يالهوي.. للصرخة أذرع أخطبوط تسحبني من هدأة الحلم الى صخب اليقظة. تمزق شراستها عفة الليل الآمن. حلمي كان مشوشاً، ومرعباً، وملونا. لا أذكر تفاصيل محددة أو تتابعها منضبطاً وان تحضرني ملامح خاطفة: باب مدرسة الحسينية الثانوية بالعباسية والذي يشبه بوابة سجن مملوكي. وكوبري امبابة العلوي، ووجه الزعيم أحمد عرابي، وفرد أحذية ملقاة فوق مزلقان غمرة وملطخة بالدماء وجموع في الأستاد تهتف هتافات حماسية لفريق لا أميزه. اقتحمتني الصرخة من قرار عميق مصحوباً برعشة وتدفق لم أعهدها من قبل، حادة النصل تفرق بين مقام النوم ومقام اليقظة. خمنت ان الوقت قارب الفجر نظرة جانبية الى عقارب المنبه الفسفورية جعلتني اختصم ساعة من التقدير الأول. نفضت اثر الموت الأصغر من عيني بعد ان ادركتني الصرخة التالية التي جمعت بين رعشة الاكتشاف وتوسل الاستنجاد. ياخرابي... حازمة قاطعة هذه المرة، تمزق نياط القلب وتلقي رجفة في الأوصال غير منكورة ليس غيرها، امرأة فقدت رجلاً، لا يهم ان كان ابنا او أخا او زوجاً او أبا يميز بخبرته صرخة الفقد، ومنذ وفاة امه امتلك حسن التمييز بين جنس الفقيد. تجيء الصرخة ملتاعة، حنونة، دافئة اذا كان الفقيد امرأة ولكنها تصل الى مشارف الجنون، وتجمع بين اللوعة والاسترحام والجزع والاحتجاج اذا كان الميت رجلاً. الرجل سقف الأنثى وخيمتها المنيعة. عندما ماتت أمه خانته دموعه بجهشات حارقة متقطعة، الا انه لم يولول، واول صرخة في تاريخ البشرية ظلت مجهولة، هل وجدت امرأة نوح وقتا لتنعى وحيدها الغريق في بحر عناده وصلفه ام شغلها النجاة من السيل. ميز صوت زهرة زوجة البواب. مات عم يوسف اذن! نفض الغطاء الثقيل. ينام عارياً الا من سرواله الداخلي وأن حرص على التدثر بغطاء ثقيل يعوضه البرد. عادة مستحدثة طرأت على مسلكه في الأسابيع الاخيرة الا انه وجد فيها راحته. بدأت الابواب تفتح، وهرولت اقدام وتطايرت تعليقات عجلى تعكس مشاعر الحزن والترحم والدهشة. قضى الرجل عامه الاخير مشلولا منتجياً فوق الدكة الخشبية في مدخل العمارة. كيف تهاوى الرجل الضخم وغدا كومة من لحم حي تعد أيامها الباقية. في الحركة التالية كان يضيء مصباح بضوئه الخافت تتشابه كل النسوة في موقف الموت. تنزاح فروق الغنى والفقر لترسم نونا للنسوة تضم تحتها الجميع. تحرض المرأة على إبلاغ رسالتها الى كل حي، وجدار وباب في الحي، تعزف الولولة سيمفونية مجهولة لا تعرفها الا النسوة يتذكر طعم الدموع مختلطاً بلعابه وارتعاشة اطرافه في تجربة الموت الاولى. كانت قطة الجيران السوداء التي أنزوت راقدة بلا حراك في بئر السلم. وعى ان حدثا جللا وقع، وأنه يقف أمامه عاجزاً عن الفهم، وبلا حيلة. أي حدة كانت ولولة امرأة فرعون بعد ان اغرقته مفاجأة موسى؟ وما بين مرارة اليتم وجحيم الأسئلة مزقتها رحى الشك: من كان على حق، المطارد ام الطريد؟ وعندما سقط الحسين لم يجد من يبكيه، ومن وقتها صارت ايامنا كربلاء متوحشة لمذاق في أفواهنا. لو وجد الحبيب حسوة ماء لهان طعم الاستشهاد، وتناقلت غربان المذبحة الفجيعة جيلاً بعد جيل. ما فصيلة دماء غربان كربلاء، وهل كانت تجيد القراءة والحساب؟ تردد بين النزول والانزواء. تراجع عن الانضمام الى الجموع الهابطة، لا يجيد التصرف في مواقف الموت، ويكابد مشقة في حضور جنازات الآخرين. حاول ان يخمن رد فعل امرأته في حالة وجودها، منذ غادرته في المرة الأخيرة اضحى مكانها بارداً في الفراش، وغيم الصمت على سرير الولد. مرت تسعة أيام منذ رحيلها الاخير. افتقدها هذه المرة بشدة مع انه تعود على لعبة الحضور والاختفاء معها. ويوما ما صرخت في حديقة المريلاند بجنونها النادر: احبك ولم تعبأ بدهشة الزوار، فأى امرأة هي! ارتدى منامته وأشعل سيجارة. لو نزل من الطابق السادس حتى الاول فسيلتقي بعيون الجيران الفضولية، وكم كان حريصاً على تجنبهم في أيام غيابها. سألته زهرة مرة: متى ستعود الهانم والصغير، وخانته الاجابة. وسألته الغائبة في لحظة نشوة: اتتزوج بعدي؟ أجاب من فوره: نعم، ودهشت لاجابته وحسبته يمزح. بدأ اللقاء الاول شفقي اللون في ذاكرته. لماذا طردته من الحصة؟ من؟ عصام زهير؟ أنت..؟ شقيقته ولكن لا تملك تناطح عنادها وصلابته، وتفجرت عيون الود من تحت صخور الهضبة الصلدة، وتحول الصدام الى مصالحة فمصارحة فاعجاب، فأى لغز نحن؟ اعترف لي بعد خطوبتنا بأن شخصيتي الآسرة في هذا الموقف قد هزتها، وبدت تراني بعين مختلفة. اتاح عملها مترجمة بالمركز الصحفي مساحة لا بأس بها في الدخل والسفر والنضج. يعمل والدها مديراً بالبنك الشهير. لم تجد مشقة كبرى في توفير الشقة والسيارة الصغيرة. ياسبعي. اي قوة يمتلكها رجلك المشلول. ليس للأيام امام، وغدا ستميد الارض من تحت اقدامنا وتبتلعنا، فمن يؤكل عصافير الجنة في اقفاصها. تلقفت رسالة ابيك الصامتة. صبر سنوات اربع قبل زواجه غير امك. ـ بيت بلا امرأة قبر يابني.. وولى العهد الذي دنا قدومه قد يحتل غرفتك، وزوجة ابيك تشعر بالحرج في وجودك، والرجل يتنازعه ارضاؤكما، فأي حرج يلفه شقيقك عصام زهير اصبح طرف الخيط الذي نهايته الجنون. يتعمد الا يعود عند موعد النوم، ويوم الجمعة ثعبان طويل يعتصر فقراتك العظمية، وتتمنى ان يقتلك ومع ذلك تضطر للخروج. لم يضق بك في شبابك، فلم تحمل عليه في شيخوخته؟ هي فاتحة الكتاب، وبداية موسم الاشراق والقلب الذي غطاه صدأ الانتظار وآلام قصة حب فاشلة مع بنت الجيران ايام الدراسة الجامعية آن له ان يخفق وينبض بأسمك، فبأي وجه تعود ياشتاء! حاذرت الا تثقل عليه بيسرها، وراعت مشاعره تماماً، وأنت يا معلم الاحياء اي معنى للحياة بدون امرأة تنتظر عودتك؟ لم لا تعطي دروساً؟ مجموعات تقوية نعم، اعارة لا مانع، لكن الدروس ضد مبادئي افحمته باكتمالها اقتحمها باستغلاقه وصلابته. يوجد في العالم حوالي ثلاثون مليونا من الأحياء منها ستة ملايين نوع من الفراش لم يفلح العلماء الا في تسجيل مئة نوع منها فقط، فكم نحتاج الى عمر اسطوري لتسجيل ما بقى. الصرخة اصبحت صرخات، تتماوج في رجع مدهش ها هو اذان الفجر يختلط بصرخات النسوة المحزونات ووخز وحدتك، فلك الله. تبدو العلاقة بين عم يوسف وزهرة غامضة ومحيرة. يكبرها بثلاثين عاما او يزيد لم يدركه الا في السنوات الثلاث الاخيرة منذ زواجه وانتقاله الى العمارة. عرف ان صاحبها قد عهد اليه بأمرها وأصطحبه من عمارته القديمة. يشي شاربه الكث المتدلى كعادة أهل الصعيد الجواني برجولة حقيقية تؤكدها عمامته العالية المعقودة في تأنق. لا يعرف تفاصيل الزواج الذي أثمر خمسة أطفال من البنين تضمهم الحجرة المظلمة. تقدسه زهرة في وله غريب اقرب الى العبودية تناديه «بسيدي يوسف» ولا تخجل من تقبيل يده على الملأ. وفي نهاية اليوم تحرص على وضع قدميه في ماء ساخن مملح وتدعكها وكأنها تراهن على شفائه واستعادة عافيته. برغم مرضه الا ان جسده الضخم يشي بفحولة خارقة. كيف يحتمل قدها النحيف العظمى ثقلة البدائي. تخلى البركان عن هدوئه. يذكر الخلاف الاول، مجرد اختلاف حول تقييم فيلم السهرة بالتلفاز، صرخت ونفرت عروقها واستسلمت لبكاء محموم عندما عاد من المدرسة عصر الغد لم يجدها في المنزل. لا تقلق. حالة عصبية انتابتها اثر حادث لزميلتها في نهر الشارع في المدرسة الاعدادية. يهدأه ابوها، اما امها فتعاتبها بلهجة تخلي المسئولية. المحنا لك في فترة الخطوبة، ولكنك لم تفهم. تحمل دلالها وعصبيتها وهكذا تكررت حركة البندول بين منزلنا ومنزلهم. تعود بعد أيام كأن شيئا لم يكن، لم يعاتبها الا في المرة الاولى ولكنها لاذت بصمت مطبق، وتعودت الا يعاتبها في الخلافات التالية. لا تترك وقتا للعتاب، تشمر عن ساعديها تستلذ بأداء واجباتها المنزلية بنفسها يحاول مساعدتها، فترفض. حضر دروسك يا أستاذ الاحياء. تعطيه نفسها في الفراش بلا بخل، وتعيش دور العاشقة المتبتلة، ومنذ فجر التاريخ لم تمض ليلة لم تشهد لقاء أنثى برجلها. تفرض زهرة نفسها بقوة. يحتاج الامر لسيجارة اخرى. لمح جاره الضابط المنفوخ ذات مرة وهو يتمتم «يعطى الحلق».. مشيعا زهرة بنظرة ذات معنى من وراء زجاج المصعد، وميز نظرة الذئب في عيني اكثر من جار، الا ان سمعتها ظلت ناصعة بلا شائبة سأله الضابط مرة دون ان ينتظر اجابة وكأنه يكلم نفسه، ومشيرا بإبهامه اليها: هل هناك طفل سادس في الطريق؟ يشير الى الرجل القعيد في انكسار. منذ عجزه اصبحا يتقاسمان العمل يتولى حراسة المدخل في حين تقوم زهرة بشراء الطلبات وتنظيف السلم. ترفض الاشتغال في شقق العمارة تعتبره عيبا لا يليق بمثلها. منذ متى بدأت تعتريه الاعراض الغريبة، ويطرأ على مألوف عاداته غريب الفعل. لعل ذلك بدأ الشهر الماضي، ومنذ غيابها المفاجيء اثر ملحوظة عارضة حول اصباغ بشرتها. الغريب انه في الليلة السابقة اسخت بنفسها، وتدلت بشموخها اللافت وجموحها المحبب، ملكة تنتسب لملك زائل وبلاد سحرية. تتأكد من كواء ملابسه، ويرى اقلامه الملونة وهندام اوراقه. يحلو لها ان تصفف شعره بنفسها ولا تجد حرجاً في تلميع خفه المنزي. يظلان يرسمان مستقبل الصغير، تبدو أكثر شدة معه في حين يميل مسلكه مع الصغير الى تسامح وتدليل وكأنهما يتبادلان الادوار معه. اعترتها الاعراض المعهودة اثر ملاحظته العابرة، تنفرد بنفسها في غرفة النوم، ويستسلم لحيرته، هل تفعلها في الصباح كالعادة وتواصل مسلسل الغياب؟ صدق حدسه، وعاد ولم يجدها وشعر بحنق في السؤال عنها. يستقبل رسالتها العاتبة من نظرات العينين بعد عودتها وكأنها تحاسبه على الصمت وعدم السؤال عنها. ربما بدأت الاعراض الغريبة تميز سلوكه منذ هذا اليوم. لاحظت تغييرات تعتريه: اختلاف شأنه وتبدل عاداته. بدا الامر في البداية فصلا هزليا او تجربة طريفة ولكنها تحولت الى قوة مستحكمة غالبت صده ومقاومته، وجرفته بإمدتها. بعد عودته الى الشقة الصامتة كقبر، يتجرد من ملابسه، يرتد الى زمن البدائية الاول. هل احتاجوا وقتها الى انشاء حديقة للحيوانات؟ ضبط نفسه يقف على رأسه ويحاول ان يقلد مهرجاً شاهده في طفولته. يتأكد من اغلاق النوافذ. ينام فوق الدولاب. يخرج لعب الولد ويقلده في اللعب والحديث اليها. يستغرق وقتا غير قليل في اللهو بها ويشعر بلذة مستجدة. يشكل اوراقاً على شكل عصافير وطائرات ووحوش خرافية. ربما كان جدك الكبير ماموثاً او ديناصوراً يحمل الجنسية الافريقية. وعندما كان يسمعان «هجرتك» في أيام الزواج الاولى كانت تضحك ساخرة ومشيرة بإبهامها الى المسجل قائلة «هجرته» وكأنها تسمع عجباً. يتناول كرة الصغير الملونة ويظل ساعة او اكثر يصوبها الى الحائط المقابل او يلعبها برأسه كما كان يفعل في زمن فتوته. يخرج ملابسها وملابس الولد من الصوان ويلقيها على الارض كلها ثم يعود ليرتبها في موضعها من جديد. يقف امام حوض الغسيل ويغسل الاطباق النظيفة ويجففها ويضعها في مكانها ثم يعود ويكرر هذه العملية عدة مرات يتناول قلما ملونا ويشخبط في الأوراق البيضاء كما يفعل الولد. يرفعه ليضعه على ركبتيه ويظل يراقبه بعاميه الاثنين وهو يرسم البهجة والبراءة. اصبح يدخن وهو الذي لا يطيق رائحة الدخان، يدخن السيجارة حتى منتصفها فقط. يجلس امام التلفاز بعد انتهاء الارسال محملقا في ازيز الشاشة البيضاء مستدرجاً النعاس ومحتالا على النوم. يفقد الاحساس بالزمن وقتها لاحظ عادة جديدة اعترته: يوارب خصاص الشيش ويطفيء النور ويراقب احوال الجيران، وبالتكرار تجمعت لديه حصيلة لا بأس بها عن جيرانه، بعضها يشين وبعضها يدعو الى السخرية. وبرغم خجله المعهود الا انه اصبح يرمق مناطق محظورة في اجساد نساء الجيران، ويحاول ان يتتبع تفاصيل الحياة اليومية في كل شقة ويسجلها. اكتشف بالتكرار ان للآخرين حياة مضحكة لم يتصور وجودها. فوجيء ان طبيب العيون الذي تقع عيادته في العمارة المقابلة يداعب الممرضة من مكان حساس وسط ضحكتها اللاهية، والمراهق الذي يدخن في الحمام خلسة ويظل يطرد الدخان بيديه حتى لا يترك اثراً. والمحامي الذي يحلو له ان يرقص وهو يغسل الاطباق بينما تصفق زوجته له في ايقاع شرقي، وهناك المرأة السمينة الجادة التي تغازل شاباً في النافذة المقابلة. يذهب الى المغسل ويملأ بضع مراكب ورقية ويظل يحركها بيديه كما يفعل مع الصغير. يمضي الوقت دون ان ينتبه وهو مستغرق في هذا الفعل بجدية كاملة يتناول اصبعاً من طلاء الشفاه ويرسم به على مرآة الحمام وجوه سكان العمارة. يمسك رسما لتمساح ضخم يفتح فكيه يقف طائر الزقزاق داخله ينظف ما بين الاسنان من فتات الطعام بمنقاره الصغير. رسمه للصغير عدة مرات ولونه بعناية ومتعة، تؤسره هذه العلاقة التي قرأها عن حياة التماسيح في أفريقيا الاستوائية يمسك دبوساً ويظل يثقب مكان عيني التمساح، ثم يتنقل الى عيني الطائر ويكرر الفعل نفسه. يظل وجه زهرة الاسمر طافحاً بالبشرى والاسئلة. يجلس معبودها في مدخل العمارة تمثالاً من وهم. وسيدنا سليمان ظل اربعين عاماً ميتاً متكئاً على عصاه ولم ينتبه الجن الى موته، قبل ان يفضح سره النمل، فأي غفلة تلك! عندما يغضب عم يوسف عليها لسبب ما، تنتحي بالغرفة وتظل تنوح وتلطم وجهيها في رعب حقيقي، ولا تهدأ حتى يسامحها. اي قوة عاتية بداخلك يا رجل تبعث رهبتك في قلبها، واي عشق تطويه لين جوانحها له. عندما فتح باب المصعد ووجدها منتحية تمسح السلم ومولية ظهرها له، لم تحس بمقدمه، وبدا انها تتلذذ بعملها، ومعبودها لم يكن فوق عرشه، بل كان منتحيا في ساعة القيلولة في الغرفة، غطاه خجل مفاجيء وهو يلمح ساقيها العاريتين المستدقتين، فعاد بهدوء الى المصعد والغى فكرة الخروج، وعاد ادراجه حتى لا يقتحم امنها. رأها مرات عديدة وهي تحلق لحية رجلها النابتة، تفعل ذلك بمهارة عجيبة، تتناول آلة الحلاقة وكأنها عازفة ماهرة، وتندمج في العمل متبتلة في تفاصيله، وعندما تنتهي ينفض عم يوسف استسلامه الهادي وتقول له بصوتها الخاضع «نعيما يا سيدي» ينازعني شعور معقد تجاه الصغير... يطاردني شعور بالنفور منه، واكاد احسبه في صفها راضيا عن مسلكها الغريب، لكن في ساعات النوم القليلة معايشاً شعوراً مضاداً احرص على ان احتضن دبه الضخم واكاد اشم رائحته. فيه اتلذذ بملمس لعبه وشم ملابسه ولكنك يا صغيري ارتبطت بغيابها واصبحت سؤالاً كبيراً انت الآخر. حسب ان ولادة الصغير سوف تنهي مسلكها الغريب، ومراوغة الحضور والغياب ولكن الامر استمر كما هو، ومارست شذوذها دون تغيير تصطحب الصغير في سيارتها الى منزل اهلها ثم تتوجه الى عملها، ويتكرر العمل في اتجاه معاكس بعد انتهاء موعد العمل. وفي يوم الخميس يحرصان على قضاء الامسية في الخارج بصحبة الصغير اي نصف انت؟ واي رجل انا؟ ظل محافظاً على الفاصل بين المنزل والعمل، ولم تتسلل الافعال الغريبة الاخيرة الى عمله، يحتفظ بجديته وتوازنه واشراقه في المدرسة، ويزيد من مساحة الشهرة والاحترام والتقدير هناك اضيف مسلك جديد الى حياته المنزلية مؤخراً تقلصت ساعات النوم، واصبح يستشعر كآبة حقيقة اذا جن الليل. ويراوغه النوم وتراوده اليقظة عن نفسه. يكتفي الآن بساعتين او ثلاث ساعات من النوم واحياناً يظل يومين كاملين بلا نوم. يتحول الى كائن لا فقارى لا تحتاج اللافقاريات الى النوم مثلنا، وهي لا تشكل اكثر من اثنين بالمئة من عدد الحيوانات المعروفة، ومع ذلك تحظى بسلطة طاغية وتحكم العالم وحدها، فأي ظلم هذا! يوماً فاجأها وسط دهشتها، ربع الكائنات الحية الموجودة في العالم تعود الى صف الخنافس، ومع ذلك لا يهتم بها احد. ـ اتحبها؟ ـ اتعاطف مع المظلومين. تختفي وراء سحابات الايام وتتركك وحيداً، واذا حسمت الامر ووضعت حدا للمهزلة كلها، فأي وطن تنتسب اليه، واي جدران تأويك يشبه مصيركما بكتيريا منقرضة، وتختفي سنوياً عشرة في المئة من انواع الحياة والنباتات في الغابات الممطرة، اي عشرون الف نوع حي في السنة الواحدة، امرأتك تغيب وتعود ولكن هذه الانواع المسكينة تنقرض بلا عودة، كم يبلغ العمر الافتراضي لعواطفنا القرن المقبل؟ يتباعد المدى الزمني بين صرخاتها، وتواريها قدومها وتوليها كيف يحوي قدها النحيف كل هذا الظلم، وكل تلك القسوة؟ يكتفي باتصال هاتفي كل عدة ايام، يهمه ان يسمع صوت الولد يتمنى حسم الامر ولكن مساحة الجبن والخنوع داخله تكبر. بدأ الامر فوق طاقته، ما اشبهك بزهرة التي تعلن بصرخاتها للعالم كله وحدتها وضعفها وهوانها في هذه اللحظات محاصر بين امرأتين: امرأة للحضور واخرى للغياب. مضت ايام طويلة لم يذق فيها طعم اللحم او يملأ انفه رائحة الطعام المنزلي. تعود على طعم اصناف الجبن كلها، وغداً نباتياً بالضرورة ما مغزى ان يمسك صورتها ويقطعها نصفين بالمقص ويعود ليلصقهما. تزايد مساحة الافعال الغريبة في سلوكه المنزلي. وابوك المحامي المحترم يزورك في المدرسة على فترات متباعدة وتحرص الا تضايقه في حياته الجديدة. سأم الرجل سنوات العمل الطويلة في الحكومة وركن للراحة بأي منطق تحدث بعودتك خللا في مداره الكوني؟ تطول غيبتها هذه المرة. ما رد فعلها عندما تعلم بموت عم يوسف؟ يلاحظ انها تغلظ لزهرة القول، الا انها تطوي مشاعر رقيقة داخلها. ايكره من يعرف طعم العشق؟ تنوب ازمنة العودة، وسوف يعود من المدرسة منهكا لتستقبله بأحضانها كأن شيئاً لم يكن، ويجري الصغير ليستقبله بصخبه الحبيب وبلثغته المدهشة. ويضم ساقيك لترفعه الى مدارك وتلثمه بقبلاتك في وله وتحنان. قرر الانتظار حتى موعد الجنازة. وصوت زهرة المبحوح لا يزال يعلن للاسماع غياب سبعها وحماها. تغيب ايها المعبود، وتعود امرأتك.. فأية مفارقة تحدث ساعتها. فليكن وطننا هو جلدنا، وجدارنا هي افكارنا، وامرأتك هي الذكرى، وطفلك هو الغربة، والعالم هو منفاك الكبير. امسك بالقلم ورسم التمساح بفكين مفتوحين، ورسم الزقزاق على حافة الفك السفلي بمنقاره الطويل يلتقط بقايا الطعام من بين اسنان التمساح المسترخى. لم يحرص على تلوين الرسم هذه المرة، في اللحظة التالية كان فك التمساح العلوي يتحرك لاسفل محدثاً صوتاً حاداً مغيباً الطائر داخل ظلمه تجويف الفكين. ـ قاص مصري