يبدو أن العداء الغربي للاسلام بصفة خاصة قد بلغ منتهاه. وتحدث كثير من المحللين عن ذلك ففسر بعضهم هذا العداء بأن الغرب بعد سقوط معقل الشيوعية الاولى في العالم او الاتحاد السوفييتي، لم يعد أمامه عدو يدفع عجلة صناعاته العسكرية، الى جانب تحليلات وتفسيرات اخرى. لكن الامر بلغ الذروة الان حيث يلصق الغربيون بالمسلمين جرائم ارتكبوها هم في الماضي، بل كانوا اول من ابتدعوها كما هو ثابت من التاريخ، مثل جرائم القرصنة البحرية والتجارة في الرقيق من البشر خاصة موجات تهجير الرقيق من افريقيا ليعملوا في المزارع الامريكية التي كانت في حاجة الى ايد عاملة رخيصة، بل مجانية تماما وبالسخرة وكان لابد من ان نسوق هذه المقدمة قبل ان نبشر بأن استاذا مساعدا بجامعة فلوريدا الامريكية سوف يصدر كتاباً الشهر المقبل تحت عنوان «القرصنة والرق والمبادلة قصص من انجلترا المعاصرة عن الاسر البربري». يوضح الاستاذ المساعد دانيل فيكتوس في هذا الكتاب، كما يدعى، كيف قام القراصنة المسلمون بأسر واستعباد بحارة بريطانيين في القرنين السادس والسابع عشر. وللاسف الشديد كتب مقدمة هذا الكتاب شخص يدعى نبيل مطر، يتضح من اسمه انه عربي، وهو رئيس قسم الدراسات الانسانية والاتصال بمعهد التكنولوجيا التابع لجامعة فلوريدا. ويدعى مؤلف الكتاب ان المسلمين لم يستعبدوا البحارة الانجليز فقط بل كانوا يجبرونهم على اعتناق الاسلام، فكان بعضهم يوافقون والبعض يرفض الى ان يموت في الأسر. ويستعرض دانيل فيكتوس سبع قصص يدعى ان بحارة وتجاراً انجليز قد كتبوها ليصفوا فيها المعارك التي خاضوها في البحار وتعرضهم للاستعباد والاسر والتعذيب على يد المسلمين القراصنة وقصص نجاة البعض منهم وهروبهم. يقول فيكتوس ان القراصنة البرابرة المسلمين كانوا يعملون لحساب وبدعم ومباركة من السلطات في موانيء شمال افريقيا مثل الجزائر وتونس. ويقول ان نشاطهم كان يشكل دعماً اقتصادياً للمحميات التي يعيشون فيها. كما يدعى الكاتب ان هؤلاء القراصنة المسلمين هاجموا السفن وهددوا الملاحة في البحر المتوسط والمحيط الاطلسي وكانوا يتألفون من متمردين فارين من كل انحاء اوروبا والمورو والاتراك والعبيد المسيحيين. لاحظ ان اعضاء العصابات من المسيحيين هم ايضا من العبيد، اي ان المسلمين يستعبدونهم، يقول الكاتب انه في ذلك الوقت كانت الامبراطورية التركية اقوى من انجلترا، وكان الاسلام يشكل تهديدا لنمو وتنمية انجلترا كقوة وطنية، وتوضح القصص التي يرويها الكتاب جبروت وقوة المسلمين وتعصبهم لدينهم وكيف شكلوا تحديا ايديولوجيا وماديا لبريطانيا المعاصرة. ويقول فيكتوس ان تلك الروايات تتناقض مع المتعارف عليه من شكل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين كما كنا نظنها، حتى ان الرواة كانوا يشبهون العالم الاسلامي بعالم الجن والشياطين ولايزالون يشعرون بالهلع منه. يقول ان بعض الرواة لهذه القصص كانوا يصفون هروبهم من القراصنة المسلمين بأنه هروب من ظلام الاسلام الى نور المسيحية وان عودتهم من العبودية والاسر في شمال افريقيا الى الحرية في انجلترا كانت رحلة تحت رعاية اله البروتستانتية «مذهب مسيحي». لكنه يعترف بأن بعض هؤلاء الرواة قد بهرهم الاسلام، مثل جوزيف بتس، الذي كان اول انجليزي يؤدي مراسم الحج ويزور مكة، رغم ان فيكتوس يدعى ان المسلمين اجبروا جوزيف بتس على الدخول في الاسلام. ويتضح التناقض الشديد في هذه الرواية، فكيف يكون هذا المدعو جوزيف بتس قد اجبر على الدخول في الاسلام ضد ارادته، ثم ينبهر بالاسلام لدرجة انه يؤدي مراسم الحج. وفي إطار ادعاءات هذا الفيكتوس يقول ان جوزيف بتس روى كيف ان ولاءه انقسم بين الاسلام والمسيحية، وان في هذا الكلام عزاء لبنى جلدته من المسيحيين البريطانيين عن تركه الديانة المسيحية والدخول في الاسلام. نعود للتناقض مرة اخرى، فكيف ينبهر جوزيف بتس بالاسلام، وفي الوقت نفسه يتجزأ ولاؤه بين الاسلام والمسيحية؟ ثم يعود فيكتوس ليعترف بأن معاناة الانجليز من الرق والعبودية في شمال افريقيا لا تصل الى حد معاناة العبيد الافارقة في امريكا الشمالية. ويعترف ايضا بان القراصنة المسلمين كانوا يسمحون لعبيدهم من الانجليز بان يديروا محالهم التجارية ويقبلونهم كأعضاء كاملين في المجتمع الاسلامي اذا تحولوا الى اعتناق الاسلام. ومرة أخرى يقع فيكتوس في براثن التناقض، فكيف يكون العبيد، كما يقول، اعضاء كاملين في المجتمع الاسلامي، وفي الوقت نفسه يدعى ايضا بان بعض العبيد كانوا يساقون الى أعمال دونية مجهدة بدنياً. وفي رواية اخرى تظهر مزيدا من التناقض في هذا الكتاب المزمع، يقول فيكتوس ان انجليزياً اخر يدعى ريتشارد هاسلتون تمكن من الهروب من ظلم وبشاعة الرق الذي يمارسه القراصنة المسلمون، لكن لسوء حظه يقع في اسر الاسبان. ولكي يفضح مؤلف الكتاب نفسه، يعترف بان هاسلتون اضطر الى العودة الى حياة «الرق» تحت رحمة المسلمين هرباً من بشاعة الاسر لدى الاسبان، الذين عذبوه بدورهم لكي يعتنق المذهب الكاثوليكي. جدير بالذكر ان فيكتوس له مؤلف سابق صدر العام الماضي بعنوان «ثلاث مسرحيات تركية من انجلترا المعاصرة». كما يصدر له قريبا كتاب آخر بعنوان «التحول الى التركية: المسرح الانجليزي والبحر المتوسط متعدد الثقافات بين 1570 و1620 ولا ندري ماذا سيقول فيكتوس في هذا الكتاب ايضا عن الاتراك والامبراطورية التركية، التي كانت رمزا للاسلام في احدى الحقب الزمنية ولذلك استحقت كراهية الغرب لها. كتب أشرف رفيق: