لقد فقدت السيطرة على القارب. لا أستطيع ان ارى جيدا والماء سييء جدا هنا... تواجهني مشكلات كثيرة هنا.. مقدمة القارب ترتفع الى الأعلى... لقد قضي عليّ. كانت تلك اخر كلمات تفوه بها البريطاني دونالد كامبل خلال محاولته تحطيم رقمه القياسي العالمي للسرعات المائية في الرابع من يناير عام 1967. ووقف المتفرجون يومها مشدوهين لرؤية زورقه «بلوبيرد» يتحطم الى أشلاء متناثرة في مياه كوينستون ببحيرة دستريكت، منهياً حياة كامبل على الفور. ظلت تلك اللحظات التاريخية المأساوية، التي أنهت حلم كامبل بزيادة سرعته مقترنة باسم «بلوبيرد» طيلة العقود الماضية. لكن كل ذلك تغير في شهر مارس الماضي عندما عثر على حطام قارب كامبل المشئوم وانتشل من أعماق المياه المظلمة بعد 34 عاماً منذ تحطمه. وبعد شهرين من ذلك الحين «في مايو الماضي» عثر فريق الغواصين على بقايا جثة بشرية اثبتت فحوصات الحمض النووي فيما بعد انها جثة دونالد كامبل. وتاريخ الأرقام القياسية للسرعات المائية له جانبه المظلم، كما ان له جانبه المثير. فمن اصل 14 شخصاً قاموا بمحاولات رسمية منذ بدء سجل الارقام القياسية، لقي سبعة مغامرين حتفهم، اي بمعدل وفيات قدره 50 بالمئة. لكن هذه الذكريات المؤلمة التي بعثتها في الاذهان جنازة دونالد المتأخرة التي شيعت في 12 سبتمبر الماضي على شاطيء البحيرة التي قضى نحبه فيها قبل 34 عاماً، لم تكن لتثبط من عزيمة الحالمين بخوض المغامرة نفسها وتحطيم الرقم القياسي. فقد اعلن مؤخرا ان فريقا بريطانيا يخطط للقيام بمحاولة رسمية لتحطيم الرقم القياسي في السرعات المائية. وقد صرح فريق «كويكسيلفر» على الملأ أنه يرمي لاستعادة عرش السرعة لبريطانيا، التي لها تاريخ حافل بالقوارب السريعة. وعلى الرغم من نهاية قارب «بلوبيرد» المأساوية، الا ان تصميمه كان ينطوي على قدر كبير من العبقرية. وكين نوريس هو المصمم الذي اشتغل على قارب «بلوبيرد» وسيارة «بلوبيرد» اللذين سجلا ارقاماً قياسية في السرعة، اضافة الى سيارتي «ثراست 2» و«ثراست اس اس سي» اللتين تحملان اخر رقمين قياسيين في السرعات البرية. ويحظى نوريس «79 عاماً» بسمعة عالمية لا تضاهى وخبرة هائلة في مجال السرعات القياسية. وهو الان كبير المصممين العاملين على مركب «كويكسيلفر». ويعمل الى جانب نوريس شخص يدعى نيجل مكنايت، يعتبر القوة المحركة وراء محاولة تحطيم الرقم القياسي العالمي بقارب «كويكسيلفر». فهو الذي تصدر فكرة المشروع وعين نفسه رئيساً لمجلس ادارة شركة «كويكسيلفر» المحدودة، وهو الذي سيقود القارب السريع السوبر الذي تقدر تكلفته بملايين الجنيهات الاسترلينية. ومكنايت اصلا كاتب محترف الف العديد من الكتب ونشر مقالات عديدة في المجلات، لكن هاجس تحطيم الارقام القياسية في السرعات المائية هيمن عليه تدريجياً الى ان اصبح شغله الشاغل ومشروعه المهني الوحيد. تصميم المشروع بدأ مشروع تصميم كويكسيلفر قبل عدة سنوات، لكن أعمال صنع القارب نفسه بدأت هذا العام، برعاية 30 شركة بريطانية ودولية قدمت حتى الان حوالي 1.5 مليون جنيه استرليني. وأعلن مكنايت مؤخرا ان المركب سيكون جاهزاً هذا الشتاء. وتم تهذيب تصميم «كويكسيلفر» الى شكله النهائي خلال ساعات لا تعد ولا تحصى من التجارب في الأنفاق الهوائية بمختبرات جامعة سواوثمبوت وتسهيلات الاختبارات المائية المتطورة في وكالة ابحاث وتقييم الدفاع «ديرا» التابعة لوزارة الدفاع البريطانية. وتستخدم تلك التجارب نماذج حقيقية مصغرة، لكن التطورات الاخيرة في تقنيات الواقع الافتراضي اتاحت للباحثين تنقيح شكل المركب حتى قبل تلك المرحلة. فقد استخدم النماذج المحوسبة لدينامية السوائل لتمثيل خصائص وسلوك الماء والهواء وتقدير تأثيرهما على المركب في السرعات الفائقة. ويقف الرقم القياسي العالمي الحالي في السرعات المائية عند حد 317.6 ميلاً بالساعة «511 كيلومترات في الساعة» وهو مسجل باسم الاسترالي كين واربي منذ عام 1978. وتعكس حقيقة ان الرقم لم يتحطم منذ اكثر من عقدين مدى صعوبة التحدي. ان تحطيم ارقام السرعة القياسية على اليابسة امر صعب لاشك، لكن في السرعات المائية، لا يقتصر الامر على دراسة قوى الجاذبية وتيار الهواء على المركبة، كما هي حال السيارات، بل يتعدى ذلك ليتضمن تعقيدات تأثيرات تيار الهواء عالي الضغط على الماء ومقاومة الماء بحد ذاته. سيتم تزويد قارب «كويكسيلفر» بأجهزة عالية التقنية تساعد مكنايت في زيادة السرعة الى الحدود القصوى وتحذره من الأخطار المحدقة. ورغم تشكيك نجوم القوارب السريعة في استراليا بقدرة كويكسيلفر على انتزاع اللقب منهم، الا ان مكنايت يبدو واثقاً من امكانياته وامكانيات قاربه حيث يقول: «لقد وضعنا الحكمة والخبرة اللتين اكتسبناهما من انجازات «بلوبيرد» في سياق حديث نهاماً. واستفدنا من اخر التطورات التكنولوجية لخدمة جوانب السلامة» لكن مكنايت مع ذلك لا يحيد عن الواقعية ويقر بأنه ليس هنا ضمانات مطلقة لنجاح المحاولة وبعدم امكانية استبعاد عامل الخطر نهائيا. وكان فريق امريكي قد أعلن قبل بضعة اشهر انه بصدد القيام بمحاولة لتحطيم الرقم القياسي للسرعات المائية كذلك تحت اسم «امريكان تشالنج دبليو اس آر». ولايزال الفريق في المراحل الاولية من تصميم مركبه. وهو يخطط للقيام بأول تجربة ميدانية في بحيرة واشنطن عام 2003. اذن ستكون المنافسة ساخنة جدا. ويبدو مكنايت متحمساً ليس بخصوص استعادة اللقب لبريطانيا وحسب، بل ايضا لان محاولة تحطيم الرقم القياسي ستجري في ارض الوطن، خلافا للنصر الذي حققته سيارة «ثراست» في صحراء نيفادا عام 1997. علي محمد