يبدو ان تزايد التهريب للسلع والبضائع الى اليمن لم يعد مقتصرا على السلع التي درج عليها المهربون منذ أمد بعيد كالكماليات من أجهزة وقطع غيار بل امتدت لسلع أساسية ينطوي تهريبها على مخاطر جمة، تلحق بالمستهلك اليمني ومن هذه السلع الأدوية التي تتطلب شروطا خاصة لنقلها وحفظها وكذا للاتجار بها الأمر الذي يتطلب وقفة حازمة تجاه هذه الممارسات التي لم تعد خافية على أحد. الثابت ان اليمن يشهد تناميا ملحوظا لنشاط التهريب حيث تقدر المصادر الاقتصادية حجم السلع الداخلة إلى السوق اليمني بحوالي 30% من اجمالي واردات اليمن وبما يعادل 75 مليار ريال يمني تقريبا عام 2000 وهي في تزايد مضطرد الا ان التطور الخطير هو تنامي وتزايد تهريب الادوية على نحو مروع حيث يقدر حجم الادوية المهربة إلى السوق اليمنية بـ 35% من احتياجات السوق اليمنية للدواء. وهذه الممارسة التي تنطوي على مخاطر جمة كثيرا ما قامت السلطات الصحية اليمنية بملاحقة مرتكبيها والتضييق عليهم عبر القيام بحملات دورية على أسواق الأدوية والصيدليات بحثا عن هذه الأدوية غير ان كثيرا من هذه الحملات غالبا ما تنتهي في بدايتها نظرا لان الذين يمارسون هذه التجارة الغير مشروعة هم من الشخصيات المتنفذة في البلاد التي يحول تدخلها دوما دون معاقبة من يقفون وراء هذا النشاط. مافيا الأدوية وكان الهجوم الذي تعرض له منزل الدكتور عبدالله عبدالولي ناشر وزير الصحة السابق في ابريل الماضي وجه من وجوه المواجهة بين المهربين ووزارة الصحة وأبرز بشكل جلي ان مهربي الادوية هم على قدر من القوة والمنعة والنفوذ التي تمكنهم من مهاجمة بيت الوزير وسط العاصمة صنعاء وبالأسلحة الثقيلة حتى بات الجميع يتحدث عن مافيا يطلق عليها «مافيا تهريب الأدوية» لا سيما بعد ان باءت كل المحاولات الهادفة للقضاء على هذه الظاهرة بالفشل. ويرى الدكتور عبدالودود هزاع جازم من الهيئة العامة للأدوية ان العقوبات المنصوص عليها في قانون انشاء وتنظيم الهيئة العليا للأدوية ضد المخالفات المرتكبة في هذا النشاط الصادر في عام 1999 أو تلك العقوبات الواردة في قانون المهن الصحية عام 1992 واضحة في هذا الشأن مشيرا إلى ان الرقابة لا تزال في بدايتها ويرى هزاع ان ظاهرة تهريب الأدوية أصبحت ناقوسا للتنبيه لما لها من تأثير على الجانب الاقتصادي بما تسببه من خسائر فادحة لخزينة الدولة تقدر بالملايين نظرا لكونها تدخل البلاد عبر منافذ غير رسمية وان مرت عبر المنافذ الرسمية فان عائداتها تذهب إلى الجيوب وليس للجمارك. المخاطر الصحية ويؤكد د. هزاع ان تهريب الأدوية ينطوي على مخاطر جسيمة على الصحة العامة نظرا لانها تنقل وتخزن بطرق غير سليمة مؤكدا ان الوجه الآخر لهذه المشكلة يبرز في ممارسة الغش الذي تتعدد مظاهرة فتارة تستبدل مواد بمواد أخرى داخل عبوات اما انها منتهية أو مواد غير المواد المكتوبة على العبوة أو بتقليد العلامات التجارية كأن يقلد الشكل عن طريق شركات أخرى غير الشركة الأم المخصصة في صنع الدواء. وواجب علينا جميعا جهات ومسئولين أن نقف وقفة جادة تجاه ظاهرة الغش والتقليد ليس فقط بالنسبة للدواء بل لكل ما يتعلق ويمس حياة المواطن والأخطار الصحية الناجمة عن استهلاك الادوية المغشوشة تستدعي الجهات الصحية وجمعية حماية المستهلك والجهات الأخرى ذات العلاقة على السواء تبادل الآراء وتفعيل دور الرقابة الدوائية مختبريا وميدانيا عبر توفير الامكانات المادية والقيام بالتوعية والتثقيف وزيادة الوعي بالمخاطر الصحية الفعلية على المرضى وتطبيق القوانين والأمن والجمارك كل هذا سيؤدي إلى الاقلال من تعاطي هذه الأدوية. ويضيف د. هزاع ان الادوية المهربة غالبا ما يتم اخفاؤها في أماكن داخل السيارات أو وسائل النقل التي قد تصل درجة حرارتها إلى 50 درجة مئوية وقد يضطر المهرب إلى دفنها في الرمال مدة من الزمن تكون كافية للتأثير على مثل هذه المستحضرات وبفعل هذه الظروف تتحول هذه الادوية الى أدوية فاسدة غير صالحة للاستخدام. أسباب اقتصادية وخلال ندوة عقدتها نقابة الاطباء والصيادلة مؤخرا حول تهريب الادوية عرضت الاوراق المقدمة للندوة للمخاطر المترتبة عن ظاهرة تهريب الادوية مبرزة ان الظروف الاقتصادية التي تعيشها البلاد دافع قوي للناس للبحث عن الادوية بأقل سعر ممكن على الرغم ان هذه الادوية قد تكون ضارة ومميتة للمريض وان كثيرا من هذه الادوية تتسبب بأمراض خطيرة مثل السرطان والفشل الكلوي وأمراض الجهاز الهضمي وضغط الدم والقلب والكثير من هذه الادوية يتم تصنيعها خصيصا للمهربين في دول جنوب آسيا بتقليد علامات تجارية وعرضت هذه الدراسات لنماذج وأصناف من الادوية المهربة تهم مختلف انواع الأمراض. أسباب أخرى ويرى الدكتور صيدلي عبده شديوة ان من الاسباب الدافعة الى تهريب الادوية هو عدم قيام المؤسسات والشركات الرسمية المرخص لها باستيراد بعض الادوية الاساسية الخاصة بأمراض معينة نتيجة لفرض تسعيرة اجبارية على هذه الادوية من قبل الهيئة العامة للأدوية وافتقار السوق اليمنية لبعض الأصناف الدوائية وتساهل أجهزة الجمارك مع المهربين والاكتفاء بالغرامة المالية عند ضبط مثل هذه المهربات وضعف الرقابة والدور المنوط لوسائل الاعلام. وخلال المناقشات التي دارت بين المشاركين بدا واضحا ان الجميع متفق على ان ممارسة تهريب الادوية هي عملية على درجة عالية من التعقيد وان مسئولين كبار وشخصيات نافذة هي وراء هذه العملية وضرب أحد المتدخلين مثلا في ان وزارة الصحة أنزلت في الاسواق علاجا خاصا بالملاريا «كلوروكين» ولم تمض فترة وجيزة على انزال هذا الدواء في السوق حتى أنزل دواء مهرب لنفس النوع وبذات العبوة والشكل وليس له أي علاقة بمركب الكولوركين وهذا يعني ان المصاب بالملاريا سيتعاطى هذا العلاج على انه الدواء فيما حالته المرضية تتزايد وغالبا ما تنتهي بالوفاة وهذا في حد ذاته يمثل كارثة بكل المقاييس على حياة الناس. وطالب المشاركون في الندوة اتخاذ تدابير سريعة وفعالة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة عبر تقديم التسهيلات الادارية من قبل الهيئات المعنية وتمكين المستوردين من استيراد هذه الادوية خاصة منهم المستوردون الرسميون الذين سجلوا أصنافهم في الهيئة العليا للادوية والعمل على تشجيع قيام صناعة دوائية وطنية وتقديم حوافز مشجعة للاستثمار في هذا القطاع والعمل على متابعة الادوية المهربة في الاسواق والصيدليات ومصادرتها ومنع الاتجار فيها. صنعاء ـ «البيان»: