مع ان ظاهرة شمولية الابداع التي كانت سائدة أيام سقراط وأفلاطون .. غابت عن الوجود تماما، الا انها، كما يبدو، قد تعود جزئيا في بعض الأحيان، حيث يمكننا ان نرى شمولية في الابداع الأدبي مثلا، كأن يكون الكاتب شاعرا وقصاصا وروائيا وناقدا ومسرحيا وسينمائيا .. او ان يجمع بين الأدب والاقتصاد والسياسة وعلم النفس والتاريخ والفلسفة والأديان .. وفي الوقت ذاته يكتب للأطفال، فهذا فعلا مايثير الدهشة والغبطة، وهذا فعلا ما قام به صاحب أهم موسوعة عربية عالمية عن الصهيونية في «حكايات هذا الزمان» مقدما لهم ـ اي للاطفال ـ رؤية عصرية رائعة للحكايات الشعبية والقصص العالمية، والطرائف والنوادر .. من خلال شخصيات انسانية وحيوانية يصعب احيانا كثيرة التفريق بينها، فالجمل طريف يشارك نور وياسر ونديم يومياتهم، كما يفعل الديك حسن، مشكلين مجموعة متجانسة تتقاطع مع من حولها من اقارب واصدقاء وجيران .. في اجواء من الحلم والواقع والخيال، يركبون بساط الريح ويزورون جزيرة الدويشة، يعيشون لحظات العبث والفوضى في الاحلام ليعودوا الى الواقع الذي يجعلهم يفرقون بين الخطأ والصواب، بين ماهو مفيد وماهو ضار .. يشاركون شخصيات عالمية قصصها، «كسندريلا» طالبة الثاني الثانوي في مدرسة مصر الجديدة، التي تفقد فردة من حذائها .. ويتزوجها الأمير .. وحينما رأى الذئب نورا ترتدي الرداء الاحمر، ورأى ياسرا ونديما وطريفا قال: ياساتر يارب وجرى واختفى بين الاشجار .. اماا الديك حسن فقد حاول تقليد المهرج فوقع على الارض. هكذا يعود بنا دكتور المسيري الى حكايات الماضي وتجارب الشعوب عبر الخيال والتخييل، او يأتي بتلك الحكايات الى أمكنة نعرفها، وطريقة حياة نعيشها بكل تقنيات العصر «ركبت سندريللا ونور سيارة أجرة، وحينما خرجتا منها وجدتا الديك حسن واقفا على البساط السحري، فعرفت نور أنه لا يريد ان يفترق عنها، فابتسمت الفتاتان وقالتا له: هيا بنا الى القصر». ان المؤلف يتحول بكل بساطة الى طفل يستطيع ان يترجم لنا ما يتخيله ويفكر فيه، ليقدم لنا حكايات ليست عصرية وظريفة فحسب، بل مفيدة جدا وتربوية من ناحية، وعلمية نفسية من ناحية اخرى، حيث لا يخفى على أحد مايقصد من مغزاها، لكن في البحث بين السطور نجد ان المسيري يريد ايضا جعل مخيلة الاطفال اكثر انفتاحا على موضوعات انسانية بعيدة عن العنف والقبح والشذوذ .. الذي باتت تطرحه افلام الكرتون الغربية، ويريد ايضا غرس الديمقراطية في تفكيرهم وسلوكهم في تعاملهم مع الآخر، وذلك من خلال تناوله للموضوعات الكونية باسلوب موضوعي يكتنفه الاحترام لذكاء الاطفال، والابتعاد عن المباشرة والتقريرية والتلقين. كل هذا يقدمه المسيري بأسلوب سلس ولغة راقية وبسيطة في آن، راقية من حيث مدلولاتها وتعدد مستوياتها، وعدم خروجها عن المألوف تربويا وعلميا، ومن حيث التصاقها الدائم بالفصحى ... وبسيطة من حيث قربها من اللغة المحكية في تراكيبها ومعانيها دون الخلل بمباديء النحو وعلوم اللغة العربية. قراءة بصرية اما الفنانة صفاء نبعة، فقد استطاعت ان تقرأ ـ بصريا ـ كل ما كان يريده المؤلف، اذ جاءت رسوماتها مواكبة لموضوعات القصص، معبرة عن الشخصيات وافعالها وردود افعالها، خالطة بطريقة ذكية بين الماضي والحاضر، بين البساطة والرقي، في اجواء كونية ساحرة وبسيطة في آن، ساعة حائط، احصنة، غيمة، نجوم، نهر شيكولاته، بساط ريح .. كل هذا ضمن رسومات شفافة معبرة، لا تؤطر عناصرها وشخوصها ابعاد محددة تقيد خيال الاطفال، فبياض الصفحة جدار المنازل ارض الحديقة، سماء المدينة، فضاء الجزيرة .. ولون الوجوه، والجمل ظريف قريب من حجم نور وياسر .. والسيارة المتوقفة امام القصر لا تميزها عن بساط الريح فجاجة العصر. لقد استطاعت صفاء ان تقرأ بصريا كل كلمة اراد ان يقولها الكاتب او ان يوميء بها، قرأت معه ايضا مابين السطور، كيف نعلم اطفالنا التخييل والابداع والرسم، وكيف نحترم عالمهم من خلال نظرتنا للاشياء من زاوية رؤيتهم فجاءت شخوصها ما بين الكاريكاتورية والحقيقية، وان كانت كل الوجوه قطعا من بياض الصفحة، الا ان الفنانة صفاء استطاعت ايضا ان تجعل الاطفال يفرقون بين الشخوص من خلال بساطة مبدعة، اي باستخدامها فقط للدوائر والنقاط، حددت ملامح الشخوص عبر كل مراحل الاحداث، وتابعت بدقة التغيرات التي قد تطرأ عليها اثناء الفرح والزعل والاندهاش .. وأمكن للأطفال ليس التفريق بين شخصية وأخرى، بل قراءة ردود افعال الشخصية ذاتها بين حين وآخر .. وتركت لتدرجات اللون ـ رغم صعوبة التعامل مع المائي في ذلك ـ ان تعطي للأشياء تمايزها وانسجامها، فتغرب سندريللا الأصفر اختلف عن ثوب الملكة الازرق ليس من حيث اللون فحسب، بل من حيث تدرجات كل لون وتشكيلاته المنسجمة مع تصاميم الازياء التي تناسب الحدث المتخيل او الحاضر الذي نعيش. وكما الرواية التي تتكيء على احداث قامت في التاريخ قد اخذت لذاتها تسمية خاصة، فان «حكايات هذا الزمان» لون من الوان القص، يبحث عن تسميته .. وما احوجنا الى كتّاب للأطفال. محمود أبو حامد