الحروب السابقة نصف منشآت العاصمة كابول وتعاني أحياء عديدة من انقطاع التيار الكهربائي.. كما ان ثلثي السكان لا يحصلون على المياه النقية الصالحة للشرب. اضف الى هذا واقع ان 70% من القادرين على العمل هم بـ «رسم البطالة» في حين ان 5% من الاطفال يموتون قبل بلوغهم الخامسة من العمر. على الرحلة نفسها في الطريق من الهند ومرورا بأجواء افغانستان «قرأ» مؤلف هذا الكتاب التناقض الجذري بين الواقع البائس الذي يعيشه الافغانيون وبين ما يجول في «اذهان» رفاق رحلته من أثرياء الهند «الغرب الذين كانوا بطريقهم الى عقد صفقات أو لرؤية أسرهم وأقربائهم.. أو ربما انهم مسافرون بقصد السياحة فقط. بكل الاحوال لم تكن كابول تعنيهم في شيء». وهذه هي تناقضات الحياة والسمة الرئيسية للمجتمعات الانسانية المعاصرة «رفاهية وثراء من جانب وفقر وتخلف من جانب آخر». بكل الاحوال «كان بؤس كابول على بعد 11 ألف قدم منا، الا اننا لا نراه ولسوف ننساه تماما بعد لحظات»؟ يقول المؤلف. واذا كانت الرحلة من الهند عبر الاجواء الافغانية قد أثارت احساس المؤلف بدرجة التفاوت الكبير بين مجتمعات العالم، فان رحلة اخرى «أوروبية هذه المرة» جعلته يدرك مدى تعقيد العالم الذي نعيش فيه. كان خلال هذه الرحلة الاوروبية قد توقف في مدينة «ستراسبورج» الفرنسية لعدة اسابيع حيث اقام مع احدى الاسر في المدينة. كان رب هذه الاسرة عالما في ميدان الفيزياء وقد اصطحبه في احدى المرات الى المختبر الذي كان يعمل فيه. كان مختبرا صغير المساحة مقارنة بنظرائه في البلدان الأخرى. لكن رغم هذا احس انه ضخم وهائل بحجراته القليلة واجهزة «الكمبيوتر» التي يحتوي عليها. بدا «التعقيد» واضحا عندما شرع الفيزيائي بمحاولة الاجابة بأسلوب مبسط يتناسب مع معلومات المؤلف العلمية المحدودة. لكن وبعد ساعة من الوقت أدرك السائل بانه لم يستوعب كل ما قيل له، فطرح على مضيفه سؤالا اضافيا جاء فيه: «هل يوجد في العالم انسانا يفهم كل ما قاله منها تاما؟». وكان الرد بالنفي مما زاد في حيرة السائل وارتباكه دون ان يدرك سبب ذلك. لكن وبعد ان مرت على هذه الواقعة سنوات طويلة ـ 20 عاما ـ أدرك سبب حيرته وارتباكه بعد أن قرأ دراستين في مجلة «الشئون الخارجية» الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ناقش اثنان من كبار رجال السياسة والاقتصاد فكرة ما إذا كانت «اقتصادات» ما بعد العصر الصناعي قد وضعت حداً لحلقات تعاقب الازدهار والكساد الاقتصادي التي كانت قد بدأت منذ مطلع القرن التاسع عشر. لقد رأى رجل السياسة ان «اقتصادات» اليوم شهدت عدة تطورات تؤدي إلى انحسار الازدهار في مجال الأعمال. فالأيدي العاملة أصبحت أكثر مرونة وبالتالي أقل عرضة للكساد. كذلك تسمح التكنولوجيات الجديدة للشركات بالسيطرة بشكل أفضل على مخزونها من السلع في حين أن عولمة رؤوس الأموال والانتاج والاحتياجات الاقتصادية تجعل الاقتصاد العالمي أقل «حساسية» تجاه الظروف الاقتصادية الخاصة بكل بلد. وانتهى السياسي بالإعلان عن تفاؤله على قاعدة الازدهار الاقتصادي الأمريكي. أما رجل الاقتصاد فقد اعتبر أن مجال الأعمال قد شهد حالة من الكساد منذ أواخر الستينيات الماضي حيث أضرّت حرب فيتنام بالاقتصاد الأمريكي ثم جاءت بعد فترة وجيزة الصدمة البترولية الأولى. إن مثل هذه الآراء رددها خبراء اقتصاديون آخرون. لكن لم يكن هناك من توقع حدوث كساد اقتصادي بسبب الحرب في الشرق الأوسط أو إثر قيام الثورة الإيرانية. كما لم يتوقع أحد أن يتلقى الاقتصاد الياباني ضربة تؤدي الى انخفاض سعر الأسهم بالبورصات الى مستويات لا يمكن تصديقها. ثم لم يتنبأ أحد ان إعادة توحيد ألمانيا وقيام الاتحاد الأوروبي سوف يؤديان إلى هبوط اقتصادي حاد. على قاعدة التحليلين السابقين يرى المؤلف انه عندما يعايش الناس أحوالاً اقتصادية وسياسية جديدة، كما كان الحال في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء عقد التسعينيات الماضي، ينسون تماماً انهم يعيشون في عالم مليء بالمفاجآت. فبالإضافة إلى الجهل بالمكونات الحاسمة والامكانيات المتوفرة في النظم المعقدة المحيطة بنا، يأتي «الجهل بأننا جهلاء». وذلك كله بسبب «ثغرة الإبداع» لكن الإنسان لا يمكنه معرفة كل شيء وفهم كل شيء. في المحصلة النهائية يختتم المؤلف تحليلاته بنظرة فيها الكثير من التفاؤل، حيث يقول ان المتشائمين على مدى التاريخ كانوا يسيئون تثمين قدرة الإنسان على الإبداع، هذا في حين أن ما يمتلكه البشر من مواهب وقدرات لابد وأن تدفعهم نحو استنباط وابتكار أفكار جديدة أياً كان الموقع الذي يشغلونه في بلد من بلدان العالم المتقدم أو من بلدان العالم الثالث. المهم هو إتاحة الفرص وإطلاق الخيال للإبداع. إن مؤلف هذا الكتاب يطرح الكثير من التحديات التي يواجهها البشر في عصر العلوم والتكنولوجيات المتقدمة التي تبدو أحياناً، بأنها قد «انحرفت» عن موقعها الطبيعي. هذا وعبر التأمل والتعمق، وخاصة الإبداع، لابد وأن يصل البشر الى حلول لما يواجهونه من زيادة ديموغرافية متسارعة مع تخريب كبير للبيئة.. وانتشار أمراض وأوبئة مهددة.. وحروب قائمة أو تلوح في الأفق.. وحيث أنه هناك «ثغرة في الإبداع» مصدرها التخبط بين واقع ضاغط.. وأفكار محددة تحتاج للمناخ الذي يسمح لها بالتحرر والانطلاق. ويبقى السؤال قائماً: «كيف يمكننا حل مشاكل المستقبل» كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب