لقد اصبحت الاعشاب الطبية اكثر رواجاً وشعبية الان من اي وقت سابق. ومع ان التقديرات تتباين، الا ان السوق العالمية لهذه الاعشاب قد نمت بسرعة كبيرة في العقد الماضي وتقدر الجمعية الاوروبية لممارسي العلاج بالاعشاب الطبية ان سوق هذه السلعة في الاتحاد الاوروبي تبلغ الان 6.8 مليارات يورو سنوياً. وطبعاً لا احد يشك بأن الاعشاب تحتوي على كثير من الكيماويات الطبية ذات التأثير العلاجي، فالنباتات بطبيعة الحال هي مصدر نصف المنتجات الصيدلانية في اي صيدلية معاصرة، كما ان اكثر سبعة ادوية مبيعاً في العالم الان تتضمن بعض العناصر المأخوذة من النباتات. لكن السؤال هو لماذا يخاطر احدنا بأخذ اعشاب بكمية لا يعرف محتواها العلاجي في الوقت الذي توفر الصناعة الصيدلانية له اعادة العلاجية المتوفرة فيها معزولة عن غيرها ومصنعة بطريقة علمية تضمن حجم الجرعة التي يأخذها الانسان مباشرة؟ يزعم ممارسو طب الاعشاب في ردهم على هذا السؤال بأن المركبات الممزوجة هي افضل من الكيماويات المعزولة النقية. ويقول هؤلاء ان عشرات من المواد الكيماوية الفاعلة حيوياً داخل النبات تعمل مع بعضها لانتاج مفعول علاجي اكبر من اي مركب كيماوي واحد. ومع ان هذا قد يبدو للبعض ليس اكثر من مزاعم، الا ان العلماء يعترفون الان بأن ممارسي طب الاعشاب هم على حق في بعض الاحيان. وفي الواقع فإن الاعشاب هي في سبيلها الان لارشاد البشر نحو جيل جديد بالكامل من العقاقير الطبية. والطب المعاصر متعلق حالياً بفكرة «الرصاصة الفضية» اي الجزيء الكيماوي العلاجي النقي مثل الاسبرين او البنسلين على سبيل المثال. وحتى طرق العلاج متعددة العقاقير مثل العلاج التركيبي للايدز ليس الا الشيء نفسه. فكل مكون من مكونات هذا المزيج ليس الا طلقة مضيئة سحرية بحد ذاته. وعلى الرغم من الثورة الكبيرة في العلاج التي حققتها الادوية الكيماوية، الا ان الكثير من الامراض لاتزال ماثلة امام الاطباء، دون ان تكون لديهم اي طلقات فضية ضدها كالاكتئاب والسكري وغيرهما. وبعض هذه الامراض يبدي استجابة افضل لذلك النوع من الخلطات العلاجية الموجودة في الاعشاب. فهل حان الوقت ليعيد الطب المعاصر التفكير في مناهجه؟ في حلقة بحث اقامتها الجمعية الصيدلانية الملكية البريطانية في ابريل الماضي قالت الباحثة اليزابيث وليامسون من كلية الطب في جامعة لندن انها وجدت عصارة تؤخذ من نبات قنب كامل اكثر فاعلية في علاج التقلصات العضلية من مادة «خماسي هيدروجين القنب» او التي يشار اليها اختصاراً بـ «تي إتش سي» والتي تشكل المادة الفعالة في القنب. وتقول وليامسون ان هذا يثبت بأن كيماويات اخرى غير تي إتش سي تعزز من المفعول الدوائي لكن من غير المعروف اذا ما كانت تلك الكيماويات ذات تأثير علاجي بحد ذاتها ام انها مجرد اضافات ثانوية للعلاج. ويبدو ان بعض المشتقات العشبية ذات مفعول علاجي حقيقي. فقد اثبت الدكتور هيلد برت فاجنر وزملاؤه في جامعة ميونيخ بأن مزيجاً من مركبين كيماويين مضادين للتجلط يوجدان في اوراق نبتة الجينكو اكثر مفعولاً من حاصل جمع مفعول كل منها لوحده. وعلى نحو مشابه تعمل اهم ست كيماويات فاعلة في نبتة كافا كافا مع بعضها بشكل تفاعلي يحقق اثراً علاجياً اكبر من عملها لوحدها. تقول وليامسون ان التأثيرات الاضافية او العلاجية يمكن ان تحقق اداءً علاجياً افضل مما يمكن لجرعات اصغر من كل مادة على حد تحقيقه، وهذا يعني ان المرء يستطيع تجنب الاثار الجانبية التي لابد وان تحدث حين اخذ جرعة كبيرة من مركب كيماوي وحيد. وتتوفر الان ادلة متفرقة على هذا الامر، فالعصارة المأخوذة من نبتة الايفيدرا اقل تأثيرات جانبية من عقار الايفيدرين وهو اهم مكوناتها العلاجية. لكن حتى الان لم يقم احدهم بدراسة لتحديد السبب وراء ذلك. وربما يعود السبب الى ان اياً من شركات الصناعة الصيدلانية الكبرى غير مهتمة بالاعشاب لانها لا يمكن ان تدخل ضمن نطاق حماية الملكية التجارية. وحتى تتمكن هذه الشركات من تسويق المشتقات العشبية بحماية تجارية كاملة، لابد لها من ان تجري تجارب سريرية على مكوناتها الفعالة منفصلة ومجتمعة ومقارنة باختيار دواء «الطلقة الفضية» فإن ذلك سيتكلف الكثير. وفي المقابل هناك جانب سلبي لهذه الميزة. وعلى سبيل المثال فإن افضل العلامات التجارية الدوائية لعشبة سان جورج تحتوي على كميات محددة من المادة الفعالة فيها وهي الهايبرسين. لكن باعتبار ان هناك اكثر من عشرة مكونات فعالة فيها، فإن نسختين من المنتج الدوائي نفسه بمحتوى مختلف من الهايبرسين قد يكون لهما درجتان مختلفتان تماماً من الخواص العلاجية. وفي معظم الاحوال لاتزال المستحضرات الطبية العشبية تسوق دون اجراء سوى القليل من التجارب السرية عليها. ومع ان المنتجين الاوروبيين يحاولون ضمان سلامة هذه المنتجات على اقل تقدير ان لم يكن بالامكان ضمان فاعليتها، فإن محاولاتهم هذه تتعرض للاجهاض نتيجة للضغوط التي تمارسها الشركات الامريكية لاضعاف اي قدر من السيطرة او التحكم بالمستحضرات العشبية التي تحقق مبيعات طائلة في السوق الامريكية. وبدون اقتناع شركات الادوية بضرورة توفير الدعم المالي للبحوث في ميدان الاعشاب الطبية، فإن هذه المنتجات ستظل مشوبة بالشكوك. ويالها من خسارة!

