بيان الكتب: جاك غرافورو هو مؤسس المدرسة العليا للتجارة المختصة بمنطقة «اوراسيا»، اي تلك «المشتركة» بين اوروبا واسيا. وهو استاذ في هذه المدرسة وفي عدد من الجامعات الصينية واليابانية، كما يعمل مستشاراً لعدة مؤسسات وحكومات. يحمل المؤلف شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية وهو مؤلف عدد من الكتب منها «اليابان في القرن العشرين» و«الصين ما بعد اليوتوبيا» و«الازمة الاسيوية: حظ مخبوء؟»... الخ. لعله من المفيد في البداية تحديد المقصود بـ «اسيا الكبرى»، او التي تتم تسميتها ايضا بـ «آسيا الباسيفيكية»، والتي تضم البلدان الواقعة شرق بنجلاديش والتي تضم خاصة اليابان والصين ـ الكبرى» ـ اي الصين وهونج كونج وتايوان ـ وكوريا وبلدان جنوب شرق اسيا ـ اندونيسيا، ماليزيا، بروناي، تايلاند، الفلبين، فيتنام، كمبوديا، سنغافورة. هذا التصنيف يستثني «مجموعة» متميزة يطلق عليها الجغرافيون تسمية جنوب اسيا وتضم الهند وبقية بلدان شبه القارة الهندية ـ الباكستان، بنجلاديش، نيبال، سريلانكا، المالديف. الملاحظة الاساسية الاولى التي يمكن تقديمها حول هذا الكتاب «اسيا الكبرى»، هو انه يخص بالدرجة الاولى الصين ثم اليابان وبقية البلدان المعنية الاخرى. والملاحظة الاساسية الاولى التي ينطلق منها المحلل ـ المؤلف في دراسته للصين هو ان هذه البلاد، الاكبر سكاناً على سطح المعمورة، قد اصبحت «رأسمالية.. بعد ان اتجهت نحو اقتصاد السوق ثم انها انفتحت على العالم الخارجي بأكثر من مرة في تاريخها ذي الخمسة آلاف سنة». واذا كانت صفة «رأسمالية» تبدو وكأنها تحمل قدراً من «المبالغة»، فإنها بالمقابل تبدو «مقبولة» على اساس المقارنة مع ما كانت عليه الصين في ظل حكم ماوتسي تونج. ولم تكن عودة هونج كونج الى الوطن ـ الام غريبة عن اجواء التبدل العميق خلال السنوات الاخيرة المنصرمة، خاصة من زاوية الاستهلاك. «ان بكين اليوم تشبه هونج كونج»، يقول المؤلف ويضيف في موقع آخر ان الأسر الميسورة تذهب الى ماكدونالد ويلبس افرادها الجينز». ما يؤكده المؤلف هو «براعة الصينيين» الذين عرفوا كيف يضاعفون ثروتهم الوطنية بأربع مرات خلال خمسة عشر عاما فقط وهم اليوم على مستوى فرنسا.. و«سوف يتعادلون غدا، بدون ادنى شك، مع اليابان عبر عملية مضاعفة الثروة مرة اخرى لاربعة اضعاف ايضا.. هذه هي في الواقع «الثورة الصامتة» التي يتحدث عنها مؤلف الكتاب، لا سيما وان الصين «تعيد» اليوم انتاج المسيرة اليابانية خلال عقد الستينيات ومسيرة النمور الاربعة خلال عقد السبعينيات وتايلاند وماليزيا خلال عقد الثمانينيات. بالنسبة للغرب، فانه بمكونيه الاساسيين الاوروبي والامريكي يبدي بعض «التباهي» فاذا كانت آسيا، من الصين وحتى اليابان، او بالأحرى من اليابان الى الصين، قد اصبحت تقاس بالعمالقة فان هذا يعود بالدرجة الاولى لانها طبقت «الوصفات الغربية» التي «لا تقهر». ثم ان «التقدم» انطلق من الغرب لتصل مسيرته الى الآخرين. لكن لا شك بان كل هذه النظرة تحمل قدرا كبيرا من الانتقائية واختزال التاريخ. ذلك ان جميع البلدان اثناء المسيرة التطورية التاريخية «نقلت» عن جيرانها و«التواصل» الانساني لم يبدأ مع الثورة الصناعية فقط، واوروبا نفسها استفادت من الحضارة العربية ـ الاسلامية. «ان الصينيين، في الصين وخارجها، هم ملوك التجارة». هذا ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب ويحاول تقديم البراهين عليه من دروس الواقع انطلاقاً من ابسطها.. وهو ملاحظة انه يكفي تأسيس «مطعم» صيني في احد شوارع عاصمة اوروبية ما، كي يصبح الشارع كله شيئا فشيئا «صينياً» على اساس مبدأ انتشار بقعة الزيت. اما اليابانيون فانهم اعطوا للاوروبيين دروساً في الصناعة خلال ثلاثة عقود من الزمن اعتبارا من ستينيات القرن الماضي. ثم ان قسماً كبيراً من صناعة الالكترونيات العالمية تتم في منطقة جنوب شرق اسيا. والاسيويون يجيدون استخدام «الحواسيب» اكثر من الاوروبيين. وبالمحصلة النهائية: «ان اسيا التي لم تكن ذات وزن كبير على الصعيد الاقتصادي منذ ثلاثين سنة، ستصبح بنهاية العشرين عاما المقبلة قوية اقتصاديا مثل الولايات المتحدة واوروبا مجتمعة. لكن المسألة الاقتصادية ليست سوى بعداً واحداً من مسيرة انسانية متكاملة. ويحذر المؤلف ضمن هذا الاطار من «الحلم» الغربي الذي يرى الاسيويين كـ «تلاميذ نجباء» سيتعلمون ويتبنون كل مقولات «النموذج الرأسمالي» كي يصبحوا بذلك مواطنين «احرار ومتساوين» على قاعدة القيم الغربية التي «يفترض ان تنقلهم من الظلمات الى النور». ان مثل هذه الرؤية تتعمق اكثر فأكثر مع ثورة المعلوماتية والاتصالات التي يشهدها العالم بحيث ان «سحر الانترنت سيحولهم ـ اي الصينيين وغيرهم من الاسيويين ـ عبر عملية استنساخ الى بشر يعيشون في افضل العوالم، عالم يشابه ديزني لاند». بتعبير اخر ان استعمار البلدان سيفسح المجال لاستعمار اخر هو استعمار العقول، «اي ما يعني اجمالاً انتصار الغرب بالضربة القاضية التقنية والاخلاقية». واذا كان الغرب قد كسب منافسة بـ «هدف مقابل صفر» عند انهيار الامبراطورية السوفييتية» وهو ينتظر اي الغرب الفوز قريباً بـ «هدفين مقابل لا شيء» في المنافسة مع بقية العالم. لكن «الانتصار النهائي» للرأسمالية الغربية حسب النموذج السائد، اصبح يعاني من بعض التشوش.. فـ «التاريخ لم ينته». ان تعميم المعايير التقنية لا يؤدي بالضرورة الى تعميم القيم بفضل وسائل الاعلام وقواعد الاستهلاك الثقافية. ثم ان الرأسمالية، كمنظومة اقتصادية، اثبتت انها قادرة على النمو في محيط «غير ديمقراطي» وان الانحياز الى اقتصاد السوق، كما جرى بالنسبة للصيف خلال العقدين الاخيرين خاصة، لا يعني ابدا الانحياز الى المباديء الغربية والى تبني النزعة الفردية المفرطة و«القيم المطلقة» الاخرى التي ينادي الغرب بها. لكن ماذا عن التجربة اليابانية؟ لابد هنا من عودة الى التاريخ القريب. ففي عام 1945 عرفت اليابان الهزيمة في الحرب ورفعت رايات الاستسلام بعد ان القى الامريكيون القنابل الذرية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي. لقد انهزمت ولكن بعد مقاومة هزت القوة الامريكية في المحيط الهاديء لمدة اربع سنوات كاملة. وعندما وصل الجنرال الامريكي «مارك ارثر» الى طوكيو كقائد لقوات الاحتلال من اجل توقيع «صك الاستسلام» مع الامبراطور الياباني وقادة جيوشه، شرع مباشرة في عملية اصلاح جذري لبنى الدولة والمجتمع.. بل والبنى الذهنية لليابانيين. وخلال سبع سنوات فقط من الاشراف الامريكي المباشر وجدت اليابان نفسها مزودة بدستور مستلهم من المباديء الليبرالية الغربية مع وجود تعددية سياسية تمثلها احزاب مختلفة وانتخابات على مختلف المستويات وسيادة القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات والمساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات.. باختصار وجدت اليابان نفسها بمثابة دولة تدار الامور فيها على الطريقة الغربية بكل مؤسساتها التمثيلية... ولابد من القول هنا بان هذا «الهيكل» الذي ساعد الامريكيون على اقامته، لايزال ينظم حياة اليابانيين وعلاقاتهم العامة حتى الوقت الراهن. وهنا يبرز سؤال: «هل يكفي التغليف الغربي من اجل تحويل اليابانيين الى نسخ مطابقة عن الغربيين؟. على مثل هذا التساؤل يقدم المؤلف تحليلاته للتأكيد بان هذا مشكوك فيه الى درجة كبيرة و«التجربة على صعيد الشعب كله لم تعط النتائج المرجوة». ذلك انه «وراء القناع الحديث لليابان لاتزال القواعد التي تحكم آليات عمل المجتمع مختلفة مما هو في الغرب الرأسمالي». ان المؤلف لا يعيد واقع احتفاظ المجتمع الياباني الى «فعل مقاومة ينم عن ارادة رفض وانما بالاحرى الى آليات التشكل الثقافي لمختلف الشعوب والأمم، اذ ان هذا التشكل يتم وينتقل من جيل الى اخر على مدى ازمنة طويلة.. والثقافة اليابانية قوية ومتأصلة لانها تحمل في طياتها شعوراً عميقاً بالهوية والانتماء». ويؤكد المؤلف بهذا الصدد ومن خلال معايشته الطويلة لشرائح مختلفة من المجتمع الياباني.. وكذلك على اساس نظرة الباحث لديه، بانه يكفي التأمل عن قرب بنمط الحياة في اليابان لادراك ان هذه البلاد لم تصبح «غربا جديداً» لمجرد انها قد تبنت التكنولوجيات والقواعد الدستورية الغربية، حسب النموذج الرأسمالي الليبرالي. لكن «هل يمكن لخضوع اليابان لمستلزمات شبكات الانترنت ان يدفعها للتوقف عن التعرف على نفسها عبر المجتمع التراتبي ـ الذي تشكل الامبراطورية قمته ـ الذي تأصل فيها واختلط مع ترتبها. يجيب المؤلف: «ان انماط التفكير والادراك والوعي وآليات العمل الاجتماعي ستتطور بالتأكيد تحت فعل التحديث المادي المتعاظم، ولكن ليس خلال سنوات او حتى ليس عبر عدة اجيال».