تعيش مدينة خليل الرحمن في هذه الأيام بشكل خاص والأيام والأشهر التي سبقتها بشكل عام وضعاً مأساوياً فريداً من نوعه قلما تعرضت له مدينة أخرى حيث تقطعت السبل بين الداخل إليها والخارج منها، وقد غدت المدينة شبه محاصرة ويتعرض أهلها والمقيمون فيها والوافدون إليها من طلبة العلم ومريديه إلى شتى ألوان المضايقات والاساءات. ويعود السبب الرئيسي لمعظم هذه المنغصات الاحتلالية إلى وجود البؤر الاستيطانية في داخل المدينة مما ضاعف المعاناة وحمل المدينة وأهلها فوق ما يحتملون ويأتي هذا كله خلافاً لما اتفق عليه بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في اتفاقية الخليل لعام 1997 التي نصت على ضرورة قيام سلام عادل ودائم في المدينة اعتماداً على قراري مجلس الأمن، لكن ممارسات الجنود والمستوطنين شبه اليومية التي يتعرض لها أبناء المدينة لما وصلنا إلى نهاية لكننا حين نتحدث بإجمال فإننا نتحدث عن حواجز عسكرية دائمة وشبه دائمة سواء من قبل الجيش أو المستوطنين الذين عاثوا في الأرض فساداً فقتلوا وجرحوا وحرقوا ودمروا، وهذا واضح للعيان لا بل انهم يتلذذون في ايذاء المواطنين وإيقاع شتى أنواع الضرر بهم، الأمر الذي أدى إلى شلل شبه تام في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية في مؤسسات المدينة الصامدة المرابطة وقد نشأ بعض هذا من اغلاق مداخل المدينة ومخارجها كافة وعزلها عن محيطها بالحواجز العسكرية والخنادق العميقة وتلال التراب والحجارة وتجدد الاشارة إلى أن المدينة نفسها مقسمة إلى قسمين معزولين تماماً عن بعضهما البعض: قسم يخضع للسيطرة الاسرائيلية وهو يعاني باستمرار من فرض منع التجول منذ بدء انتفاضة الأقصى فهو لا يرفع لساعات حتى يعاد فرضه لأيام وهذا أدى إلى ألا تقام الصلوات في الحرم الابراهيمي وأدى أيضا إلى أن يعم الشلل الاقتصادي المنطقة الجنوبية الصناعية المحتلة هذا من جانب ومن جانب آخر فإن من يحاول الخروج للبحث عن لقمة العيش لأبنائه ويحاول (كسر) نظام منع التجول فإن مصيره بيد جندي أو مستوطن. إضافة إلى الارباك الواضح في دوام المدارس في المنطقة المحتلة التي حول جيش الاحتلال الكثير منها إلى ثكنات عسكرية تصب حممها بشكل شبه يومي على المدنيين وسكانها التلاميذ الصغار وهم يحملون حقائبهم المدرسية على ظهورهم الغضة يتوجهون إلى مدارسهم فرحين مستبشرين بيوم دراسي جديد لكن ما تلبث الابتسامة أن تتلاشى والفرحة تموت وهم يصطدمون بحواجز عسكرية تحول بينهم وبين مدارسهم مما يجعلهم يعودون لبيوتهم وقد فقدوا ابتسامتهم الصباحية. أما القسم الثاني وهو الجزء (المحرر) من الخليل فليس بأحسن حالاً إذ فيه لا يتعرض المواطنون للاذلال أو الاهانة التي يلاقيها سكان القسم الأول انما يتعرضون للموت والاصابات وإلى تدمير مروع لمنازلهم وحوانيتهم إضافة إلى حالات الرعب والفزع لدى الأطفال الأمر الذي جعل أطفال المدينة وكأنهم أطفال من عالم آخر لا يعرفون للحياة أو الطفولة طعماً.. وتعد جامعة الخليل الصرح العلمي والثقافي والأكاديمي الأكبر في المحافظة إذ يتوافد عليها في أيام الدراسة ما لا يقل عن 4000 طالب وطالبة، إضافة إلى أعضاء الهيئتين الادارية والاكاديمية هذا في الظروف العادية أما في هذه الأيام وقد تقطعت الطرق وأغلقت محاصرة مما أدى إلى أن ينعكس هذا الأمر سلباً على استقرار الحياة الأكاديمية واستمرارها، فقد منع الطلبة من الالتحاق بجامعتهم بعد أن أصبح وصولهم إليها شبه مستحيل. وحين يصلون في وقت متأخر مما يجعلهم يخسرون كثيراً من المحاضرات وهذا ينطبق على نسبة 60 ـ 70% من طلبة الجامعة وهو أمر يؤدي إلى ارهاق وارباك شديدين للطلبة الذين يضطرون إلى أن ينفقوا ما بحوزتهم من دراهم معدودة على التنقل والمواصلات التي تضاعف أجرها بسبب اغلاق الطرق وسلوك الحافلات طرقاً ترابية وعرة. وقد اضطر عدد كبير من الطلبة إلى استئجار مساكن لهم في المدينة الأمر الذي أرهق كاهل ذويهم الذين يتعرضون أيضاً إلى ظروف مادية قاهرة وقد اضطر الكثير من الطلبة إلى الانقطاع التام عن أهاليهم الذين يعيشون في قلق دائم على أبنائهم لما يحيط حياتهم من أخبار الارهاب الاحتلالي والاعتداءات وانتهاكات حقوق المواطنين من قبل المستوطنين اضافة إلى ما تتعرض له المدينة من قصف يومي. الضرر الأكاديمي وصرح د. نبيل الجعبري رئيس مجلس ادارة جامعة الخليل ان الحياة الأكاديمية في الجامعة قد تعززت بشكل واضح ولم يتمكن مئات الطلبة وعشرات الموظفين الاداريين والأكاديميين من الالتحاق بجامعتهم وينطبق هذا على الطلبة من خارج المدينة وعلى الجزء المحتل منها. وأضاف د. الجعبري ان هذه الممارسات والمضايقات والاجراءات الاسرائيلية لن تكسر شوكة شعبنا ولن تثنيه عن ممارسة حقه الطبيعي في الحياة والتعليم ويناشد د. الجعبري المؤسسات الدولية المعنية كافة ومؤسسات حقوق الانسان العمل على رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني ورفع الحصار الظالم المفروض على مدننا وقرانا فهذا حق شرعي وليس منه من أحد. واستنكر رئيس المجلس تعرض سيارات الاسعاف التي تقل المرضى والحالات الانسانية إلى المشافي ومنها من اجتياز الحواجز العسكرية وكذلك منع الطلبة من الوصول الى جامعاتهم ومعاهدهم وطالب بإعادة فتح الطرق التي أغلقت وأكد الدكتور الجعبري ان البلدة القديمة المحتلة في الخليل تتعرض لتهويد واضح وتهجير مميت مما يدعو إلى وقفة جماعية من أهل الخليل ومؤسساتها وفعالياتها وضرورة التنبه لهذا الخطر المحدق والعمل بشكل جدي لإنقاذ المدينة والحرم الابراهيمي. إعلان الطواريء وقال أحمد سعيد التميمي وكيل وزارة الداخلية رئيس رابطة الجامعيين ان الحصار الظالم المفروض على المناطق أثر سلبياً على مسيرة جامعة بولتكنيك فلسطين التي وضعت خطة طواريء للتغلب على المعاناة التي يعاني منها طلبة الجامعات الفلسطينية وأضاف ان الجامعة ومؤسسات الرابطة استطاعت أن تمارس نشاطاتها وبرامجها بالرغم من العدوان الاسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني وحيا الطلبة الذين يتكبدون يوميا مشاق السفر من أجل الالتحاق بالجامعات على الرغم من المشاكل التي يتعرضون لها على الحواجز العسكرية وتعرضهم للرصاص والملاحقة والاعتقال كما ناشد رجال الأعمال والمؤسسات ورجال الخير إلى مواصلة دعمهم للطلبة الفقراء في الجامعات والمدارس حتى يتسنى لهم مواصلة تحصيلهم العلمي. من ناحية ثانية دعا خبير تربوي ومدير مؤسسة كيرا التربوية الدكتور غسان عبدالله إلى ضرورة توفير وتأمين الوعي الوطني والمعرفي المعلوماتي بخصوص ما يجري في العالم أمام طلبة الجامعات والمدارس الفلسطينية وقال يعاني الطالب الفلسطيني من جهل حقيقي عن الطرف الآخر (الاسرائيلي من حيث المعلومات الدقيقة والاطلاق على التوجهات المبرمجة للطرف الآخر لدرجة تكاد تكون المعلومات التي يدرسها الطالب الفلسطيني عن البناء الداخلي لدولة الاحتلال صفراً، وأضاف ان المعرفة التركيبية للمجتمع الاسرائيلي من الزوايا الاجتماعية والاقتصادية والاطلاع على الأوضاع الحزبية والسياسية التي تسود كيان الطرف الآخر لهو أمر مهم وضروري في توجيه الرؤى والتوجهات لدى الطلبة الفلسطينيين. وتابع د. عبدالله: هناك جانب آخر يجب أن يشكل ركناً أساسياً من أركان العملية التربوية التعليمية الفلسطينية ألا وهو ضرورة مواكبة ثورة المعلومات والانفجار المعرفي الذي يسود العالم. وأشار إلى أن من باب الاستهزاء بعقلية الطالب أن نواصل استخدام رواية حول العالم بثمانين يوماً للكاتب جون فيرن قبل (124) سنة واليوم يمكننا الاتصال بكافة أقطار المعمورة خلال دقائق معدودة. ودعا الخبير الفلسطيني في سبيل تصحيح الوضع التعليمي والتربوي في مسيرة التعليم الفلسطينية إلى ما يلي (أولاً) ضرورة توظيف أسلوب البحث والتعليم بدلاً من أسلوب التلقين والحفظ لأن ذلك يضمن لنا تربية وايجاد نشء متطور قادر على التكيف مع المتطلبات المختلفة للنواحي الحياتية العديدة وقال ان ما يبرر هذا الطلب حقيقة انه بات اليوم ما نتذكره أقل أهمية بكثير مما نفهمه لاسيما في ظل وجود تقنية الحواسيب التي تحفظ كل ما نريد وأضاف يجب التركيز على قدرة الطالب الفلسطيني على التعامل مع المشاكل الأخلاقية والقضايا ذات الخلاف الفكري بشكل مسئول وواع وبهذا فقط نضمن أن تكون المدرسة الفلسطينية قد أصبحت أداة للتعاون المجتمعي وعززت مبدأ الجهود المشتركة والرؤى المختلفة. (ثانياً) يجب أن يكون هدفنا الدائم ايجاد الانسان الفلسطيني الناهض الذي يتسم بالمعرفة والالمام الواسع، التسامح واحترام ثقافات الآخرين ومعتقداتهم. غزة ـ ماهر إبراهيم:
