تتميز مدينة البصرة - ثغر العراق على الخليج العربي - بمعالمها الجمالية وخاصة بيوتها التراثية العريقة ذات الطراز المعماري الفريد. والبصرة كبرى مدن جنوب العراق مدينة عربية عريقة أسسها القائد العربي المسلم «عتبة بن غزوان» في العام «14» هجرياً. ونظراً للظروف المناخية التي تعيشها مدينة البصرة فقد روعي في بناء بيوتها تلك الظروف حيث ارتفاع درجات الحرارة. وتبعاً لذلك فقد تم تضييق الغرف وجعل شبابيك الدور الخارجية دقيقة الفتحات ، ولأن الازقة ضيقة في ضواحي البصرة القديمة شأنها في ذاك شأن ضواحي المدن القديمة الأخرى في العراق فان شبابيك الدور على جانبي الحارة تكاد تتلامس أو انها قريبة من بعضها إلى حد كبير، حيث يسير السائر في حواريها محمياً من أشعة الشمس المباشرة. وفي مواجهة لهيب الشمس المحرقة في نهارات البصرة فقد اكثر المعماريون البصريون من استخدام الخشب للحد من تقلبات درجات الحرارة داخل الدور ، كما استخدم الزجاج متعدد الالوان لتلطيف أشعة الشمس عند دخولها إلى الدور البصرية. الناحية الجمالية واذا ما أردنا الحديث عن الاعمال الزخرفية والجمالية لبيوت البصرة التراثية لابد لنا من الحديث عن المواد الأولية الداخلة في عملية البناء أولاً. لقد أكثر البصريون من استخدام مادة الآجر او الطابوق لعدم توفر مادة الحجر في المنطقة.. وقد عولجت هذه المادة على نحو يظهر تشكيلات جمالية في الجانب الخارجي للدار من خلال الاعمدة نصف المدورة والمعززة بالزخارف البارزة عن مستوى الواجهة الرئيسية او الغائرة عنها. أما وحدات الطابوق فقد استخدمت لتكوين اشكال دائرية لتقبية المداخل وتكوين أشكال جمالية متداخلة داخل الدور وفي سقوف شرفاتها ومظلاتها. كما استخدم البصريون مادة «الجبس» لتكسية الجدران إلا انهم استخدموه في المعالجة الجمالية أيضاً ، ويتضح لزائر «بيت الباشا» في البصرة النحت البارز الذي يعلو البوابة والذي يمثل أسداً يستعد للانقضاض على فريسته ، وهو نحت من مادة الجبس المنفذ بتقنية عالية. إن الحديث عن دور البصرة هو مفتاحنا للحديث عن «الشناشيل» ومفردها «شنشول» وهي الاقواس والمظلات الخارجية للدور. مدينة الورود وتمتاز البصرة بشناشيلها الرائعة المتنوعة الاشكال والزخارف الهندسية والنباتية الجميلة. والقارئ العربي يتذكر بدون شك قصائد الديوان الشعري لفتى البصرة «بدر شاكر السياب» المعنون «شناشيل ابنة الجلبي» وهي قصائد كتبها لفتاة بصرية كانت تطل من نافذة شنشول دارها الكائن على مقربة من دار الشاعر السياب، وهي دار ماثلة أطلالها حتى الآن. أقام المعمار البصري شناشيل دور مدينته من الخشب، ومع ان البصريين استخدموا الخشب كمادة أساسية للبناء إذ جعلوه أعمدة وجسور إلا أنهم لم يغفلوا الجانب الجمالي لمادة الخشب ، فاستخدموه في الواجهات الخارجية بشكل كبير لمواجهة حرارة الشمس المحرقة وبزخارف نباتية وهندسية جميلة حقاً. أما الاعمال الزجاجية فلها دور جوهري في إضفاء أجواء شاعرية على دور البصرة وشناشيلها ، حيث استخدم الزجاج الملون والمرايا البراقة كوحدات زخرفية في نوافذ الشناشيل بشكل خاص. ومن طرائف شناشيل البصرة أنها كانت تدهن بعطر الورد الفواح ، حيث يتنسم القادم أريجها من مسافة ، ولذلك جرى العرف بين سكان البصرة وضيوفها أن يطلق على هذه المدينة اسم «مدينة الورود». المؤرخ البصري الراحل «حامد البازي» المهتم بفولكلور وتراث المدينة العريقة أوصى قبل رحيله في العام 1995 بضرورة صيانة هذه الدور التراثية لما تحمله من نكهة خاصة ولما تمتاز به من شناشيل وتكوينات زخرفية بالغة الجمال. واليوم يقوم بعض البصريين الميسورين ببناء دورهم بطراز حديث فيما يقوم البعض الآخر ببناء دور حديثة وفق الطراز المعماري العريق لدور البصرة لتقف باقواسها وشرفاتها وشناشيلها بجوار الدور التراثية التي ما زال بعضها باقياً حتى اليوم. بغداد ـ كامل عبدالله:
