بعض عشاق الجميلة عبروا عن عشقهم لها بالتغني شعراً بمحاسنها وفضائلها، وعبر بعض آخر عن عشقهم بالاهتمام بقضاياها، والتصدي لخصومها، والدفاع عنها، وبيان حيويتها وصلاحيتها لكل العلوم والفنون وكل العصور، وعبر بعض آخر عن عشقهم لها، بما قدموه من انتاج ابداعي، شعري ونثري، يتجلى فيه جمالها واعجازها، ويحببها الى القلوب. اما عاشقها المميز، الذي تطيب ذكراه هذه الايام، الاديب الشاعر والروائي والكاتب المسرحي، الحضرمي الاندونيسي المصري علي احمد باكثير، فكان كل اولئك العشاق حيث تغنى بجمالها وجلالها شعرا ونثرا وتصدر دعاتها الغير وابدع ادبا رفيعا بها، بل ارتاد لها آفاقا جديدة من التعبير الابداعي، تجلت فيها طاقاتها الغنية. فأما تغنيه بجمالها وجلالها، فيشرق كاللؤلؤ المنثور بين قصائده، كلما لاحت مناسبة، فمثلا في مهرجان الذكرى الألفية للمتنبي، شدا باكثير «للجميلة» واشاد بدور مصر في حفظها وخدمتها، وكان مما قال: رأيت بلاد الضاد عقدا منظما ولكن مصرا فيه واسطة العقد ومن غيركم اهدى الى الضاد شاعرا كشوقي، ومنطقياً كجباركم سعد هي الضاد، لن يذوي على الدهر عودها وقد خصها الذكر المقدس بالخلد ستبدأ من حيث انتهت سائر اللغى خطاها الى حد يجل عن الحد وفي قصيدة اخرى، يقول وهو مفعم بالثقة والامل في شبابها الدائم ومستقبلها الزاهر: ابشري يالغة العرب غدا ستكونين لسان الخالدين ابشري يا لغة العرب غدا سوف تعلين عليهم اجمعين ثم يقول مقارنا بينها وبين غيرها من اللغات: انها شاخت، وما أنت سوى طفلة بعد على رغم القرون على ان اجلى ما عبر به عن ايمانه باللغة العربية هو قوله ـ في قصة شعرية ـ على لسان فتاة غربية: قد درست التاريخ فصلا ففصلا ثم فقه اللغات بابا فبابا لم اجد في الشعوب كالعرب اخلاقا وفضلا وهمة واحتسابا لا ولا في اللغات كالضاد حسنا وكمالا وروعة وشبابا هي أم اللغات، لا يذكر الدهر صباها، وماتزال كعابا واما دفاعه عن اللغة العربية، فكان لمحة اساسية من ملامح حياته وفكره وفنه، تجلت في احاديثه ومواقفه ودراساته، وتجلت اكثر في ابداعاته الادبية وتجاربه الفنية الرائدة، وفي مقدمتها ابداعه للشعر المرسل كما سماه، او الشعر الحديث، والحر، وشعر التفعيلة ، كما اشتهر فيما بعد، وكان ذلك اثباتا لقدرة اللغة العربية على التعبير الادبي المسرحي شعرا. على ان اخطر ما تصدى له باكثير هو قضية «الفصحى والعامية» في لغة المسرح، وكانت رؤيته «ان الكاتب المسرحي يستطيع باللغة الفصيحة السهلة ان يصور ما يشاء من الاجواء المختلفة بأن ينفخ فيها الروح المحلية الخاصة بشخوص مسرحيته، فالروح المصرية مثلا يمكن ان تترقرق في اللغة الفصيحة، كما يترقرق الماء في كأس من البلور». والحق ان باكثير قد قدم نماذج ملهمة من اللغة التي دعا اليها، حيث استطاع ان يقتبس من العامية خصائصها الحية المرنة البليغة، وينقلها الى اللغة الفصيحة مبلوراً «لغة جديدة تعكس واقعنا ولا تنفصل عن الفصحى، لغة حية متطورة تحفل بالالوان والظلال الخاصة بكل بلد عربي على حدة، ولكنها مفهومة لجميع الشعوب العربية». لم يكن طريقه وادعا سهلا، فالبرغم من اجواء المد القومي الذي آمن به وعاش وابدع في ظله، ونال ارفع الجوائز والاوسمة فيه، فإنه عانى كثيرا من كيد القوى والتيارات المناوئة لفكره، ولكنه كان يقول في ذلك: مبدأي ثابت، وقلبي شجاع ويراعي حر، وفكري طليق لا اقول الذي اعتقادي سواه وبمثل اوهامهم لا تليق واطيق احتمال كل آذى في الحق، لكن لكتمه لا اطيق