بيان الكتب: الصحافية والروائية اللبنانية مي منسى امرأة مشغولة من قضبان. تصر على ان تبقى وراءها في سجن خيارها الوحيد فيه ان تكون سجينته. هكذا هو بطل روايتها الجديدة «أوراق من دفاتر سجين» ـ الصادر مؤخرا عن «دار النهار للنشر» في بيروت، فهو، مروان، حتى يحافظ على حريته، على سجنه، يرسم قضباناً على الورق ليبقى ضمنها. ضمن هذا المفهوم انطلقت مي منسى اساسا في عملها الروائي السابق والاول: «اوراق من شجرة رمان». فيها كان الوطن، كما شقيقها، سجين حالة انفصام الشخصية. روايتها نتيجةالحرب اللبنانية «منذ عام 1975»، «هي التي اودت بي الى الرواية». استخدمت من الحرب والعنف مفردات روايتيها منها انحيازها للمرأة: «لانها هي التي تجمع وتواجه عصبيات البشر، بينما الرجل يتفرج». عبر الاسئلة والاجوبة التالية، تتحرك مي منسى لترسم خريطة مفردات روايتيها، وكيفية تحركها، فتقول حول روايتها الجديدة: «الكتاب يتضمن قصة، لكن تركيب القالب جاء ضمن معطيات موجودة وقائمة، تستند الى شتات الشعب الفلسطيني واقامة الدولة الفلسطينية والمقاومة والمخطوطات واعمال الاريكولوجيين. هذه هي من المفردات التي ارتكزت اليها. فاذا كنت روائية صحيحة استطيع ان اعمل منها رواية، واذا كنت فاشلة فمهما جمعت فيها فسوف افشل في الكتاب، في تركيبته. امل انني نجحت على حد قول بعض النقاد على الأقل. كتبت حتى الان روايتين، استهوتني كتابة الرواية، بما فيها من خيال واسع وكبير، يمكنني من ان اخترع شخصية مثل اليهودي الذي هو الى جانب الاخر وهو بطلنا اللبناني. يتطلب الامر الجرأة لوضعه الى جانبه، استنادا الى منطق، وليس بصورة عبثية. سعيت كثيراً ألا اقع في روايتي بالعبثية. يرتبط كل فصل بالاخر ضمن فواصل ومفاصل منطقية». ـ لكن ثمة استرسالا ملحوظا في الرواية؟ هل مازال المنطق قائماً معه؟ ـ «هذا صحيح. انني استرسل بالوصف. جملتي لا تنتهي. ربما لانني عاطفية كثيرا. لكنني عندما اعود واقرأ، احدّ من نفسي، واخاف من حالي، فاقطع المجرى الدافق. والا لكنت كتبت بدلا من 200 صفحة 400 صفحة مثلا. عرفت احيانا ان اضع حدا لدفقي واسترسالي، ووقوعي في المواعظ الكبيرة». ـ الرواية ولادة اذن بعد مخاض عسير. بأية ولادات ومراحل «استيلادية» تميزت حياتك الاعلامية والتأليفية؟ ـ «الأهم يبقى في ولادتي الاولى، ولادة ابني الوحيد ويدعى وليد. هذه هي الولادة الحقيقية، وباي حال فقد قدمت الكتاب واهديته له. ستبقى هذه الولادة الاعظم. الولادة الثانية كانت ابن ابني وليد. وستبقى مثل ولادة أبيه بالنسبة الي. طبعا عندما اصدرت الرواية كانت ولادة، شعرت فعلا بوجع المخاض. احسست الاستعداد لهذه الولادة. شعرت انني اجهز شيئا ثمينا، وسليما، ومميزا. روايتي تنعمت في هذا الرحم من الاوراق قبل ولادتها. احترم الكلمة جدا. احيانا امزق ست صفحات مثلا اكون قد كتبتها من اجل كلمة بسيطة، افتش عليها، لالقاها. وعند ذاك تغير لي المعنى كله، فاعود للكتابة من جديد. هذا يعني ان الكلمة ثمينة كثيرا، وانا مسئولة عنها. لذا، فان ولادة الرواية لا تجعلني احس بالسعادة بقدر ما تشعرني بالمسئولية الكبيرة. فما كتبته لا يعود لي، فقد خرج من بين يدي. فاصبح افكر واتساءل: كيف سيفكر بي، وينظر الي. الاخرون؟. كيف سيرونه بجماله ام كونه امرا عاديا من الامور العادية في الحياة. خوفي يستمر. ولعله يزيد عندما يولد كتابي. عندما اكتب اكون مسئولة، وحين يصدر اصبح خائفة». ـ فعل الولادة يذكرك دائما انك انثى. ايمانك بفعل الولادة وعظمته، لماذا يجعلك منحازة انثويا؟ ـ «أهديت كلاً من كتابي الاول والثاني الى ابني. والراوي في كل منهما كان ذكرا. ظل مروان «بطل الرواية» سجينا 25 عاما. لم استطع ان اضع انثى في الحبس. انا ضد ان تدخل الانثى اليه. يمكن ان تكون مقاومة، لكنني لا يمكن، بل لا اريد ان اتصورها انها في السجون. يكفيني ان اتصور الانثى في الولادة، في الرضاعة. في جمال الحياة. فالرجل ولد ليكافح. وانا امرأة بداخلي رجل، تماما كما في داخل كل رجل امرأة. في داخل كلاً منا ثنائية الواحد والاخر. بداخلي المرأة والرجل معا. وربما الرجل يتفوق في الداخل على المرأة عندما اكتب الكتاب. وجدته في كامل وعيه، وايمانه في الحياة. البقاء من سيرة الرجل». ـ تبقى مسألة الحرية احد ابرز التحديات التي تواجه البقاء. في روايتك الجديدة يخرج بطلها من سجن الى اخر اكبر. هل وجد مروان «بطل الرواية الجديدة» الحرية في بحثه الدؤوب عنها؟ ـ «لا، لم يجدها. والادق القول لم يجدها الا عندما رجع من السجن، وشعر، مجرد شعور، انه يمكن له، للانسان، ان يصل الى الحرية. لكن بأي ثمن، الوصول اليها. هذا هو الجوهر». ـ هذا الموقف لا يلغي الحرية بل يؤكد، وان بطريقة سلبية وجودها؟ ـ «الحرية موجودة، لكنها محدودة كثيرا. الحرية بالمطلق غير موجودة. حتى عندما تذهب الى الغابة، حيث لا تجد الوعي من احد، انت يجب ان توعي نفسك. لا تستطيع ان تفلت مثل مجنون. الحرية للمجانين، للطيور، لحيوانات الغابة. لكن حتى في الغابة ليس للحيوان حريته المطلقة، لانه يدرك ان المساحة التي يستطيع ان يتجول فيها محدودة. هناك دائما حيوان اقوى منه يطارده. نحن مطاردون دائماً، حتى ان المطاردة تتم من داخل ذاتنا، وهذا من الموانع الابشع للحرية». ـ بطلك يرسم قضبانا في الرواية، ليكون وراءها، يريد ان يسجن نفسه حتى بالرسم. لماذا هذا الاصرار على اللاحرية؟ ـ «هكذا نحن. عندما نريد ان نعود الى المنزل، نستخدم السيارة. نحن مقلدون، خلقنا كذلك. حتى عندما جئت الى منزلي لاسكن فيه سيجته بالقضبان، لانه لا حرية لي ان افتح ابوابي. انا، كأي انسان، مطارَدة، حتى الفأرة تطاردني. لست احيا في الخوف، بل في الوهم، وفي ان الحرية شيء مهم يناقش، ليس مطلقا. انني اناقش الحرية، ومعناها. مرة قال لي احدهم: اعتقدنا انك ستطلين في يوم من الايام لتعيشي بحرية. اوقفته عند كلامه، فسألته: ما معنى الحرية، حريتي انا كمي منسى في ان لا أعطي حريتي. لان الحرية في مفهوم العالم هي الفجور. كل شيء محدود حتى شريعة الغاب. فالاسد، ملك الغابة، اذا ما وقف تحت شجرة ينظر الى فوق حتى يتأكد من عدم وجود افعى فيها او سعدان يرمي بجوزة الى رأسه. نحن مطاردون، واذا لم يطاردنا احد من حولنا انت تطارد نفسك. قبل ان تخلد الى النوم يوميا تتساءل: انا ماذا فعلت اليوم؟ هل ضميري مرتاح ام لا؟. مثل هذا التساؤل سجن وحتى انت نائم تطاردك الاحلام والكوابيس. هناك جملة «في الرواية» يقولها الذي خانه لمروان، وهو سبق ان كان معه في الخندق نفسه، وانتقل الى الجانب الاخر لان فيه مالا وجاها وهي: «فضلت ان اكون صيادا بين الصيادين من ان اكون مطارداً. لكنه يعود ليقول له بعد ذلك: «من انت يا مروان؟»، لم يعد لدي لا هوية ولا اي شيء. انت عندك على الاقل ضمير وايمان. هذا يعني انه وقع اسير اعماله، يتساءل: من انا واين سأكون؟ يعني اذا خلصت الحرب بعد ذلك، وخرج جميع السجناء من سجونهم، فانا السجان اين مطرحي ومكاني وعملي، اين وطني؟». ـ ما هي العوامل الاساسية المؤثرة على روايتك؟ ـ «الحرب اللبنانية «بعد العام 1975» لقد عشتها بكل اخطارها وتفاصيلها. كنت انتقل من ملجأ الى اخر، من خط تماس الى اخر، لارى كيف كان الناس يعيشون، فأصورهم واكتب عنهم. لم اكن افكر بدخول عالم الادب الروائي. كنت اعتقد ان الصحافة المكتوبة في جريدة «النهار» تأخذ مني كل شيء. الصحافة مادة واقعية، تفرض نفسها على الصحافي، بينما الكتاب هو يأتي الينا، ولا نعلم متى، الوعي هو الذي يحضر المواضيع والمحاور التي نستقبلها احيانا بنجاح واخرى بفشل، ولكننا نسعى ان نكون ناجحين في اعمالنا. الصحافة هي العمل اليومي وهي المادة التي تطلب من الصحافي ان يتابعها وان يقطفها بسرعة وهي الخبر الذي لا ينتظر بينما الكتاب ينتظر احيانا سنوات طويلة بل اشهرا طويلة لكي يتمخض الفكر والموضوع ويعطي الثمر. هناك فرق كبير بين الصحافة والرواية، الصحافة هي مشاركة بين الصحافي والمبدع والكاتب وصانع اللوحة ومؤلف الموسيقى.. اما الكتاب فهو الخلوة مع الذات». ـ هل جاء عنوان روايتك الثانية «اوراق من دفاتر سجين» من عالم الصحافة مثلا؟ ـ «صحيح، جاء من كوني صحافية ولدي اوراق امامي كل النهار وهي اكثر من الخبز. كيف ما نظرت اجد اوراقا واوراقا، ولايزال لدي هاجس الورقة، اخاف ان تنتقصني يوما ما ورقة ولكن لا اخاف ان لا اجد خبزا، الورقة هي دائما هاجسي الاكبر، هي غذائي». ـ بين الصحافة والرواية اين مي منسى اكثر؟ ـ في الرواية، ليس لانني مللت الاخر، ما زلت احب الانسان والركون اليه، ولكن الرواية هي ايضا الانسان، واحب الان ان ابتكر شخصياتي لا ان تفرض علي. اصبحت في عمر اشعر انني مثالية جدا واود ان ابتكر واخترع واصنع شخصيات تتلاءم مع نفسيتي. ومروان بطل «اوراق من دفاتر سجين» هو الانسان المثالي الذي هو قطعة مني فذكريات طفولته هي عينها ذكرياتي، وقريته التي يجب ان يتذكرها من السجن هي عينها قريتي.. لكنني البسته ثوب الذكر لاتمتع به اكثر، فهو المقاوم وليس عليه ان يكون امرأة بل رجلا، وهو لم يحارب بالسلاح ولم ينفذ عملية انتحارية لكن افتدى بنفسه من خلال كتاباته والمناشير التي كان يرسلها للمقاومة وللنهوض من الكبوة وانقاذ الوطن». ـ هل من عوامل اخرى فرضت قصة الرواية غير الحرب وتأثيراتها وتداعياتها؟ ـ هناك حالة مرضية حصلت داخل عائلتي، وهي اصابة شقيقي انذاك بانفصام في الشخصية. فاجريت مقارنة، حيث بدا واضحا لي ان الوطن، لبنان، مثل شقيقي، مصاب ايضا بانفصام الشخصية. من هنا نبعت فكرة كتابة الرواية الاولى بعنوان «اوراق من دفاتر شجرة رمان». فابرزت ان المرأة هي التي تعطي وتجمع، بينما الرجل يجلس ليتفرج. المرأة تقاتل عصبيات البشر، من هنا هي التي كانت تفتش عن اولاد البيت المخطوفين. من اجل هذا كانت النساء وحدهن يلتقين عند خطوط التماس التي رسمها الرجال. فالحرب هي التي اودت بي الى الرواية. وانا اعتبر ان هناك دائما مؤامرات خارجية تخلف شعبا مع بعضه البعض. فعندما يدخل الغريب لاطماعه تدخل الفتنة بيننا ويصبح اسمها القضية المقسمة الى عدة اجزاء، لكي يخلقوا الحرب باسمه ويجدوا الحجة لاستعمال السلاح. كل ذلك اراني حقيقة الانسان المريض في عقله والضعيف والذي يكفي ان يقول له زعيمه او صاحب السلطة عليه «قم سنخلص الوطن»، فيصدق انه سيخلص الوطن ولا يعرف انه يدمره. شعرت انني كنت امام مواجهة كبيرة، اما ان اسكت وابقى صحافية وانقل الاخبار كما تحصل واما ان يكون لي موقف وصوت. من هنا ولدت فكرة الكتابة واصبح لدي مسئولية ان اظهرها في كتاب يمكن تسميته رواية او قصة او تحليلا وفكرا. ولكنه شهادة انسانة عاشت الحرب، وعاشت مأساة عائلة، ومأساة الموت والفقر والالم، ومأساة التهجير، عاشتها مع اللبنانيين، وارادت ان تكون شاهدة على كل ذلك، فكان الكتاب الاول بعنوان «اوراق من دفاتر شجرة رمان»، اما الكتاب الثاني «اوراق من دفاتر سجين»، يتكلم عن كاتب صحافي مثلي، اراد ان يكون شاهدا اكبر على هذه الاختلالات التي تحصل في بلاده وعلى هذا التسلط الغريب، فاصبح مقاوما بقلمه بينما البقية كانوا يقاومون بالاجساد والسلاح، هو اراد ان يكون مقاوما بالكلمة كالكثيرين الذين يكتبون التحاليل والافتتاحيات التي تقول جهدا ما يجري على هذه الارض. اما في الرواية الثانية، اي الجديدة، فقد تمنيت ان اكون شاهدة اخرى أي كنت شاهدة على الحرب في الكتاب الاول. وكانت رغبتي ان اكون شاهدة مرة ثانية ولكن في عمق المقاومة التي تفدي هذا الوطن باجسادها وبسلاحها وبحياتها لكي تخلص الجنوب. في القصة لم اسم الاسماء ولم اعين جغرافيات فالمقاوم هو مقاوم في كل بلد من العالم. ولكن الكل يعرف ان هذه البقعة التي كتبت عنها هي بقعة لبنانية وهي بقعة الجنوب والقصة هي امتحان كبير لهذا المقاوم بقلمه الذي غدره احد اصدقائه فسلمه للاعداء واصبح في السجون الاسرائيلية، وايضا بدون ان اسميها، وهنا يبدأ عذاب الضمير وعذاب الانسان والسعي الى النهوض منه عن طريق الايمان والصلاة والتأمل بمعرفة الذات واركز كثيرا على معرفة الذات لان الانسان يعيش كل حياته بدون ان يختلي بنفسه ما يجعله يتألق اكثر في الحياة ويصبح انسانا اكثر ويصبح ذا كفاءات اخرى. الناس تستمع الى سواها ولا تستمع الى نفسها. وهذا السجين يتعمق بنفسه ويعرف من هو وماذا باستطاعته ان يعطي في هذه الحياة وهكذا اصبح السجن مطهر الانسان لا جحيمه». وتختم مي منسى قائلة: عصرتني الحرب بالآلام. كنت اريد تدوين ذلك، وحفظه. فآثرت الكتابة على الصحافة في هذه الحالة. لان الصحيفة ترمى عادة في اليوم الثاني، اما الكتاب فيبقى اذا احسنا المحافظة عليه والاحتفاظ به، يبقى شهادة من سنة الى اخرى، ومن جيل الى خلفه». شاكر وهبي