بيان الكتب: روبرت سوليفان، مؤلف هذا الكتاب، هو كاتب وصحفي. ساهم بكتاباته في العديد من الصحف والروايات من بينها «نيويوركر» و«رولينج ستون» و«فوج». وشارك ايضاً في عدد من الكتب الجماعية. هذا وقد لاقى كتابه الاول «ارض المروج» ترحيباً كبيراً من قبل النقاد، هذا الكتاب «صيد الحيتان» هو كتابه الثاني. اما موضوع هذا الكتاب فهو قصة بحث قبيلة هندية امريكية من اجل استرداد التقاليد والطقوس القومية والعمل على استمراريتها في العالم الحديث. القبيلة المقصودة هي قبيلة «ماكاه» الصغيرة التي تعيش في المناطق الشمالية من الولايات المتحدة الامريكية. وكان افراد هذه القبيلة يمارسون منذ عهود قديمة «صيد الحيتان»، وجعلوا من هذا الصيد اهتمامهم الاول وحرفتهم الاساسية. وينقل المؤلف عن كيف جونسون، رئيس لجنة «ماكاه» لصيد الحيتان كتابته في رسالة مفتوحة موجهة لجمهوره جاء فيها: «يشكل صيد الحيتان جزءاً من تقاليدنا منذ اكثر من الفي عام. وكان علينا ان نتوقف عن ممارسة هذا التقليد خلال عقد العشرينيات من القرن الماضي ـ العشرين ـ بسبب ندرة الحيتان الرمادية. لكن وفرة هذه الحيتان الرمادية. الآن تجعل من الممكن عودتنا لممارسة تقاليدنا القديمة في صيدها. ويشرح المؤلف في هذا السياق مدى ما يشكله صيد الحيتان من مصدر للغذاء «البحري» بالنسبة لقبيلة «ماكاه» «تاريخياً». كذلك يكتسي ايضاً بعداً ثقافياً لاجيال عديدة. هذا وتشكل مسألة الصيد هذه قضية حقيقية للخلاف، بين ابناء القبيلة والحكومة الفيدرالية الامريكية. ان هذه الحكومة اعطت «الضوء الاخضر» من اجل الصيد. وبالتالي غدا السبيل الوحيد لوقف القتل المأساوي، هو عزوف قبيلة «ماكاه» عن قتل ذلك وبحيث ان تلك الايام التي كان يتم فيها صيد الحيتان تغدو بمثابة تراث من الماضي. ومن خلال مسألة صيد الحيتان، يطرح مؤلف هذا الكتاب مسألة العلاقة مع الماضي من منظور مجموعة سكانية صغيرة ارتبطت تاريخياً بمكان تواجدها الجغرافي. كما يطرح ايضاً من خلال المنظور نفسه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها المجموعة السكانية المعنية، اي قبيلة «ماكاه» الهندية التي غدت متناهية في الصغر، كما ان 70% من ابنائها البالغين يتعاطون الكحول والمخدرات. كما تشير بعض التعليقات الصحفية التي تكاثرت مؤخراً في اطار النقاش الطويل الذي دار بين مؤيدي الصيد وبين معارضي قتل «الحيتان البريئة». وقد شارك في هذا النقاش العديد من الشخصيات الاجتماعية والعلمية مثل ميكائيل كوندو، منسق جمعيات المحافظة على الانواع البحرية في المحيطات، الذي اعتبر بأنه لا يمكن لأي مجتمع ان يتقدم عبر تبني مثل هذه الطقوس القديمة واللاانسانية، كما ان التقدم يعني كل انسان يعيش في الحقبة الجديدة التي اصبح العالم فيها بمثابة قرية كونية. وليس ان تعطي لقبيلة ماكاه، او لأية مجموعة اثنية اخرى شرعية تأكيد ثقافتها عبر طقوس القتل. ويبين المؤلف ايضاً البعد الاقتصادي لمسألة صيد الحيتان، ويؤكد بان احد الاسباب الحقيقية التي دفعت افراد قبيلة ماكاه للمطالبة باستئنافهم لممارسات قديمة كانت عزيزة على قلوبهم، وكانت مناسبة لاعياد احتفالية، يتمثل اي السبب، في ادراكهم بأن ثمن كيلو الحيتان التي يصيدونها يصل الى (80) دولاراً في اليابان، وهذا يعني ان حوتاً واحداً يمكن ان يجمع ثروة حقيقية. العملية اذن ليست فقط ذات طابع تاريخي وثقافي وانما، وربما بالدرجة الاولى، تجاري. بل وان للعملية ايضاً تشعباتها التي تمتد حتى روسيا وايسلندة اللتين ادركت مجموعات فيهما مدى الاهمية التجارية لحصول قبيلة ماكاه على رخصة صيد الحيتان، وتحديداً الحيتان الرمادية، النادرة، هذا البعد التجاري للعملية ينفيه المعنيون، فمسألة عقد صفقات تجارية مع اليابان ليست سوى مجرد «اشاعات»، اذ هناك شراكة بالجوار.. بالمقابل يتم التأكيد على الجانب الاحتفالي الطقوسي، والمعيشي. يقول «مارسي باركر» احد أعضاء مجلس قبيلة ماكاه في تصريح له عام 1997: «ان غايتنا من صيد الحيتان هي المحافظة على الطقوس ومن اجل تأمين سبل العيش ـ بمعنى التغذية، ان حشد هذه الرؤية بعيدة تماماً عن اذهان جمعيات الدفاع عن الحيوانات». ان مؤلف هذا الكتاب يعود في حديثه عن «صيد الحيتان» الى اواسط القرن التاسع عشر عندما وقعت قبيلة ماكاه اتفاقاً «معاهدة» مع الحكومة الامريكية حول الصيد في المناطق البحرية الواقعة شمال شواطئ الولايات المتحدة بالقرب من بورت انجلس. ويرسم من ذلك التاريخ مدى ارتباط صيد الحيتان، بـ «طريقة الحياة القديمة لقبيلة ماكاه». انه يجمع الشهادات من سليلي هذه القبيلة.. ويبحث عن معلوماته في مختلف المتاحف البحرية بما في ذلك «متحف ماكاه» الذي لا يتعدى كونه «مكان صغير لحفظ ذاكرة شعب ماكاه وتقاليدها في العيش». ومن خلال استعراض ادق التفاصيل لحياة سبعة من صيادي الحيتان ولكل ما يحيط بمغامراتهم في البحر والصعوبات التي يواجهونها، مؤلف هذا الكتاب اجواء تبدو وكأنها تعود الى الماضي وبأسلوب روائي يدفع الى الذاكرة رواية ونسق همنجواي الشهيرة، العجوز والبحر، او قصة مغامرة موبي دايك، السفينة التي يعرفها جميع اطفال امريكا.. لكن و في الوقت نفسه يطرح مجموعة من القضايا ذات العلاقة بالماضي والمحافظة على التراث في مواجهة عصر التكنولوجيا والقرية الكونية. ولعل اجمل الصفحات التي يتضمنها هذا الكتاب هي تلك التي يتحدث فيها المؤلف عن ايام المعركة، الثلاثة مع حوت رمادي، ثم الصفحات الاخيرة التالية في الكتاب تحت عنوان: بعد ان مات الحوت. كتاب متعدد الجوانب حول الحنين الى الماضي وواقع الحاضر.. وحول الصيد وحقوق الحيوان والمحافظة على الانواع.. وقبل كل شيء حول مغامرة بحرية في سفينة صيد.. مثل تلك التي نراها في الافلام