قبل زهاء ثلاثمئة عام ونيف، ظهرت موضة ارتداء الطربوش في سوريا، وانتشرت على نطاق واسع آنذاك حتى غدا الطربوش سيد الازياء الشعبية ومن اساسيات الزي الرسمي فارتبط بملامح الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكان رمزا للوقار والوجاهة والعظمة. وقد تنوعت الروايات واختلفت الآراء حول نشأة وبداية ظهوره، فمنهم من قال بأنه ظهر اول ماظهر في بلاد اليونان والبانيا، ومنهم من قال بأنه كان من صنع واختراع الاتراك ابان الدولة العثمانية حيث انتشر بعدئذ في سوريا والبلاد العربية التي كانت ترزح تحت وطأة الاحتلال العثماني في ذلك الوقت. ولكي يأخذ الطربوش الطابع الرسمي، اصدر السلطان العمثاني سليمان القانوني حينذاك فرمانا يقضي بتعميم ارتداء الطربوش في مشارق الارض ومغاربها، وجعله زيا رسميا نظاميا. فدرجت العادة على ارتدائه، وتقيد الشعب العربي بهذا الفرمان في كل مكان فكان في بلاد الشام وسوريا وبلاد المغرب العربي ومصر هو الزي الرسمي للموظفين ورجالات البلاط والوزراء والحاشية وحتى في الجامعات والمدارس الثانوية. ورغم ان الطربوش في سوريا قد تعرض في مظهره ونوعيته ومضمونه لاختلافات عديدة منذ تاريخ ظهوره، الا انه استقر بشكله النهائي المعروف حاليا في عام 1915، واستمرت العادة في لباسه بعد ان اعتاد الناس عليه خلال فترة الاحتلال العثماني، وحتى بعد نيل الاستقلال من الاحتلال الفرنسي عام 1946. ومع بداية عام 1949 بدأت موضة الطرابيش تخف تدريجيا في المدن السورية، وذلك على اثر المرسوم الجمهوري الذي اصدره الرئيس السابق حسني الزعيم، والذي منع بموجبه موظفي الدولة والوزراء والمستخدمين من ارتدائه ثم الحق ذلك بمرسوم آخر منع بموجبه السير في الشوارع بلباس «البيجاما» متأثرا بمراسم كمال اتاتورك في تركيا آنذاك. وبعد نهاية حكم الزعيم الذي استمر 137 يوما فقط، جاء الرئيس الاسبق هاشم الاتاسي فألغى مرسوم الطرابيش والبيجاما معا، ولكن العقيد اديب الشيشكلي بعد عملية الانقلاب التي قام بها اعاد العمل بمرسوم البيجاما ونسي مرسوم الطرابيش. مراحل الصناعة لم تتطور طريقة صنع الطربوش منذ عشرات السنين حتى الآن فالطريقة البدائية ذاتها ما تزال معتمدة حتى تاريخه، حيث يصنع الطربوش عموما من مادة الجوخ الخام والقش الذي يستخدم كعازل للرطوبة وكمادة ضرورية لاكساب الطربوش المتانة والتناسق، فبعد ان يجهز القش يحمى القالب على النار لدرجة معينة، ثم يوضع القش الذي يكون صورة طبق الاصل لشكل الطربوش على القالب ويكبس ويشد بواسطة المكبس، ثم يطلى جداره الداخلي بمادة النشاء ويلبس فوق قالب القش حتى يجف النشاء فيأخذ الطربوش شكله النهائي المناسب وتوضع بعدها الشرابة فوقه. وطبعا لكل رأس قالب خاص يتراوح حجمه مابين 25 ـ 75 سم وقد يصنع الطربوش بدون استخدام القش، كما في الطرابيش المغربية. كان العرف قديما يعتبر الرجل الذي يضع طربوشا على رأسه من ذوات وعلية القوم، وليس من العوام، ولارتداء الطربوش دلالات واصول كانت سائدة آنذاك، فاذا ماوضع على الرأس مجنحا قليلا الى اليمين فان ذلك يعني ان صاحبه شخصية ويهتم بنفسه ومظهره، واذا ماوضع على اليسار فان هذا يعني ان صاحبه عاشق ومحبوب، اما اذا وضع في منتصف الرأس فان ذلك يعني ان صاحبه ذو وجاهة ووقار وذو مركز مرموق، وفي هذه الحالة يجب على صاحب الطربوش ان يضع وردة في عرو سترته ويفضل ان تكون حمراء اللون، كما يجب ان يحمل بيده اينما ذهب وتوجه «البستون» اي عصا الماريشالية وذلك حتى تكتمل مقومات الهيبة والوجاهة، اما اذا كان وضع الطربوش مائلا على الجبين والى الاسفل قليلا فان ذلك يعني ان صاحبه يعاني من ضائقة مادية او هو مصاب بصدمة عاطفية. اغاني تتغزل بالطربوش لشدة ولع الشعب في هذا الزي قديما، واعتباره سيد الازياء الشعبية في الماضي ابتدع له المطربون العديد من اغاني الغزل والعشق، تقول احدى هذه الاغنيات ـ وباللهجة العامية: حبيبي اسمر ومعدل وطربوشه سوري مجدل ياربي تحمي الاسمر حتى يعدل طربوشه والندل تأخذ عمره والخاين عني تحوشو. وهكذا كان كل من يسمع من الرجال مرتدي الطرابيش هذه الاغاني يعتقد بانه المحبوب والمقصود، فتراه بين الحين والآخر يعتدل في جلسته ويعدل وضعية طربوشه. حلب ـ محمد مسلماني
