شهد الشيخ عصام بن صقر القاسمي رئيس دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة بقاعة المؤتمرات بمعرض الشارقة الدولي للكتاب ندوة «واقع الابداع في الخليج وتحديات المستقبل في ضوء نظرية ثقافة المراكز والاطراف»، والتي ادارها الزميل محمد الحربي وحاضر بها كل من الدكتور ابراهيم عبدالله غلوم من دولة البحرين والدكتور معجب الزهراني من المملكة العربية السعودية، وكان الحربي قد طرح في بداية الندوة عدة اسئلة حول من هي المراكز ومن هي الاطراف؟، هل العواصم الاسلامية؟، ام العواصم الثقافية ام السياسية؟، وهل المراكز بالضرورة هي الاكثر انتاجا للثقافة، وهل لا تزال نظرية المراكز والاطراف باقية الى يومنا هذا في ظل متغيرات العصر؟ اما الدكتور ابراهيم غلوم فقد تناول في بداية محاضرته مفهوم التمركز مبينا ان كل ثقافة تحمل بداخلها مفهوم التمركز، وان اشكالياتنا الان هي مع الاخر وهو الغرب مشيرا الى اننا نرصد نظرية المراكز والاطراف من هذه النظرية منذ دخول الاستعمار، ومنذ دخول الفرنسيين الى مصر واعتبارها مفتاح الشرق، ومن ثم النظر الى البلاد الاخرى على انها الاطراف، ومثلهم فعل الانجليز حينما كانت مصر تتأهب لعصر النهضة والتحرر منذ مشروع محمد علي، حيث اعتبر الانجليز بقاءهم في الخليج هو حماية للاطراف من مصر المركز. وقال د. غلوم: من هنا نحن نرث هذا المفهوم من ادبيات الاستعمار، وهذا مفهوم استراتيجي عند أي مستعمر وايضا معروف لدينا في الثقافة الشعبية، نرث هذا المفهوم والمشكل هنا اننا حينما فرغنا من هيمنة الثقافة الاستعمارية فيما بعد بدأنا نكرس المفهوم نفسه بصورة واعية احيانا وبصورة غير واعية احيانا اخرى. مؤكدا انه حتى حركات التحرر التي جاءت فيما بعد لم تكن معفاة من تكريسه، لان هذه الحركات انشغلت بتأسيس داخلها فتكونت عصبيات كثيرة، ثم جاء كيان الدولة الحديثة ليحقق مطلبين، مطلب التبعية، ومطلب حركات التحرر الوطنية، ولم يكن ممكنا استثمار البعد الثقافي للتوحيد وذلك ما هيأ للتقسيم ونشوء العصبيات، ان ضغوط المطلب الاول وشروطه ساهمت في تحجيم حركات النمو الثقافي، فتم الاعتناء بالثقافة المحلية، الثروة المكتسبة لذات المكان، والولاء لقاعدة الثقافة اضعف العناصر المستثمرة في صياغة برامج العمل اللازمة، كفكرة القومية العربية التي جاءت متأخرة في خطاب الاصلاح الوطني، كما انها لعبت دورا مزدوجا، قاومت انقسام الامة وفي الوقت ذاته كرست التقسيم لانها ظلت فكرة مستعصية على التنفيذ فكان من السهولة ان ترتد العصبيات الى ذاتها وتمركزها لتفشل التنفيذ. عادت العصبيات للظهور في مقابل تحقيق القومية العربية. ويؤكد د. ابراهيم غلوم ان احداث القرن الماضي غير مبرأة لما آل اليه حال المراكز والأطراف، اضافة الى العديد من المعوقات مثل حواجز البيئة وتخلف المواصلات التي رافقت تلك الحقبة. واشار د. غلوم الى ان الاصل في الثقافة هو غياب هذا التقسيم، ففكرة الاطراف والمراكز ليست قائمة في السابق وكان مبدأ التبادل بينها هو القائم، وان نموذج الرحلة في الثقافة العربية كرحلة الفتح الاسلامي نجح في دفع اعادة تشكيل مناطق الجزيرة العربية بل ذهب الى ابعد من ذلك حينما تجاوز حدود الجزيرة وخرج خارجها، فأصبح يطرح صياغات جديدة في مسار الرحلة كلما استمرت. ويعطي الدكتور ابراهيم غلوم مثلا اخر في السيرة الهلالية والتي نظر اليها على انها حركة غوغائية وجماعات مستغلة لكن في الاصل هي رحلة فطرية دفعتها عوامل ثقافية خاصة، ونجحت رحلتها هذه في تكوين مثاقفات في البيئات التي عبرتها، مثل احتكاكها بالبربر. ثم يقترب الدكتور ابراهيم في تتبعه لتجذر اشكال المراكز والاطراف في التطور الذي حدث في العصور التالية من ظهور طائفة كبيرة من المصنفات التي تدخل في النموذج، مشارقة الى الغرب ومغاربة الى الشرق واحدثت هذه تفاعلات كرست منهجيات جديدة ايضا. اما الدكتور معجب الزهراني فقد اصر في بداية محاضرته حول اشكال ثقافة المراكز والاطراف الى تغيير هذا العنوان للتخلص من سطوته واللغات السائدة التي قال عنها انها تفكر عنا، وقال ان مسألة المراكز والاطراف مسألة مزيفة، او جزيئة صغيرة والاساس هو هامشية الثقافية العربية تجاه الثقافة الاخرى التي تسيطر عليها وهذا هو اساس الاشكال الذي يجب ان يبحث. وقال د. الزهراني انه في محاولة تجاوز عنوان الندوة لجأ الى استراتيجية توسيع مفهوم الابداع بحيث يشمل كل جديد في مجال المعرفيات، وحينما نوسع دلالة هذا المفهوم يكون لدينا بالمعنى ثقافة مبدعة، خلاقة، اقول ذلك من واقع قلقي على واقع الانسان المبدع ومستقبله. ويضيف د. الزهراني: لدينا مئات الاسماء المبدعة في هذه المنطقة «منطقة الخليج» ادباء، مفكرون، شعراء، تشكيليون، فنانون، مطربون ولن نجد فروقا كبيرة بينها وبين من في بلاد الشام ومصر وغيرها من البلاد العربية التي نعدها مراكز. لكن لدينا هنا اشكال في الخطاب، الخطاب الذي يدمن مديح الذات والانجازات، فحينما نقرأ الصحف هنا نغرق كثيرا في هذا المديح وكأننا بلغنا اقصى غايات التنمية، وهنا اتوقف عند ثلاث اشكاليات، اشكالية الفكر السياسي، اشكالية الثقافة الاجتماعية واشكالية الثقافة النخبوية، نحن انتقلنا من بنية القبيلة الى بنية الدولة وهذه تحسب كنقلة حضارية واضحة لكن اذا ما تغلب منطق القبيلة على منطق الدولة يكون الامر خطيرا جدا، حيث يصبح نمط السلطة التقليدية مقابل السلطة الحديثة. وكأننا امام منطق مقلوب وهذا ايضا ينطبق على كثير من الدول العربية لكنه منطق يولد الكثير من الازمات والعمل على تجاوزه في مصلحة الجميع بلا شك. فما عمل في سياق مجلس التعاون الخليجي خير لكنه ما زال حلما لم تكتمل صورته، والسؤال ماذا سيحدث لو استمر الحال هكذا؟ لا شك انه سيزيد من التبعية. وفي اطار الاشكال الاجتماعي اشار د. الزهراني إلى اننا هنا مازلنا نتعامل مع المرأة على انها كيان ناقص، فما زالت الثقافات القبلية تقدم المرأة على انها عار وليست نصف المجتمع الاخر، ونحن كرجال نتخرج من تحت يد هذه المرأة، فاذا ما كان هذا حالها، فكيف حال من ستخرجهم وتربيهم. وفي اطار الاشكال الثالث والمتعلق بثقافة النخبة يشير د. الزهراني إلى انه مازال النموذج السائد في الخليج هو الثقافة الشعبية الشفوية وهذه لديها تصورات خرافية عن العالم، صحيح انها كانت بهذا تؤمن امورها في السابق لكن اليوم لم تعد قادرة على الخطاب العلمي، اما الثقافة الحديثة فهي المرنة القادرة على الاخذ والعطاء والتبدل والتجدد، واما الثقافة القديمة فهي اما ان تنكسر او تزاح، ويؤكد د. الزهراني ان دول منطقة الخليج قد تحصلت على تنمية ونهضة تعليمية ربما لم تتحصل عليها دول عربية عديدة لكن هذا التعليم لم يخرج مبدعين بقدر ما كرس تعليما ايديولوجياً وقولبة للفرد فقط لكي يصبح موظفا، تعليمنا لم يولد مفكرين ومبدعين بل يولد موظفين فقط.
في ندوة واقع الابداع في المراكز والاطراف، رحلة الفتوحات الاسلامية اعادت تشكيل مناطق الجزيرة العربية وتجاوزتها
