في الثامنة من مساء يوم 13 يوليو الماضي بتوقيت بكين اعلن رئيس اللجنة الاولمبية خوان انطونيو سمارانش في موسكو ان الاختيار وقع على بكين لاستضافة دورة الالعاب الاولمبية عام 2008. وقد كادت تهدأ بالكاد تلك الاحتفالات الكبيرة حين دعت حكومة بلدية بكين الى عقد مؤتمر صحافي لتوضيح ما ستفعله بكين في الاعوام السبعة المقبلة استعدادا للاولمبياد. اعلن المتحدث وسط الفرحة: «ان الاولمبياد سيكون فرصة تاريخية لبكين. وسيكون حدثا فريداً من نواح عديدة. فلاول مرة سيقام هذا النشاط الرياضي الاعظم في العالم في اكبر بلد تعدادا سكانيا بالعالم. اعدت هيئة من 17 خبيرا للجنة الالعاب الاولمبية بعد اعمال فحص لبكين والمدن المرشحة الاربع الاخرى في اوائل هذا العام اعدت تقريرا نشر يوم 15 مايو جاء فيه: «دورة العاب بكين ستخلف تراثا فريدا للصين والالعاب الاولمبية». قال المتحدث تانج لونج: «دورة الالعاب الاولمبية 2008 ستكون تاريخية لانها بالتأكيد ستسارع خطوات مسيرتنا نحو التحديث». صرح تانج لونج في المؤتمر الصحافي بان بكين ستستثمر من الان وحتى العام 2008 مبلغ 180 مليار يوان ـ 21.8 مليار دولار امريكي لصالح 127 مشروعا للبنية التحتية الحضرية والمرافق العامة لتتحول حقا الى مدينة دولية عصرية. هذا المبلغ تاريخي اذ لم يسبق ان استثمرت بكين مثل هذا المبلغ في الفترة الزمنية نفسها على الانشاءات والتنمية الحضرية. يضم هذا المبلغ 90 مليار يوان لتحسين مطار العاصمة وشبكة الطرق بالمدينة و45 مليار يوان لحماية البيئة والسيطرة على التلوث و30 مليار يوان لتطوير المدينة الى مدينة رقمية. قال تانج: «الخمسة عشر مليار يوان الباقية ستستخدم لزيادة امدادات الكهرباء والماء والتدفئة والغاز لاجل تحقيق تحسن شامل في نوعية الحياة». لمطار العاصمة الصينية حاليا مدرجان وموقفان و75 موقفا معياريا للطائرات. وبحلول العام 2008 سيشهد تحسنا جذريا بما في ذلك تزويده بموقف آخر ومدرج آخر و55 موقفا معياريا اخرى للطائرات ليتمكن من معالجة 48 مليون مسافر سنويا. حاليا يعالج المطار 30 مليون مسافر في السنة. في العام 2008 سيكون العمال قد اكملوا تعبيد الطريق الدائري الخامس الممتد 93 كم، وهو الطريق الدائري الخارجي لبكين يربط بكين المدينة مع ضواحيها. وثمة مشاريع طرق اخرى مخططة للاعوام السبعة المقبلة منها طرق سريعة طولها 35كم وتوسيع الطرق الحالية التي طولها 105 كم. شبكة مترو الانفاق ببكين تعمل اليوم على خطين بطاقة 480 مليون راكب في السنة. وفي العام 2008 ستتوسع الشبكة الى 7 خطوط بطاقة 1.74 مليار راكب سنويا. علاوة على ذلك سيمد خط حديدي معلق مغناطيسي بين مطار العاصمة والمدينة ـ المدة 15 دقيقة بالمقارنة مع 45 دقيقة حاليا. شهدت بكين ـ بفضل العمل الكدود ـ تحسنا جذريا في جودة هوائها. ففي قرابة 50% من الايام عام 2008 كانت جودة الهواء من درجة «جيد» او «حسن». وستكون الدرجة على هذا المنوال كل يوم في العام 2008. ستزرع الاشجار والاعشاب على مساحة 23 الف هكتار على طول ضفاف الانهار الكبرى والطرق العامة بالمدينة. وسيشكل الغطاء الاخضر 50% من الارض المخصصة لبناء مشاريع خاصة للالعاب الاولمبية. ابتداء من اول يناير 2001 سينفذ المعيار الاوروبي الاكثر تشددا لانبعاث عادم السيارات. واكد تانج لونج في المؤتمر الصحفي بقوله: «هذا الامر سيخفض تلوث الهواء بحوالي 60 بالمئة من المستوى الحالي». عدد المشتركين في خدمات الهاتف الثابت ببكين اليوم 5.5 ملايين. وفي العام 2008، سيرتفع الرقم الى 7.4 ملايين مما يوحي بان 64% من العائلات لديها هواتف خاصة. وفي بكين الان 3.3 ملايين مشترك في خدمات الاتصالات المحمولة. ومن المنتظر ان يكون الرقم ليس اقل من 15 مليونا في العام 2008. وبالنسبة للالعاب الاولمبية، سيتم انشاء شبكة تلفازية كبلية رقمية واتصالات دولية بالشبكة العريضة. وحاليا يجرى بناء كابلات بصرية اضافية تحت الماء ومحطات ارضية كما سيتم نشر محطات اقمار صناعية على سيارات. قال تانج لونج: «شعبنا سيكون اعظم الفائزين في اولمبياد 2008. انه سيتمكن من الاستمتاع بانقى هواء وماء في التاريخ، واسهل وصول الى النقل العام والاتصالات مع ضمان امدادات الكهرباء والتدفئة والغاز». علاوة على ذلك سيوجد ازدهار البناء عشرات الالوف من الوظائف، ليس فقط للمحليين بل للعمال المتنقلين ايضا اغلبهم من المناطق المتخلفة نوعا ما. على العموم.. من المتوقع ان تؤدي «التجارة الاولمبية» الى حفز نمو الناتج الوطني الاجمالي سنويا بنسبة 0.3 نقطة مئوية اضافية سنويا. وقال تانج لونج: «ان الشعب الصيني قاطبة سيستفيد من اولمبياد 2008». تحد بسيط معظم الـ 27 مشروعا واردة في خطط بكين التنموية بما في ذلك الخطة الخمسية العاشرة «2001 ـ 2005» التي اجازها المجلس الشعبي لبلدية بكين في شهر مارس. قال مسئولون بالبلدية لكاتب المقال ان سلطات البلدية قد اتخذت في اعتبارها التام ما سيتم اداؤه اذا ما فازت بكين باولمبياد 2008 وذلك في أثناء وضع الخطة الخمسية. قال تانج لونج: «اما وقد فزنا فان مشاريع كثيرة ستبدأ بابكر مما خطط لها. ستنجز بعض الاهداف التنموية الرئيسية قبل الموعد المقرر». الخطة الخمسية العاشرة لبكين تدعو الى ان يصل معدل النمو الاقتصادي السنوي الى 9% في فترة 2001 ـ 2005، ان يكون معدل النمو حوالي 7% للسنوات الخمس التالية. وفي ظل الخطط التنموية الطويلة والقصيرة الامد للبلدية.. سينمو نصيب الفرد الى 6000 دولار امريكي من اجمالي الناتج المحلي لبكين في العام 2010. وهذا الرقم يزيد على 2600 دولار امريكي حاليا. وحسب تانج لونج فان الهدف حدد اصلا عند 6000 دولار امريكي للعام 2010 لكنه سيتحقق في العام 2008 ـ قبل الموعد المحدد بعامين. وفي العام 2008 سينمو الدخل القابل للصرف للفرد من سكان بكين من الحضر والريف 25000 يوان ـ 3022 دولارا امريكيا. وهذا الهدف محدد في الاصل للعام 2010. وفي ظل الخطط التي وضعتها حكومة البلدية سابقا، ينبغي ان يحوز كل فرد من السكان المحليين مساحة معيشة مقدارها 18 مترا مربعا بالمعدل بحلول العام 2010. وحسب صحيفة «بكين المسائية» فانه يمكن تحقيق الهدف في العام 2005 ـ اي اكبر بخمسة اعوام وذلك على ضوء نطاق انشاءات البنية التحتية في الاعوام المقبلة. بان تشي تشي ـ مطور محلي ـ يزكي هذا التوقع. فيقول: «كقاعدة.. اصبحت مبيعات الاسكان اسهل مع تحسن البنية التحتية الحضرية ـ طريق ونقل عام بوجه خاص». بان تشي تشي هو مطور «عمارة المدينة الحديثة» ـ من اكبر العمارات ببكين. وبقربها الحديقة الاولمبية على القطاع الشمالي من الطريق الدائري الرابع. وقال انه بعد يومين من انتصار بكين بيع اكثر من مئة شقة سكنية. اعترف المسئولون، وهم يقدمون صورة وردية لبكين في الاعوام السبعة المقبلة، بان الاستعدادات لاولمبياد 2008 لن تكون تحديا بسيطا للمدينة نظرا لنطاق البناء وحجم الانفاق المالي. قال جيانج شياو يو مدير دائرة الدعاية للجنة الحزب الشيوعي الصيني لبلدية بكين: «ستكون المسئولية اعظم لبكين لاداء المزيد من العمل لذلك من الان وحتى العام 2008». في الوقت نفسه، اعرب جيانج عن الثقة بقدرة بكين لمواجهة التحدي فقال: «في السنوات الاخيرة نفذت مشاريع مساحتها 30 مليون متر مربع في بكين. وان مهمات البناء في الاعوام السبعة المقبلة لن تكون اكثر كثيرا من ذلك. ان لدى الحكومة موارد مالية وبشرية ومادية كافية لانجاز ما وعدنا به للعائلة الاولمبية. الى جانب ذلك، سنسمح لقوى السوق بدور اكبر لتؤديه في ازدهار البناء». في الاول من اغسطس الماضي صدر اليانصيب الاولمبي لتدبير مليار يوان ـ حوالي 1.3 مليار دولار امريكي كل عام حتى افتتاح الالعاب الاولمبية عام 2008. كل مشاريع البناء ستخضع للعطاءات العامة، معنى ذلك ان بناءها سيكون مكلفا. قال جيانج: «اكثر من ذلك، نحن نحظى بالدعم التام من الحكومة المركزية. لقد اوضحت الحكومة المركزية للجنة الاولمبية الدولية بانها ستعوض اي عجز قد يحدث لاولمبياد 2008». كلمة «تراث» استخدمت كثيرا في تقرير اللجنة الاولمبية الدولية الذي اعلنته 15 مايو. قال التقرير انه اذا ما اقيمت الالعاب الاولمبية لعام 2008 في بكين فانها ستخلف لبكين تراثا بيئيا مهما وتراثا فريدا للصين والالعاب الرياضية. ويرى مسئولو بلدية بكين ان اولمبياد 2008 سيخلف تراثا غير مرئي.. تراث سيؤثر على الصينيين من الاجيال القادمة الى جانب ما سيخلفه من مرافق البنية التحتية الجديدة التي تشكل «تراثا مرئيا». سيجرى تنظيم سلسلة من البرامج التعليمية لتعزيز الوعي البيئي لدى الرأي العام. ولقد وضعت سلطات البلدية نظاما يدعو مندوبين من الدوائر الحكومية والمنظمات غير الحكومية والافراد لمناقشة سبل ووسائل انخراط جميع المواطنين في حملة التخضير بخير ما في مقدورهم. ويجري تشجيع تلاميذ المدارس الى استخدام الورق المدور وان يكونوا وديين تجاه الحيوانات. ومطلوب من الفنادق النجومية ان تتبنى معايير الايزو للسيطرة على البيئة. وتنصح وسائط الاعلام المواطنين باستخدام السيارات الخاصة على نحو اقل. ويجرى تنظيم مسابقات للمناظر الطبيعية العائلية في عموم بكين كما اصبحت زراعة الازهار المؤصصة هواية الملايين. قالت صحيفة «بكين اليومية» في تعليق لها: «الرغبة الشعبية للعمل من اجل بيئة خضراء على عظمة بلاد كبيرة مثل الصين». لكن اهم جانب من «التراث غير المرئي» هو ما سيخلفه اولمبياد 2008 نفسه. وموضوع الحدث الثقافي في اثناء دورة الالعاب: «الانسجام والتبادل والتنمية». ستستضيف بكين في دورة الالعاب الاولمبية حوالي 17 الف رياضي و10 الاف مسئول رياضي وعدد كبير من الصحفيين. وقالت يانج لان التلفزيونية المشهورة والسفيرة الودية لطلب بكين استضافة الاولمبياد: «هذا الامر سيفتح المجال امام 13 مليون مواطن بكيني.. ربما كل الصين بتعدادها الـ 1300 مليون نسمة.. امام مناسبة كبرى للتبادل بين الشرق والغرب ـ التعددية الثقافية». واضافت يانج لان وكانت احد المتحدثين عن التقديم النهائي لبكين امام اللجنة الاولمبية الدولية يوم 13 يوليو في موسكو: «هذا من المؤكد انه يؤثر على الصين في اصلاحاتها الاجتماعية».