.. عملية اقتحام الطائرة المصرية المختطفة بمطار قبرص واحدة من اشهر العمليات التي نفذتها فرق الكوماندوز، وهي الآن تدرس في معظم الكليات العسكرية في العالم.. ولكن شهرة هذه العملية للأسف تنبع كونها «افشل» عملية من نوعها، وكانت نتيجتها فك اختطاف الطائرة بعد مقتل الخاطفين السبعة، في الوقت الذي قتل فيه عشرات من ركاب الطائرة المحتجزين برصاص الخاطفين وقوات الكوماندوز معاً! طبعاً السلطات الامنية المصرية فتحت تحقيقاً صارماً مع القوات التي نفذت العملية بعد ان ثبت بالدليل القاطع عدم الكفاءة وغياب التنسيق.. هذه العملية تذكرنا بدكتور الولادة الذي خرج من غرفة العمليات ليقول للزوج: مبروك يا اخي لقد نجحت العملية ، صحيح اننا ضحينا بالجنين ونتج عن ذلك وفاة الأم.. لكن العملية كانت ناجحة تماماً!! .. وللأسف الشديد فإن ما حدث مع دكتور الولادة تكرر تماماً في مشهد مأساوي بغرف توقيف مركز شرطة بر دبي حين لقي 14 شخصاً مصرعهم نتيجة اختناق ناجم عن حرق بعض الموقوفين لأغطية ومواد اسفنجية داخل الزنزانة.. اما وجه الشبه بين الحادث وكلام الدكتور السابق هو تصريحات المصادر الأمنية حيث اكد مصدر آمني ان «الجريمة نفذتها مجموعة من اصحاب السوابق الموقوفين على ذمة قضايا مخدرات بهدف فتح الطريق امامهم للخروج واقتناص الفرصة للهرب».. واضاف المصدر ـ بكل ثقة ـ «لكن رجال الشرطة تمكنوا من السيطرة على الموقف، وإفشال محاولتهم الاجرامية»!! .. طبعاً إفشال المحاولة نجم عنه ازهاق روح 14 انسانا تماماً كما فعل الكوماندوز المصري حين فتح النار على الخاطفين والضحايا، وكما ضحى الدكتور بالجنين والام معاً!! .. اما السؤال هنا هل ابقاء الموقوفين في «زنزانات الموت» هو افضل حل للسيطرة على الموقف؟! وهل التسبب في وفاة هذا العدد هو «نجاح» في «افشال» محاولتهم الاجرامية!! .. والسؤال الاكثر الحاحاً هو في المفاضلة بين هروب سجين او تركه يموت حرقاً او خنقاً، فأيهما سيختار المرء؟! اعتقد ان الاجابة بسيطة، فالخيار الاول هو الافضل في جميع الاحوال، والاجابة لا تحتاج الى خبير أمني، او حامل شهادة دكتوراه كي يتفوه بها!! .. لا ننكر ان عدداً من الموقوفين هم سبب الكارثة وان فعلهم «إجرامي» بمعنى الكلمة، لكنهم في النهاية مجرمون ومن المتوقع ان يتصرفوا هذا التصرف بل ان المصادر الأمنية تؤكد قيامهم بأربع محاولات سابقة لحرق بعض المواد، اذن جريمتهم بشعة لاشك في ذلك، ولكن حيثيات الواقعة لا تقل بشاعة والبداية تكمن في غرف التوقيف التي ثبت انها غير مهيأة من ناحية توفر اجراءات الامن والسلامة بها، كما انها وحسب المصادر ايضاً غير مناسبة اصلاً لمكوث بشر فيها، إذن «المكان» سبب مباشر في ازهاق روح «الانسان»!! واذا واصلنا مسلسل الاسئلة فهل يحق لنا ان نطرح سؤالاً آخر على المسئولين الامنيين في المركز وهو: هل جميع الضحايا هم من مدمني المخدرات وذوي السوابق؟ اعتقد ان المعلومات تشير الى ان هذا الافتراض ليس صحيحا، فهناك ضحايا لا علاقة لهم بالامر تم ايقافهم على ذمة قضايا اخرى لا ترقى الى مستوى الجريمة، والدليل مقتل احدهم خنقاً وهو الذي دخل الزنزانة بسبب حادث سير!! إذن لماذا يبقى المدمنون من ذوي السوابق في عنابر مشتركة مع من دخل الزنزانة لمجرد حادث بسيط؟! .. والاغرب من ذلك يكمن في حصول هؤلاء على مواد استطاعوا من خلالها اشعال الحريق ، مما يؤكد الضعف الواضح في الرقابة والتفتيش، ودخول هذه المواد الى الزنزانة دليل على دخول مواد اخرى أكثر ضرراً.. إذن لن نستغرب اذا سمعنا في يوم من الايام عن وفاة سجين بسبب جرعة مخدره «زائدة» وسط زنزانته!! .. إن ما حدث في غرف توقيف مركز بر دبي لم يكن كارثة طبيعية ولم يكن زلزالاً او انفجاراً وقع فجأة فأصبح اتخاذ القرار في غاية الصعوبة، بل هي حادثة مفتعلة سبقها ارهاصات عديدة لذا فإن انتهاء المشكلة بإزهاق روح 14 إنسانا امر لا مبرر له مهما كانت المبررات التي سنسمعها كثيراً بعد انتهاء التحقيقات.. وهل الوقت مناسب عند حدوث كارثة لتطبيق سياسة الضبط والربط وانسياب الاوامر من اعلى الى اسفل.. هذا ما حدث وانتظر من هم في المركز الى حين وصول هذه الاوامر، لكنها لسوء الحظ وصلت بعد فوات الآوان في الوقت الذي كان فيه الضحايا يتساقطون واحداً تلو الآخر!! .. هل ما حدث يتناسب مع قدرات ومؤهلات رجال الشرطة الذين بدأوا مؤخراً في إلقاء المحاضرات والدروس في مختلف الدول العربية حول تجربتهم في تطبيق الجودة الشاملة!! .. عندما يتسبب اي فرد من افراد المجتمع بحادث ما بسبب «إهماله» غير المتعمد وينتج عن هذا الحادث اضرار وضحايا فإنه يتحول في نظر القانون الى «مجرم» يستحق العقاب.. اذن كيف سيتم التعامل مع الذين اساءوا التقدير والتصرف في هذا الحادث المأساوي الذي نتج عنه اضرار بشرية غير مسبوقة.. أليست المسئولية تحتم مساءلتهم ومحاسبتهم؟! مجرد اسئلة؟!