بيان الكتب: نبأ اخلاء سبيلي كان اشد هولاً عليّ من تلك اللحظة الحاسمة التي زرعت فيها الشمس ارتباطي بظلي، هذا الارتباط الجذري الذي طالما اكد لي في عمر الشكوك والريبات، اني من هذه الارض لا عليها. هكذا تبدأ مي منسى روايتها «اوراق من دفاتر سجين» والتي تغوص فيها عبر افكارها وهواجسها في تجربة السجن السياسي وكيف يمكن للانسان ان ينسى، وجوده خارج الاسوار والزنازين الضيقة والسياط الممزقة للحم والنافذة الى العظم كمسمار غليظ.. هذه الرواية التي تلملم خيوطها جاهدا وتشعر بأنفاسك تلهث لا وراء الاحداث، ولكن من كثرة الرعب الذي قد يصيبك وان تقرأ الوصف الدقيق الذي تعبر به مي منسى عن السجن وعذاباته الجسدية أو النفسية. قد يصعب على البعض ان يلملموا احداث الرواية او يدركون الحدوتة التي تقدمها مي منسى، فإن كان المعتقد الشائع هو انها تقدم سرداً لذكرياتها الخاصة بالسجن فهي تحطم هذا المعتقد مع الصفحات الاولى للرواية، حيث تغرق في تفاصيل الاوجاع التي تصيب البطل او تصيب من حوله. تبدأ الرواية بخروج البطل من سجنه ليعود الى سنينه العشرين الماضية بذاكرته حيث كان صحفيا وشاعراً يخدم قلمه المقاومة ويندد بالعدو وبكل من يتحالف معه ويناهض الفرقة وانقسام الوطن على نفسه، حتى وشت به حبيبته التي مثلت عليه الحب من اجل حبك نسج خيوط الشرك حوله.. وصديقه العزيز الذي قرر ان يبيعه حتى لا يداس هو ايضا تحت سنابك العدو ومباديء الزمن الرديء، ليدخل في جب السجن المظلم متجرعا العذاب قطرة قطرة سواء لما يصيبه او لما يصيب الآخرين من حوله.. وفي السجن تكر بكرة السنين خيوطها وهو يعاني من احتقار زملائه له حيث لا يعترفون به مقاوما، فكيف تكون المقاومة بالقلم وكتابة الاشعار؟.. كانوا لا يعدونه واحداً منهم حيث المقاومة بالسلاح وحده وهنا يقع في اضطراب يصل به الى حد الكفر ولكن احد الرهبان، الواقع في براثن الاعتقال والتعذيب يصبره ويشد من عزمه ويقوي ايمانه، ليصبح بمرور الايام الواحة الآمنة التي يستظل بفيئها، حتى بعدما مات من جراء التعذيب الوحشي والمستمر، كانت وصاياه عالقة بذاكرته يسترجعها حتى تمده بالقوة «ان التاريخ الصحيح لن يكتب سوى بأقلام من عايشوا الحدث وسمروا على صليبه، لابمزاج المؤرخين وعصبياتهم»، لا يكفر السجين عن عقاب إلا بقتل جسده الموروث فيه والمكتسب ولا يكشف لجلاديه عن عيوبهم وشهواتهم إلا بالتزهد، وقول يسوع «عندما يلتقي اثنان باسمي اكون بينهما»، «اذا قدر للمناضل ان يهزم فليكن سقوطه فجراً بعد ليل من العراك»، «الضمانة الوحيدة للحرية لا تقوم إلا على الجسارة الجسدية في مواجهة الموت». هذه الوصايا التي كانت تشد من ازره وهو يتلقى سياط جلاديه القاسية التي تنفذ الى اللحم حتى تصل الى العظم وتلهب العصب، كانت في الوقت نفسه تساعده على التوازن والحفاظ على عقله ووعيه كاملا في مواجهة ما يشاهده من اشخاص يذهبون مع احلامهم ويئنون من الألم ويموتون وتذهب عقولهم الى حيث لا رجعة.. فهناك عازف الكمان السجين الذي كان يعود من غرف التعذيب ليعزف على كمانه الوهمي سيمفونية الصول لبجانينى تلك السيمفونية التي الفها عندما تقطعت اوتار كمانه ولم يبق منها سوى حرف الصول.. سيمفونية تعبر عن الألم والتحدي لكل صروف الزمان. ويقع البطل في سجنه داخل دائرة المطلق التي وضعها فيه والده والراهب الذي لقيه في السجن.. ذلك الراهب الذي عمده داخل اسوار السجن بالمياه الآسنة، بعدما تجاهل والده تعميده عاهدا ببناته لوالدته لتعلمهن الدين والسجود أمام العذراء والمسيح المصلوب، في حين اخذه هو ليلقي به بين كتب ماركس ونظريات تبعد عن الطائفية والعالم المفكك لعالم لا وجود له على ارض الواقع، محاولاً ان يعبر به افكار الناس المتباينة نحو فكر يسعى نحو الانسانية وحقه في العيش بتكافؤ مع الآخرين.. والده والراهب بتعاليمهما كانا زاده في السجن حيث النبذ والانفصال عن العالم الخارجي. ويتذكر البطل في سجنه عندما اتى لهم عازف الكمان اليهودي اسحق نوهين ليروح عنهم بكمانه، بعدما تمرد على دولة صهيون ومحاولتها محو آثار شعب بكامله واغتصاب حقهم في حياة آمنة على ارضهم مغتصبة ارضهم واحلامهم وامنهم في بيوت كانت لهم فانتزعت في غفلة منهم للأبد ومعه يتذكر كيف قرأت له العرافة التي اتت الى بابهم يوما واخبرت والدته انه له توأم سيظل يبحث عنه الى ان يلتقيه يوما فيتوحدا، تلك النبوءة التي كان يتذكرها باحثا عن ذلك التوأم، حتى أتت له دقات عبر جدار زنزانته في حبسه الانفرادي وظل يتواصل معه ويحاول ألا يفقده مفككا رموز الدقات ومحولا اياها الى كلمات، حتى سمح لهم بعد مرور السنين ان يحصلوا على نزهة في باحة السجن للحظات كل يوم، وفيها التقى ببوريس ذلك المؤرخ اليهودي الذي اكتشف الحقيقة، حقيقة زيف الدولة اليهودية من التاريخ وآثاره المتبقية في شكل الواح طينية وجداريات وعندما اعلن الحقيقة سجنوه وعذبوه، كان مؤرقاً ومتألماً من العبء الذي يحمله على كاهله والذي لابد وان يبلغه الى الناس او يلقي به على كاهل انسان آخر ليوصله للناس.. والتقى البطل «مروان» و«بوريس» في باحة السجن ليتبادلا الاسرار وليحمل مروان السر والحقيقة من بوريس الذي كان حريصا على ألا يلحظ احد اجتماعهما اليومي حتى لا يتعرضا للفناء المتعمد.. ولكن رغم كل احتياطات بوريس قتل، حيث استيقظ السجناء يوما على جلبة وضجة كبيرة كان سببها ما اشيع حول انتحار بوريس الذي شنق نفسه في زنزانته،.. وشاهده مروان معلقا من رقبته في سقف زنزانته وجهه ارزق وعيناه جاحظتان. كان مروان يعلم انه لم ينتحر ولكنه قتل وبدأ في القلق من ان يتعرض للمصير نفسه، فلا بد وان السجانون يعلمون ما كان بينهما من لقاءات واحاديث طويلة وسرية. وفي ظل هذا القلق ظهر راسكولينكوف او كما لقب مروان، ذلك الصديق الذي اتى من الغيب، الصديق الذي وشى به وتسبب في القائه داخل هذا الجب المظلم الآسن، ظهر محاولا تبرير فعلته بانه لو لم يفعل ذلك لكان هو ايضا يعاني الضياع داخل ردهات السجن الضيقة المسيجة بالألم والحسرة، أتى محاولا الحصول منه على صك الغفران فقابله بالصمت وتلقي كلماته بهدوء شديد، حاول الصديق ان يحصل على رضاه وهو صامت لا يجيب إلا بكلمات بسيطة لا معنى لها، وبواسطة هذا الصديق استطاع ان يحصل على اوراق واقلام لأول مرة بعد هذا العمر الطويل من الصمت المطبق والعمى، كان يكتب كل يوم ما يرد على ذهنه، يكتب عذاباته وذكرياته الأليمة في السجن ورغم ان هذا الراسكولينكوف «بطل رواية الجريمة والعقاب لدستويفسكي» كان يحصل على ما يخطه كل يوم مما يشكل رقيبا ملازما له في كل لحظة وكل دقيقة إلا انه كان لا يعبأ بذلك ويكتب كل ما يرد على خاطره. كان محملا بسر بوريس الكبير ويحلم بأن يخرجه يوما لكنه كان حذرا من هذا الرقيب الذي يلازمه في كل حرف يخطه قلمه. واتى يوم حصل فيه البطل على العفو بعد ان سعى راسكولينكوف للحصول على هذا العفو الذي قابله مروان بجمود ووجوم قابله ذلك الصديق الخائن بعاصفة من الكلمات «وهل تعتقد ان باب السجن سيخلي سبيلك فعلا؟ حيثما ستذهب، سجون اخرى في انتظارك، فذاكرة الناس كذاكرة الارض شحيحة، وستدرك معنى المنفى الحقيقي حيث ستبحث عن المنزل ولا تجده، عن الخلية لتراها مفككة، تطل عليك من اشلائها وجوه لا تعرفها ولا هي تدري من أنت، من جريدتك التي وجدت بديلا منك فوراً، من غير ان يكلف احد نفسه التحري عنك او التوسط لدى المنظمات العالمية لحماية حقوق الكتاب والمفكرين والشعراء، لاطلاق حريتك. العالم المفترس الذي نعيشه فيه يفرض عليك ان تكون متوحشا او طعمة للوحش. لكن مروان يجيبه قائلا «لا فرق عندي ان بقيت هنا او سرحت في عالم العداء كما تسميه، ولكن ما لن تفهمه هو اني سأبقى أنا، اينما كنت، وسأدع المسمار يغرز في اللحم حتى العظم .. حتى الخلاص، أفي زنزانة السجن أم في زنزانة الحياة». ويعود البطل الى العالم الخارجي، حيث تصدمه الحياة فلم يعد له مكان بين دفتيها، فقانونا هو مات وشبع موتا منذ زمن، ولا يوجد دليل واحد على انه مروان ذلك الذي كان يوما، لم يعد هناك من يتذكره أو يتذكر ملامح وجهه التي بدلها السجن بظلمته وعذاباته ولن يكن أمامه سوى الدير ليعتكف به ويدفن نفسه بين كتب التاريخ والفلسفات المناهضة للعرقية والاثنية، يكتب ما أملاه عليه المؤرخ بوريس من حقائق تاريخية أدركها واكتشفها بنفسه، يكتب تاريخ حياة توأمه الذي كان قدره المحتوم وجوهر حياته والسبب في وجوده على الأرض، يكتب ذكرياته في السجن والظلام اللزج الذي التصق به مبلبلاً إياه عمراً طويلاً .. وهكذا تمر الأيام على مروان داخل الدير الى ان تفنى أيامه الأرضية ويموت. «رحل الأخ مروان عن الدنيا متمماً الوصية، مستكين البال فاستراحت التشنجات التي كانت تقلص أسارير وجهه كلما أخذته نوبات الصرع في أمواجها العاتية». مات قبل أن يعرف ان الأوراق التي كتبها بيعت حقوقها بأثمان باهظة إلى دار نشر سويسرية بالرغم من الغموض المحيط بها فعندما صدرت «أوراق من دفاتر سجين» وعمت المكتبات تحت اسم مستعار تلقت وسائل الاعلام الخبر كسبق صحفي لم يسبق له مثيل «باسم مستعار تلقت دار العلوم التاريخية للنشر في سويسرا مخطوطات ثمينة تتضمن مذكرات المؤرخ البولوني وعالم الآثار الكبير بوريس مييسكو، الذي اختفى في ظروف غامضة بعدما نشر تقاريره عن مخطوطات البحر الميت، ولقد ادعى حاملها انه كان ملازماً لاعترافات مييسكو حتى وفاته شنقاً في زنزانته. وهكذا نزل مروان داخل نعشه داخل فجوة قريباً من أراضي الدير وأبناء البلدة يلقون عليه نظرة الوداع الأخير والراهب يلقي عليه كلمة أخيرة «اذكر يا انسان انك من الرماد وإلى الرماد تعود». وهكذا تنهي ميّ منسى روايتها التي تعصف بالقارئ حيث أسلوبها الذي يعزف على الأحرف، مكوناً نسقاً تعبيرياً شديد الحساسية والدقة، تبحر بنفسها وعقلها داخل اللغة مخرجة منها مفردات وتعبيرات تأخذ بتلابيب القلب نزفاً على المعنى الذي تحاول أن توصله الى القارئ. تلك الرواية لم تكن مجرد حدوتة لها أول ووسط وآخر بل نسيجاً متعاشقاً من فسيفساء انسانية شديدة الرقة والرهافة، فالرواية توصل الآلام الانسانية داخل غياهب السجون المظلمة بأسلوب أجزم انه لم يخط على أوراق نشرت من قبل، فمي منسى تمتلك حسا انسانياً عالياً صعب تصديق وجوده على أرضنا الآن مع كل هذه الماديات التي تكبلنا وتحيط بنا. و«أوراق من دفاتر سجين» رواية أقرب الى الشعر في نثرها الغنائي، العازف بحس مرهف على الألم الانساني. أمنية طلعت