بيان الكتب: ديمتري سيزمان من مواليد موسكو عام 1922 وصل مع اهله الى باريس عام 1924 ثم عاد من جديد الى موسكو عام 1937 ليعود من جديد الى فرنسا عام 1967 حيث يقيم حتى الآن ويعمل كناقد ادبي في مجالات معروفة مثل «الاكسبريس» و«لوبوان» وهو ايضا مترجم ومؤلف لكتاب تحت عنوان «كل شيء هادئ في موسكو». و«اعترافات دخيل من باريس ما قبل الحرب الى الاتحاد السوفييتي الستاليني ومن موسكو المعارضين الى باريس الميترانية» عنوان طويل لكنه يعكس مراحل سيرة حياة الكتاب كما يعكس نفس احكام القيمة التي يطلقها على موطن اقامته، بل و«موطنيه» الاتحاد السوفييتي السابق وفرنسا، ان احكام القيمة هذه تتخذ ايضا عبر تحليلات المؤلف ودلالات اللونين الابيض لون المعارضة للشيوعية «انا روسي ابيض» يقول المؤلف، و«الاحمر» لون الحقبة الستالينية. وبكل الاحوال تدل كلمة دخيل في عنوان هذا الكتاب على لفظة «ميتيك» لم تعد مستخدمة الا نادرا في اللغة الفرنسية، ذلك لانها ذات دلالة تعود الى الحقبة الاثينية القديمة حيث كانت تعني «الغرباء الذين يتم توطينهم» واصبحت غير مستخدمة بشكل عام تقريبا الى درجة ان القواميس العادية «لاروس، روبير» لا تأتي على ذكرها. لكن المؤلف «نبشها» لانه وجد فيها دلالة يريدها عن وضع «الغريب المقيم في وطنه». ان المؤلف يعود الى شرح معالم الفترة التي اضطرت فيها شرائح كثيرة من الطبقة الارستقراطية الروسية والمثقفين الى الهجرة خارج روسيا، كان ذلك اثر قيام الثورة البلشفية في شهر اكتوبر من عام 1917 تلك الثورة التي انهت «النظام الديمقراطي الوحيد الذي عرفته روسيا» كان في روسي برلمان منتخب جعلت في مقدمة اولوياتها انهاء الطبقات المعادية وبالتالي كان النبلاء بالوراثة والمثقفون اول المستهدفين.. وكان من بين هؤلاء اكثرية فضلت النفي على ان تمضي الكثير من سنوات الحياة في «أقبية لوبيانكا» او في «معسكرات القولاق». لقد اختارت اغلبية المهاجرين التوجه نحو فرنسا بالتحديد لماذا؟ لانها كانت البلاد التي تنال اعجاب المعنيين ولوزن العلاقات الثقافية التاريخية بين فرنسا وروسيا التي تعود الى اكثر من قرنين من الزمن.. وفي عهد الامبراطورة كاترين الثانية قامت علاقات شبه غرامية بين روسيا وفرنسا، ان الذين كانوا وراء هذه العلاقة سيمون فولتير وديدرو.. وغيرهما كانت كاترين الثانية قد قررت ان تدفع بالاصلاحات التي بدأها بطرس الاكبر الى مداها النهائي بحيث ان تجد« الامبراطورية» مكانها نهائيا داخل اوروبا بل لم تجد وسيلة يمكن ان تقرب بلادها من القارة القديمة الا واستخدمتها، هكذا امرت باصدار الصحف من اجل نشر افكار فولتير وروسو وغيرهما لكنها مع ذلك لم تتردد في اقامة دكتاتورية شديدة القبضة والحد من الحريات الفردية. بالمقابل «قدمت» فرنسا لغتها لروسيا كي تصبح وسيلة للتواصل الفكري داخل الطبقة المثقفة، اي طبقة النبلاء والمثقفين، هكذا تجد مثلا ان رؤية «الحرب والسلام» رائعة ليون تولستوي الشهيرة والمعروفة بتأثره الكبير بجان جاك روسو، تبدأ بحوار باللغة الفرنسية بين شخصيتين من الطبقة البورجوازية العليا في بطرسبورج. وقد جاءت ضمن السياق التاريخي للتقارب الروسي ـ الفرنسي حملة نابليون ضد روسيا، يومها خف ابناء الارستقراطية الروسية لـ «الاستئثار باساتذة اللغة الروسية للتوصل الى امكانية التفاهم مع مستخدمين اصبحوا بسبب ظروف الحرب ـ ضد نابليون ـ بمثابة المدافعين عن الوطن» هكذا بدت المغامرة النابليونية بمثابة عمل لا مثيل له في التاريخ، اذ انها استهدفت اخضاع موسكو لكنها «لم تؤثر على العلاقة الحميمة بين البلدين، اذ ان القيصر «نيقولا الاول» تابع التحدث باللغة الفرنسية مع اخيه عندما كان يريد التطرق لموضوع شخصي جدا كذلك كان العمل الفلسفي الاول في روسيا هو «الرسائل الفلسفية» لمؤلفه «تشاداييف» وكان مكتوبا بـ «اللغة الفرنسية». اذا كان هذا الكتاب يقدم «السيرة الذاتية» وخاصة الجانب الفكري منها، فانه يمثل ايضا تأريخا للعلاقة الحميمية بين بلدين هما روسيا وفرنسا وحيث «تتالى» الحكايات وعمليات سرد الوقائع ذات الطبيعة المتنوعة من حملة نابليون وافكار جان جاك روسو وحتى الجولة التي قام بها المغني «ايف مونتان» برفقة زوجته الممثلة «سيمون سينيوريه» الى موسكو. وعبر هذا كله يتم تقديم صورة عن واقع بلدين خلال فترة معينة، ومغامرة شاهد «استثنائي» يجيد تماما اللغتين الروسية والفرنسية وينتقل من كل منهما الى الاخرى لا سيما وانه قد «ترعرع» و«نضج» في «حضن» ثقافتين عريقتين ثقافة فكتور هوجو وثقافة بوشكين. ان مثل هذه المعرفة العميقة، التي تبدو من خلال محتويات الكتاب، تلتقي بـ «وشاح» من النظرة الناقدة النافذة ومن الحنين ايضا بين «منفيين» هذا على الرغم من التأكيد على قساوة المنفى السوفييتي، وبالمقابل يقول عن فرنسا: «لا اتحمل بان لا تغدو فرنسا رجالها ومؤسساتها وعاداتها وفكرها وفنونها على نفس المستوى من العظمة التي عرفتها فيها. ان المؤلف يؤكد في الواقع على وجود مؤشرات عديدة تجعله يرى فرنسا، بلده الاول وليس الثاني، تتدهور ثقافيا كما يدل قبول شعبها على ان «كلوديا شيفر ـ عارضة الازياء ـ هي نجمة». سيرة ذاتية لشخص.. وتأريخ لثقافتين