بيان الكتب: بيير ماري غالوا هو جنرال سابق في الجيش الفرنسي.. وأحد رموز الديجولية المعروفين. يبلغ من العمر تسعين عاماً وهو احد الاستراتيجيين المعروفين عالمياً. ساهم في العديد من الندوات والمؤتمرات الدولية وكتب في صحف ودوريات عديدة بعضها عربية. له العديد من المؤلفات من بينها عمل شهير يحمل عنوان «كتابات عن الحرب» و«هل تخرج فرنسا من التاريخ؟» و«رمال القرن» حول النازية. يأخذ هذا الكتاب «القبول القاتل» صيغة حوارات اجراها «فيليب بوتي». مدير سلسلة «حوارات من اجل المستقبل» التي تصدرها دار نشر تيكستويل الباريسية وسيمون كروك، الصحفي. الموضوع الاساسي في هذا العمل هو العلاقات الاوروبية ـ الامريكية في عصر العولمة واحادية مركز القرار العالمي. لكن هذا العمل هو في صميمه ايضا صيحة انذار لاوروبا التي يبدو انها «تجنح» في حريق «قبول قاتل» للهيمنة الامريكية دون ان تعترف بذلك. وكي يدلل المؤلف ـ الجنرال على آرائه يطرح عدداً من الاسئلة كي يقوم بعد ذلك بالاجابة عليها.. مثل كيف امكن ان «يباع» للرأي العام سياسة يتم التأكيد على انها اوروبية اصيلة بينما هي مرتبطة تماماً بالولايات المتحدة الامريكية؟ وهل الدفاع عن الاتحاد الاوروبي الذي هو بطور التحقق وأمنه يمران عبر تخليه عن التزود بمنظومته الدفاعية الخاصة؟ وهل فرنسا، بل واوروبا، لاتزالان في عداد القوى الكبرى؟ عند بداية هجوم القوات الجوية الاطلسية ضد يوغسلافيا اثناء حرب كوسوفو 1999 كتب «جيم هاوغلاند» في صحيفة «هيرالد تريبيون» يقول: «ينبغي استغلال عملية كوسوفو من اجل تجاوز الاهتمامات التي عفا عليها الزمن والخاصة بالسيادة الوطنية». هكذا اذن لقد «انتهت» الامة واصبح «الاستقلال» مجرد «وهم».. ذلك ان الاولويات تذهب في اتجاه اخر، باتجاه «البناء الاوروبي» و«العولمة» و«الاحلاف» و«العلاقات متعددة الجوانب»... و«السيادة عبر المشاركة». ان هذا كله يعني ضمنياً، او صراحة دون الاعتراف بذلك ان «سادة العالم الجدد يقومون بحمايتنا» وضمن المنطق نفسه ينبغي ان تتوحد اوروبا «سياسيا» بعد ان توحدت «اقتصادياً».. وبالتالي ينبغي على جميع دول الاتحاد الاوروبي، في المستقبل المنظور، التخلي عن «سياساتها الخارجية». لكن هل الناس المعنيون، الفرنسيون وغيرهم من الاوروبيين يعون تماماً ذلك؟ وهل تم تزويدهم بكل المعلومات المتعلقة بالمستقبل الذي يصنعه الحاضر؟. ان الجنرال بيير ماري غالوا يشك في ذلك. لقد بنى شكه، وهو الاستراتيجي المعروف وأحد بناة قوة الردع الفرنسية وصديق الجنرال شارل ديجول، على دروس تجربته الشخصية الطويلة وقراءته للمستقبل وما يخبئه من تمردات ونزاعات. وهو يعود في تحليلاته كثيرا الى لقاءاته مع شخصيات كان لها موقع في تاريخ فرنسا مثل الجنرال ديجول و«غي موليه» احد اصحاب القرار اثناء حرب السويس عام 1956، و«مارسيل داسو» مؤسس وصاحب شركة داسو لصناعة الطيران «الميراج». ما يركز عليه المؤلف هو القول بان «العالم قد تبدّل». والشرخ بين الاغنياء والفقراء يزداد عمقاً. اما اوروبا فـ «لم تعد تعرف توجيه مسارها»، كما يرى الجنرال، هذا بالاضافة الى «هشاشة» وحدتها و«وهم» منظومتها الدفاعية المشتركة، و«تناقض» سياساتها الزراعية... الخ. «ان فرنسا لويس الرابع عشر ونابليون الاول، بل وحتى فرنسا كلمنصو وديجول قد تبخرت ولن تعود ابدا»، هذا ما كتبه البروفيسور «سوليفان» في مجلة «ستراتيجيك روفيو» في خريف عام 1994، وهذا ما يكرره، الى هذه الدرجة او تلك الجنرال المؤلف بيير ماري غالوا. ومنذ حرب الخليج الأخيرة اصبح الشعار المطروح هو «لا قتلى بعد اليوم».. وبالتالي لم تعد الاولوية النووية ذات اهمية بالنسبة لبلد مثل فرنسا، التي وعبر تخليها شيئا فشيئاً عن «السيادة» تخلت عملياً وبالايقاع نفسه عن «موقع القوة النووية». اما الولايات المتحدة الامريكية فإنها تخلت عن قبولها التقيد بمعاهدة منع اجراء التجارب النووية والتي كانت قبل فترة وجيزة من الزمن من أكثر المتحمسين للدفاع عنها. ومن الافكار التي يطورها مؤلف هذا الكتاب القول بان مفهومي «السيادة» و«القوة» اللذين استخدمهما غالبا الاخصائيون في ميدان العلاقات الدولية، لم يعملا ابدا «بشكل جيد» معا. اذ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظهر مفهوم «عالم بلا سيادة» حسبما جاء في كتاب للمفكر السياسي «برتدان بادي» صدر عام 1999 تحت العنوان نفسه «لقد اصبحت السيادة ذات طابع تعددي». وذلك بمعنى ان كل دولة غدت تعطي اولوياتها لعلاقاتها مع مجموعة الدول الاخرى دون الاكتفاء بـ «دبلوماسية بين طرفين». وكان «برتدان بادي» قد كتب: «ان الدولة تتعلم الان تواضع واجب التعامل على المسرح العالمي مع شركاء اخرين لم يكن لهم سابقا سوى شرف قاعة حفظ الملابس». هذا وقبل عام 1989 ـ سقوط جدار برلين ـ كان العالم مقسوماً الى كتلتين مسيطرتين تضمان دولاً ذات سيادة. لكن منذ نهاية الحرب الباردة تحاول امريكا ان تأخذ وحدها دور «المايسترو» الذي تحاول الصين والهند منافستها عليه. اما اوروبا فإنها تبحث بـ «يأس» عن سيادتها. ان مثل هذا الوضع تحديداً هو ما يرفضه الجنرال بيير ـ ماري غالوا ويدخل في «صفوف المقاومة» ضده، كما كان قد قاوم الاحتلال النازي لبلاده اثناء الحرب العالمية الثانية.. انه يعلن صراحة، بل واحياناً بكثير من «الفجاجة»، رفضه لـ «الهيمنة الامريكية الجديدة». كان الجنرال بيير ماري غالوا قد قاوم النازية عام 1940 وحاول بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة ان يساهم في ايجاد نوع من «توازن القوى» على الصعيد الاوروبي.. انه يستأنف اليوم مثل الدعوة نفسها في العلاقة بين اوروبا «القارة القديمة» والولايات المتحدة الامريكية «رأس العالم الجديد».. وطالما كان قد ردد دائماً بان بلاده «فرنسا» بحاجة الى «بنية داخلية قوية وإلى «سياسة خارجية ـ دولية. فعالة». لذلك نجده اليوم، في هذا الكتاب، يعارض نزعة العولمة «المخربة» والتي قد تجر العالم الى قدر اكبر فأكبر من اللامساواة.. ويرى بانه اذا كانت نهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفييتي، ومعه المعسكر الشيوعي، تعني تكريس انتصار الديمقراطية على الطريقة الغربية «الرأسمالية»، وكذلك انتصار اقتصاد السوق.. فإنه مطلوب من فرنسا، واوروبا، عدم الرضوخ تماماً امام الارادة الامريكية. ولعل من اهم فضائل هذا الكتاب محاولته فتح باب النقاش واسعاً في فترة دقيقة من التاريخ الاوروبي والعالمي.. ذلك ان «التاريخ لم ينته»، كما قال ذات يوم المفكر الامريكي ذو الاصل الصيني فرنسيس فوكويافا، كما اكد الرئيس التشيكي فاكلاف هافل بان «الرأسمالية لم تكسب وانما الشيوعية هي التي خسرت».. وبالتالي لا ينبغي على الولايات المتحدة الامريكية ان تبذل جهوداً كبيرة من اجل فرض هيمنتها على العالم سياسياً واستراتيجياً واقتصادياً وعلمياً وثقافياً.. كما انه ليس من الضرورة بمكان ان تترافق العولمة الاقتصادية والسياسية مع زوال التوجهات القومية الاوروبية في فترة ما بعد الشيوعية. ويؤكد بيير ماري غالوا في هذا السياق بان الولايات المتحدة الامريكية قد كسبت كثيرا من خلال حرب البلقان الاخيرة والتي اثارت بالوقت نفسه رضا المانيا، وكان هلموت كول، المستشار الالماني السابق، قد قال صراحة: «ان تحلل يوغسلافيا هو انتصار كبير بالنسبة لالمانيا». لماذا؟ فـ «لنحذر من حلم الامبراطورية لدى دعاة اوروبا»، جاء في مقدمة هذا الكتاب، ثم اضافة: «فلنتوقف عن التساؤل لماذا يريد الامريكيون كأولوية لهم التواجد في اوروبا وامريكا اللاتينية والعالم الاسلامي. انها تنظر بعيداً، على عكس شهرتها بانها براجماتية وشرطي مشاغب. ذلك ان الصين تراقب باهتمام العم سام». وفي الوقت الذي ستغدو فيه الصين بعد عشرين عاما القوة الاقتصادية الثانية في العالم كما تدل مختلف المؤشرات والاحصائيات، بدأت بعض الشروخ تظهر في كيان القوة العظمى الوحيدة. وهنا تحديداً يرى الجنرال بيير ماري غالوا «فرصة» بالنسبة لاوروبا. ذلك ان صعود قوى نووية جديدة، بما في ذلك كوريا، يزيد من هشاشة الولايات المتحدة التي تحاول تأكيد قوتها عبر التصدي لـ «الدول المارقة» وتحمي نفسها بواسطة «درعها» الجديدة المضادة للصواريخ.. لكن هذا كله لا يعني بانه من المؤكد قدرتها على منع حتى الاكثر فقرا في العالم من «رفع رأسهم» ورفض الخضوع لمفهوم العالم كـ «سلعة». ان مؤلف هذا الكتاب يقدم رؤيته للمستقبل ويتخذ مواقف حيال العديد من نزاعات العالم. وفي سؤال حول «الموقف الامريكي في الشرق الاوسط؟». يقول: «هذه قصة طويلة. فمنذ قبل حرب الخليج ادركت امريكا اهمية موارد الطاقة في العالم وضرورة السيطرة عليها.. مما يشكل وسيلة لمد هيمنتها. وذلك ليس لان مثل هذه السيطرة تؤمن التزود بالطاقة فحسب وانما لان ذلك يمنع تنمية بلدان اخرى لا تمتلك احتياطات طبيعية وهي بلدان منافسة للامريكيين مثل الصين او الهند. لقد تواجد الامريكيون في السعودية اولا، وهم يبحثون عن السيطرة على القوقاز. لكن هذه بلدان اسلامية، وبما ان امريكا قد دعمت منذ زمن طويل اسرائيل، فان المسلمين يرون بها الشيطان الاكبر. هنا يكمن تناقض ما....». ويؤكد المؤلف في هذا السياق على الدور الذي تلعبه «القوة النووية» الاسرائيلية في ترجيح ميزان القوى العسكري في الشرق الاوسط لصالح الدولة العبرية.. لكنه يؤكد بالوقت نفسه على ان «التداخل» بين السكان افقد السلاح النووي الكثير من اهميته وبالتالي «خسرت اسرائيل ورقتها الرابحة الرئيسية في حالة نشوب تهديد حيوي». اي «قوة الردع»... وما يشير اليه المؤلف في هذا السياق هو ان عملية «التداخل» السكاني قد تم القبول بها بشكل واع تحت رعاية الامريكيين. ويرفض المؤلف ضمن هذا السياق ايضا فكرة كان «ادوارد سعيد» قد قال بها ذات يوم وهي قيام دولة مزدوجة القومية.. ويرى بانها لا يمكن ان تكون قابلة للتحقق الا بعد اجيال. المطلوب الان هو «الفصل».. اي نوع من التصفية الاثنية؟ يطرح السائل فيجيب الجنرال: «وهذا نتيجة لكل ما جرى. اذ ماذا فعلنا غير ذلك في يوغسلافيا؟»