على الرغم من الاحداث الرهيبة التي شهدها ولايزال يشهدها العالم منذ 11 سبتمبر الماضي، فان صناعة الازياء الفرنسية الراقية مصرّة على عدم السماح لما حصل بالتشويش على عالمها المخملي الجميل. وحتى عندما كانت القنابل تنهمر على جلال اباد، كان كبار مصممي الازياء يتباهون ويختالون بعرض تشكيلاتهم الربيعية في باريس بحيوية وابتهاج شديدين. في عرض «شانيل» بمتحف اللوفر، صدحت الموسيقى بأغنية «الليلة وقت الاحتفال» فيما راحت خمسون عارضة يمشين متبخترات على معبر زجاجي متألقات بالحرير الشفاف المتطاير والفساتين القصيرة جداً. المصمم الكسندر مكوين عرض مصارعي ثيران بسراويل جلدية مزركشة وسترات مزينة بالخرز وفتيات تغطي اجسادهن سلاسل من الكشاكش بجانب فتاة تتلقى الطعنات مثل ثور المصارعة، كل ذلك على خلفية من مقاطع قصيرة من مشاهد مصارعة الثيران تتداخل على ستارة المسرح الخلفية مع مشاهد مثيرة. اما المصمم جون جاليانو من دار كريستيان ديور فقد توسع في السمات والاشارات الاثنية التي عرضها على الانظار في تشكيلة يوليو الماضي واخرج هذه المرة الى خشبة المسرح عارضات مكتسيات بلباس بدوي الطابع معتمرات العمامات على رؤوسهن. وفي تبرير هذا المزاج المتجاهل لكل المصائب التي تحل بالعالم يقول المصمم كارل لاجر فلد من دار ازياء «شانيل» «هذا النوع من الحروب جديد تماماً على العالم، انه نوع عالمي ومختلف عن كل ما قبله. وعلينا ان نتصرف وكأن شيئاً لم يحدث، لاننا لانستطيع التنبؤ بشيء. الناس يريدون ان يلبسوا ثياباً جديدة، ان ينسوا ماحدث، ووظيفتنا ان نساعدهم على ذلك. لكن آخرين لا يتفقون ابداً مع هذا الرأي فقد كتبت ناقدة الازياء سوزي مينكس في صحيفة «هيرالد تربيون» تقول: ألا يوجد في العالم ما يكفي من العدوان حتى يقدم لنا هؤلاء المصممون عارضات يزمجرن باتجاه الجمهور ويتراقصن بأحذية طويلة مزينة بما يشبه مخازن الرصاص؟». ورداً على هذا الكلام القاسي، قام لويس فيتون رئيس مجموعة مويت هنسي وصاحب شركة كريستيان ديور بمنع مينكس من تغطية اي عرض في دور ازيائه الاخرى، والرسالة كانت واضحة في هذا: «صناعة الازياء تعيش في عالم آخر، وعليك ألا تنسى هذا ابداً بعد اليوم وبنهاية الاسبوع ألغى فيتون قرار الحظر، وكأنه كان يحذر مينكس من مغبة النتائج المترتبة على مهاجمة عالم الموضة ثانية. لقد كان لهجمات 11 سبتمبر اثر واضح على صناعة الازياء والرفاهية، فمبيعات البضائع الفخمة شهدت انخفاضا حاداً. والشركات الكبرى مثل «جوتشي» و«برادا» شذبت تنبؤاتها بأرباح هذا العام. عندما ضرب الارهابيون ضربتهم، كانت صناعة الازياء في مخاض موسم عروضها الجديدة في نيويورك. وعلى الفور توقفت كل نشاطات ذلك العمل المربح الذي تقدر قيمته بمليارات الدولارات، كما توقف كل شيء آخر في المدينة. لكن في غضون ايام بدأ مصممون مثل كالفن كلاين ومايكل كورس بتقديم عروض خصوصية غير رسمية في صالاتهم الخاصة لكبار المشترين والمحررين لقد ارادوا ان يخبروا العالم أنهم لايزالون مستمرين في العمل لان الملابس المعروضة كانت من تشكيلات مواسم مقبلة قريباً. اسبوع ازياء لندن الذي أعقب اسبوع نيويورك كان مكبوح الجماح فالاعصاب كانت لاتزال مشدودة ومعظم المحررين والزبائن الاجانب اجتنبوا فكرة السفر وبقوا في اوطانهم. وبعد اسبوعين من الهجمات لم يحضر عروض ميلانو سوى حفنة من المحررين الماكرين لكن بحلول موعد موسم أزياء باريس كانت الموضة قد استعادت شيئاً من تأثيرها ومفعولها وكان الحدث كبيراً والحضور ضخماً من جانب المحررين والمشترين وممثلي متاجر التجزئة الامريكية على الرغم من التباطؤ الاقتصادي الذي يخيم على الولايات المتحدة والانخفاض الكبير المتوقع في المبيعات في الاشهر القليلة المقبلة. وعلى الرغم من ان الباريسيين بعيدون جغرافيا عما يحدث الان في افغانستان لكن في هذه القرية الكروية الآخذة بالانكماش فإن الحرب ضد الارهاب لم تبد بعيدة الى هذا الحد. ويقول جاليانو: «بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن سيكون من الصعب على المرء ان يكون مبدعاً أو ايجابياً لكن البعض يرى انه رغم كل شيء يجب عدم السماح للارهاب باختطاف الفن والموضة، حيث يقول دومينكو ديسولو مدير مجموعة جوتشي التي تتضمن «إف سان لوران» و«الكسندر مكوين» و«بالنسياجا» و«ستيلا مكارتني»: «نحن نشغل 10 آلاف شخص. وهذا هو عملنا. علينا ان نستمر مهما حصل. بموسيقى الهوب هوب الصاخبة واضواء الليزر المبهرة والعارضات اللواتي ينطلقن في اطار استعراضات مدهشة، يواصل المصممون الغرق في عالمهم البراق مغمضين اعينهم عن المآسي التي تحدث من حولهم في شتى أرجاء العالم. علي محمد