العنف ضد النساء لا يقتصر فقط على الاكراه المادي والجسدي فحسب بل يتسع ليتخذ مظاهر واشكال عدة بعضها يعود إلى الموروث التقليدي لدى البنى الاجتماعية التقليدية، وبعضها يعود إلى تحولات الحياة المعاصرة وتعقيداتها الملازمة ما يجعل من مواجهته أو الحد منه قضية تهم مختلف الاطراف الفاعلة على المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، ضمن جهود هادفة ومنظمة تقلص من تنامي العنف بكافة مظاهره واشكاله لاسيما في مجتمع كالمجتمع اليمني الذي يعاني من ازدواجية واضحة بين القديم الموروث والحديث المتجدد على نحو يجعل من العنف ظاهرة ملازمة لهذه الازدواجية ومعاشة بشكل يومي وهو ما تأكد من خلال الأوراق المقدمة إلى الندوة الوطنية حول «العنف ضد النساء وخصوصيته في الثقافة اليمنية» التي نظمها منتدى الشقائق العرب مؤخراً في العاصمة صنعاء. العنف خاصية ثقافية ويرى الدكتور عادل الشرجبي استاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء في ورقته المقدمة للندوة ان عدداً من المفكرين الاجتماعيين والانثروبولوجيين يميلون إلى حصر العنف في اطار الافعال الفيزيقية التي تؤدي إلى اضرار مادية في الاشخاص والممتلكات ويستوي في ذلك المفكرون الاجتماعيون الذين يعتبرون العنف خاصية من خصائص النوع الانساني متأصلة في طبيعته البيولوجية والمفكرون الاجتماعيون الذين يعتبرون العنف خاصية ثقافية تشجعه بعض الثقافات وتقاومه اخرى مقابل ذلك، يرى الدكتور الشرجبي ان مفهوم العنف كما يستخدمه في ورقته فهو اكثر اتساعاً ويتطابق مع تعريف ريمون ارون للعنف باعتباره «كل فعل يمثل تدخلاً خطيراً في حرية الاخر وحرمانه من التفكير والرأي والتقرير وتحويل الاخر إلى وسيلة او اداة لتحقيق اهدافه دون ان يعامله كعضو حر وكفء» وانطلاقاً من هذا المفهوم فإنه يشمل العنف المادي والعنف الرمزي وهو يرتبط بالأساس بالتوجهات الثقافية لأي مجتمع التي تتحدد بناء على ثلاثة محددات، الاتجاهات العامة للثقافة الوطنية اتجاهات الثقافات الفرعية وأخيراً طبيعة العلاقة بين الثقافة الوطنية والثقافات الفرعية وتأسيساً على ذلك فإن البنى والممارسات الثقافية من جانب والبنى والممارسات السياسية في جانب اخر. تمثل كل منها سبقاً ونتيجة للاخر وفي ذات الوقت فإن العنف يمثل خاصية ثقافية ودراسة وبحث الجوانب الثقافية في المجتمع اليمني تكشف ان معدلات العنف المادي قد تزايدت في السنوات الاخيرة الا انها تبقى ضمن المعدلات المقبولة والتي لا تصل إلى حد اعتبار المجتمع اليمني واحداً من المجتمعات التي تشهد معدلات عنف مادي عالية الا ان هناك تبايناً كبيراً بين معدلات العنف المادي ومؤشرات العنف الرمزي. ثقافة عنف واذا ما اخذ في الاعتبار العنف الرمزي فقط يمكن وصف الثقافة اليمنية بانها ثقافة عنف وهناك اشكال عديدة من العنف الرمزي التي تمارس ضد الافراد والجماعات في المجتمع اليمني اهمها التهميش الاجتماعي الذي تعانيه بعض الشرائح والفئات الاجتماعية في المجتمع اليمني كالخدام وابنا الخمس والنساء ومن الوجهات الثقافية التي ساهمت في انتشار العنف هيمنة القيم القبلية على البنى الثقافية اليمنية والثقافة القبلية كما هو معروف تاريخياً هي ثقافة عنف فقد اتسمت العلاقات بين القبائل بتشجيع استخدام الأساليب العنيفة اضافة إلى ان التركيب الاجتماعي الجاحد تسوده اشكال تقليدية للتقسيم الاجتماعي للعمل وهذا التركيب تنتفي فيه المساواة الاجتماعية ثم تأتي العلاقات الاجتماعية والاسرية الابوية التي هي افراز للتركيب الاجتماعي القبلي وخلقت شخصيات تسلطية سواء على مستوى الأسرة او على مستوى التنظيمات الاجتماعية واصبح كل فرد يمارس عنفاً ضد الافراد الذين يقعون تحت سيطرته ويزيد من ذلك بطء تغير البنى الثقافية فعلى الرغم ان المجتمع اليمني عرف عدة تحولات الا ان هذه التغيرات لم تكن من القوة بحيث تعمل على تغير منظومة القيم الاجتماعية السائدة فالمؤسسات التعليمية لم تستطع تطوير بناها واشكال ادارتها فهي مؤسسات غير ديمقراطية والمرأة مستبعدة في الحياة العامة. تقبل العنف من جهته يبرز الدكتور قائد الشرجبي استاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء ان المسئول الاول عن تحديد مكانة وادوار الافراد في أي مجتمع انما هو نسق من القيم والمعايير وبالتالى فإن هذا النسق يحدد ادوار وامكانات كل من الذكور والاناث وهذا النسق يستمد قوته ومشروعيته من عدة مصادر أهمها على الاطلاق «ثقافة المجتمع السائدة» والثقافة اليمنية هي جزء من الثقافة العربية لا تعترف بدور الفتاة الا كزوجة وربة بيت وهي وان سمحت لها بالتعليم فليس من اجل استقلاليتها وحريتها وانما من اجل تحسين فرصتها في الزواج وعلى ان لا يتعارض هذا مع دورها الاساسي في خدمة الزوج ورعاية الابناء ما يعني ان مكانة المرأة في نهاية المطاف لا تتحقق الا من خلال مكانة الرجل في نهاية الزواج والأسرة وبالتالي انجاب الذكور يعزز مكانة المرأة عند زوجها واهله ويعزز في الوقت ذاته مكانة الزوج في المجتمع وعلى ضوء ذلك يرى الدكتور قائد الشرجبي ان اشكال العنف ضد المرأة مثل الضرب والاغتصاب وغيره ليست هي الخطر الحقيقي الذي يتهدد المرأة لان هذه الاشكال يمكن وضع ضوابط لها من خلال المؤسسات الرسمية والاهلية وانما الخطر الحقيقي هو ذلك الكامن داخل بنيان المجتمع المتمثل بالوعي الزائف للمرأة بذاتها وبذات الاخر وهو الرجل الذي يجعلها تتقبل كثيراً من مظاهر العنف الممارس ضدها على اعتبار انه تصرف طبيعي. ما يبقيها على مكانتها الهامشية في المجتمع وعلى تبعيتها للرجل وهذا ما ينبغي معالجته والوقوف عنده فمدى ادراك المرأة نفسها للعنف الموجه ضدها هي البداية الواقعية والحقيقية لايقاف واستئصال العنف. الضعف الديني وفي دراسة حول رؤية الخطباء في المساجد لقضية العنف ضد المرأة يقدم الباحث الاجتماعي محمد علي ودف تفسير خطباء المساجد لانتشار هذه الظاهرة من خلال استطلاع لآرائهم التي ذهبوا فيها إلى ان انتشار هذه الظاهرة إلى الجهل بالدين وعدم وجود التربية الاسلامية وان من يمارسها لا يعرف حقيقة الاسلام وتنتفي منه صفة الايمان وان الوازع الديني لديه ضعيف علاوة على ان التفكك الاسري من العوامل المؤدية لانتشار ظاهرة العنف وكذا انتشار وسائل الاعلام والاتصالات والفقر وارتفاع معدلاته وظاهرة الاختلاط وانتشار اشرطة الفيديو والمجلات الخليعة والتبرج والسفور ويرى خطباء المساجد ان من أسباب العنف أيضاً بقاء بعض العادات الجاهلية مثل حرمان المرأة من الميراث والتي مازالت مستمرة تحت مبرر الاعراف والعادات القبلية كما ان ما يسمى بغسل العار هي من عادات الجاهلية أيضاً ونتيجة لانتشار الظواهر المؤدية للعنف وطبقاً لما يصل خطباء المساجد من اسئلة وفتاوى فقد أكد الجميع على انهم يناقشون معظم الظواهر في خطب الجمعة ويوضحون للناس حقوق الام وحقوق الزوجة وحقوق الزوج على زوجته كما ان بعضهم يناقش بعض ظواهر العنف الجنسي المتمثلة بالاغتصاب من قبل المحارم والخطف والتحرش الجنسي الذي تتعرض له المرأة ويرون انه للحد من هذه الظاهرة القيام بتفقيه الناس واحياء رسالة المسجد واصلاح جهاز القضاء وعدم التطويل أو التهاون في معاقبة من يمارسون العنف ويرون ضرورة تطبيق الزامية التعليم والقضاء على الامية لدى المرأة باعتبارها من ظواهر العنف الممارس تجاه النساء والعمل على اعداد وتأهيل داعيات وعالمات بالدين الاسلامي وان على الدولة ان تحكم شرع الله لمواجهة ظاهرة العنف. الدور الإعلامي وتؤكد رجاء عبدالله مصبعي ان الاعلام يمارس العنف ضد النساء من خلال تكريسه لصورة نمطية للمرأة تعتبر في مضمونها امتداداً للعنف الثقافي والتلفزيون باعتباره اهم وسيلة من وسائل الاتصال فإنه يساعد على أبراز الصورة النمطية التي يرسمها المجتمع عن النساء ويساعد كذلك على تغير هذه العادات والمواقف واحلال سلوكيات ومواقف وصور ايجابية بدلاً عنها على ان ذلك يحتاج إلى دراسة العوامل والاسباب والمؤشرات التي تتحكم في صياغة الرسالة الاعلامية تجاه النساء من اجل التعرف على اسباب تكريس العنف وفي حالة التلفزيون اليمني فإنه يعتمد على الدراما العربية سواء كانت مصرية او سورية مثل الافلام والمسلسلات والتمثيليات والمسرحيات والتي تؤكد الدراسات والابحاث انها اهم المواد التي تؤثر على سلوك الجمهور وانماطه القيمة وهي عادة تقنعهم بمفاهيم وانماط سلوكية سيئة تجاه النساء اذ تقدم النساء اما مستضعفات أو غبيات أو سيئات مما يكرس النظرة الدونية للنساء وانهن لا يستطعن التصرف بشئون حياتهن بمفردهن الا بتدخل الرجل وقليلاً ما تقدم النساء في ادوار قيادية. كما يقوم التلفزيون عن طريق الاعلان بتشويه صورة النساء وذلك بتقديمهن كمستهلكات للمنتجات واستخدامهن كجسد للترويج للسلع مما يكرس النظرة السيئة ضد النساء باعتبارهن فارغات وسطحيات لا يقمن بأي شيء سوى ارضاء الاخرين ولا تختلف في ذلك الوسائل الاعلامية سواء كانت اذاعة او صحافة عن التلفزيون في ممارسة العنف ضد النساء وتكريس الصورة النمطية ضدهن. نسب وممارسات خطيرة وفي رصدها لمظاهر العنف ضد النساء في الشارع تبرز الباحثة الاجتماعية رنا غانم من خلال دراسة استطلاعية لاراء عينة من النساء والرجال ان ظواهر العنف ضد النساء في الشارع اليمني اصبحت شائعة وملموسة على نطاق واسع ومن خلال استطلاع واستبيان اراء النساء حول هذه الظاهرة ومظاهرها اجابت 75% ممن استقصيت ارائهن انهن يتعرض للضرب والمضايقة باليد او العصاء او بالرجل و45% للرجم بحجر و35% لهجوم او اختطاف حقائبهن و27% تعرضن لمحاولة اختطاف و90% لكلام بذيء و66% لانتقادات و72% لمراقبة كل ما تقوم به المرأة و90% لمعاكسات بانواعها المختلفة. أسباب العنف وعن أسباب تعرض النساء لذلك كانت اجابتهن على النحو التالي 86.1% تردي الاوضاع الاقتصادية في البلاد وانتشار البطالة 84.4% تفشي الجهل أوساط المجتمع 88.3% عدم وجود اداة سهلة وامنة للابلاغ عن حالات 87.8% عدم وجود قوانين تحد من هذه الظواهر 95% نقص الوازع الديني 79% غلاء المهور وعدم قدرة الشباب على الزواج 74% عدم وجود برامج ثقافية وتوعوية 83% خروج بعض النساء بمظاهر فاتنة 84% وضع بعض النساء لروائح عطرة 89% مشاهدة الافلام والمسلسلات الهابطة. آراء الرجال مقابل ذلك يرى الرجال الذين استطلعت اراؤهم الأسباب المؤدية لظاهرة العنف في الشارع على النحو التالي تردي الحالة الاقتصادية 77.8% تفشي الجهل اوساط المجتمع 76.7% عدم وجود اداة سهلة وامنة للابلاغ 82.2% عدم وجود قوانين تحد من الظاهرة 81.1% نقص الوازع الديني 92.2% الفهم الخاطيء للدين 78.9% غلاء المهور 84.4% خروج بعض النساء بمظاهر فاتنة 92.2% وضع بعض النساء لروائح عطرة 87.8% مشاهدة الافلام والمسلسلات الهابطة 86.7% النظرة الدونية للمرأة في المجتمع 38.3%. أهم التوجيهات وتخلص الباحثة رنا غانم إلى سرد جملة من التوصيات التي من شأنها الحد من ظاهرة العنف في الشارع ضد النساء أهمها التركيز على ضرورة تغيير الصورة النمطية للمرأة في المناهج التربوية والاعلام محاربة الفقر والقضاء على البطالة الاهتمام بوضع قوانين رادعة نشر شرطة متخصصة «شرطة آداب» حث مؤسسات المجتمع المدني على المشاركة في مكافحة هذه الظاهرة توعية خطباء المساجد للقيام بدورهم في هذا الجانب تنظيم المواصلات العامة بوضع حلول لما تتعرض له المرأة في الشارع العام من تحرشات ومضايقات باتت السمة البارزة للتعامل تجاه المرأة. واجمالاً يبرز جلياً ان المرأة اليمنية ضحية لعنف مزدوج أحدهما نابع عن الموروث السلبي من تقاليد واعراف قبلية مغلوطة وضرر ناجم عن متغيرات العصر التي جعلت من المرأة وسيلة للترويج والافتتان السطحي وهذه معضلة كبيرة في بلد كاليمن الذي يحضر الحديث فيه والقديم على قدم المنافسة والصراع وليس من اجل التكامل والاغناء وهو ما ينعكس على تضارب النظرات تجاه المرأة دون ان تسلم من العنف بدوافعه القديمة أو الحديثة على حد سواء. صنعاء ـ عبدالكريم السلام: