في خاطرة سابقة قبس هذا المحكّ الناقد من كتاب «المرايا المقعرة» ركنين من أركان النظرية الأدبية العربية: أولهما المحاكاة والإبداع، وثانيهما الابداع باللغة، ثم ناقشهما مناقشة تستند الى الأمثلة والموازنة، اذ قارن ما تدعو اليه الحداثة من تقليد الغرب بما يزخر به تراثنا من دراسات أدبية نقدية أصيلة. وأفضت به المقارنة الى أن ما يدعيه اهل الحداثة من نظريات ادبية نقدية جديدة قد يكون جديدا في الغرب الذي انجب هذه النظريات، لكنه يبدو شديد الافتقار الى الجدة اذا قورن بما ينطوي عليه تراثنا من نقد أدبي، ودرس بلاغي، وتحليل لغوي. ولاقامة النظرية الادبية العربية على اسس راسخة رجع هذا المحك كرة اخرى الى المرايا المقعرة، يستلهم منها ما يتراءى على زجاجها الصافي من سمات النقد القديم وقسماته، فاذا هو يعود منها بأربعة الاركان التالية، واذا هو يقيم النظرية النقدية الادبية على ستة اركان، فترسخ وتشمخ. ثالث الاركان الصدق والكذب: وربما كانت قضية الصدق والكذب الى النقد العربي اقرب منها الى النقد الغربي، لان نقدنا ارتبط بالاخلاق ارتباطه بالجمال، فكان حظه من الدين لا يقل عن حظه من الفن. ولم يكن مستغرباً ـ والنقد القديم ينبت في دوحة الاسلام ـ ان يستظل بظلها الروحي، فيطالب الشاعر والناقد بالصدق في القول كما طولب كل مؤمن بالصدق في القول والعمل، فيطغى الصدق الاخلاقي على الصدق الفني، ويحرص الشاعر على الا يكون منافقاً، وعلى الا تكون فيه من آيات النفاق آية الكذب في الحديث. ثم أخذ النقد يتحرر من قيد الاخلاق حينما دعا قدامة بن جعفر الى قبول كل معنى شعري يصاغ صياغة فنية، اي: الى اطلاق الخيال الشعري من قفص الفضائل ليحلق في افق الابداع. قال قدامة: «لا ضير على الشاعر فيما يسوق من معان، رفيعة كانت ام وضيعة، وحميدة كانت ام ذميمة، وحقا كانت ام كذبا. ذلك ان المعاني كالمادة للشعر، والشعر فيه كالصورة، فليس فحش المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيب النجارة رداءة الخشب في ذاته». ويعد رأي قدامة هذا تمهيداً لظهور «أدبية الادب» التي طلع بها «كوليردج» على النقد الغربي الحديث. وهي سابقة لقدامة عمرها احد عشر قرنا، لا يريد اهل الحداثة ان يقروا بها، او ان ينظروا الى مبتكرها الاول بعين التقدير. ومع ذلك لم تكن هذه السابقة عند حازم القرطاجني موضع استسلام او تسليم، بل اتخد منها موقف الحذر، ودعا الى التوسط، والى ايثار الصدق ما زانه الجمال، والى رفض الكذب، ما شانه القبح. واما اذا صيغ الكذب صياغة تتمتع بالاغراء وبالقدرة على الرواج فهو كذب فني مقبول. قال حازم: «فأفضل الشعر ما حسنت محاكاته وهيئته، وقويت شهرته وصدقه، وخفي كذبه، وقامت غرابته، وان كان قد يعد حذقا للشاعر اقتداره على ترويج الكذب وتمويهه». وكأنه يريد ان يقول: ان الجمال فضيلة، والجميل الممتع ـ وان لم يكن صدقاً خالصاً ـ يعين الانسان بالجمال على بلوغ الكمال، وبالمتعة على بلوغ الرفعة. ورابع الاركان السرقات الادبية، اي: ما نقله اهل الحداثة عن النقد الغربي باسم «التناصّ». ودراسة هذه القضية سارت في نقدنا القديم سيراً منطقيا، اذ ابتدأت بالتحليل والتطبيق، وانتهت الى التنظير والتقنين، واستنفدت من مداد النقاد ما لم تستنفده قضية اخرى. ومع ظهور عبد القاهر الجرجاني وخوضه العميق في أغوارها بلغت المسألة مداها، فلم يدرسها من بعده احد درساً يستحق التقدير. وللسرقات مسوغاتها المقبولة، ومنها ان المعاني التي وردت في الشعر القديم افكار عامة، يتداولها الناس جميعاً، فكيف يتجنبها الشاعر المتأخر؟ ومنها ان الشاعر المبتديء ينصح له بأن يحفظ الشعر القديم لينهل منه، فتنتقل اليه افكاره بقصد وبغير قصد، افنتهّم كل شاعر مثقف تسربت اليه معاني الاقدمين بالاختلاس والاقتباس، والاقتناص والتناص، ام نضع لهذه الظاهرة قوانينها الناظمة، فنميز الاهتداء من الاحتذاء؟ اجاب عبد القاهر عن السؤال، فرأى ان اتفاق الشاعرين في الغرض لا يعد سرقة، لان المعاني المجردة ليست اساس التفاضل بين الشعراء، وان السرقات تقع فيما يتصيّده الشاعر بعد تفكر وتدبر. اما ان تظهر في شعر شاعر ألفاظ وردت في شعر سواه فذلك ما لا يدخل فيما نحن فيه، لان اللفظ المفرد لا قيمة له حتى يسلك في جملة، فان وجدت الألفاظ المسلوكة في تركيب قد انتقلت من شاعر الى شاعر فاعلم ان الناقل لص يقام عليه حد السرقة. وحينما درس اهل التناص هذه الظاهرة اشاروا الى تأثر اللاحق بالسابق، وفضحوا تحول النصوص السابقة الى نص جديد. قال «هارثمان»: «ان كل نص هو مستقر لنصوص اخرى، وفق عملية استيعاب ذكية». وقال «دريدا»: ان النص كيان غير مغلق، ومفتوح امام المؤثرات الاخرى» وعلى هذا نقول: ان ما درسه اهل التناص كان ركنا من اركان النقد الادبي العربي، فما الذي يمنعنا من اتخاذه ركنا من اركان النظرية الادبية العربية؟ وخامس الاركان الموهبة والتقليد. ولبحث هذا الركن نجيب عن سؤالين: اولهما ما الذي يجعل الشاعر شاعراً اهو الاطلاع ام الابداع؟ وثانيهما متى يحتاج الشاعر الى الموهبة، ومتى يحتاج الى التقاليد؟ في الاجابة عن الاول نصح ابن طباطبا للشاعر بسعة الثقافة، وطول المعاشرة للشعر، فقال: «على الشاعر ان يديم النظر في الاشعار لتلتصق معانيها بفهمه، وترسخ اصولها في قلبه» ثم شبه شعره بسبيكة افرغت فيها جميع الأصناف من نفيس المعادن، وبدورق من العطر تركب من أخلاط الطيب. وبعد الف سنة ذهب «اليوت» الى ان الشاعر يستحيل عليه ان يكتفي بموهبته، بل لابد من ان يطلع على التيار الرئيسي للابداع الشعري قبل ان ينظم، فكأنه يردد اصداء ابن طباطبا. وطالب ابن طباطبا الشاعر المبتديء بأن يتناسى ما حفظ ليتحول مخزونه الى موهبة كامنة، تتفجر عند الحاجة. وذهب «اليوت» المذهب نفسه، اذ دعا الشاعر الى تحويل التقاليد المكتسبة من منطقة الوعي الى المنطقة غير الواعية لتغدو بعد ان تتخمر ملكة خفية. وفي الاجابة عن السؤال الثاني نصح حازم القرطاجني الشاعر المبتديء بملازمة شاعر فحل يعايشه ويناقشه، ويقبس منه، فقال: «وانت لا تجد شاعراً مجيداً منهم الا وقد لزم شاعراً اخر مدة طويلة... كان الحطيئة قد أخذ علم الشعر عن زهير، وأخذه زهير عن اوس بن حجر. وكذلك جميع الشعراء العرب المجيدين المشهورين». ان الموهبة وحدها لا تصنع شعراً ولا شاعراً، وهذه الحقيقة اكدها «اليوت» في القرن العشرين حين قال: «ان الحس التاريخي ضروري للشاعر الموهوب، وما الحس التاريخي غير الثقافة القديمة، او التقاليد الموروثة التي يحتكم اليها الشاعر فيما يبدع بموهبته الخاصة. فلا يسمح لابداعه غير الواعي بأن يتفلت من أنظمة الفن الواعية. وبهذا النوع من ازدواج الموهبة والتقليد يبدع الفرد في اطار الحس الجمعي. وسادس الاركان وآخرها: الشكل والمضمون. وهذا الركن، برغم ما اريق على جداره من مداد، واحتدم في اطاره من خلاف، مازال مثار جدال بين النقاد، ولدى كثير من المذاهب الادبية الغربية. واكثرها احتفالا به البنيوية، غير ان اسلوبها في الدرس والتحليل يختلف عن المذاهب الاخرى. فالدارس البنيوي حين يحلل شكل النص يعمد الى تحديد العلاقة بين الوحدات اللغوية داخل البنية في الجملة الواحدة، ثم الى تحديد العلاقة بين الأنساق الصغرى والأنساق الكبرى، ثم يسقط المحور الرأسي على المحور الافقي في عملية معقدة. وسواء افهمتها ام لم تفهمها فهي اول الامر وآخره ليست الا نمطاً من دراسة الشكل اللغوي، وليس الغرض منها غير الوصول الى فهم الدلالات. ولو رجعنا الى نقادنا القدماء لوجدنا قضية الشكل تفوز بالقدر الاكبر من دراساتهم. فعبد القاهر الجرجاني شبه النص بسوار من ذهب، اذا اتقن الصائغ صوغه وهبه قيمة فنية تضاف الى قيمة المعدن، وان جانبه الاتقان لم يكن له من قيمة سوى قيمة المعدن، اي ان شكل الشعر يحوّل الخرزة المبتذلة الى جوهرة نفيسة. وابن طباطبا ربط الشكل بالمضمون حتى صارا وجهين لدينار واحد، او روحاً وجسداً في كائن حي واحد، لكنه قدم الروح على الجسد، اي: فضل المضمون على الشكل، فقال، وفي قوله نزعة اخلاقية: الكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه. وقدامة بن جعفر اعلى الشكل على المضمون، ولم يقيد الشعر بقيد الدين، بل اتاح للشاعر ان يعالج ما شاء من الأفكار على ان يستوفي في معالجته شروط الفن والامتاع. ولو عدنا الى الجرجاني كرة اخرى، ونظرنا الى الشكل والمضمون بالعين التي نظر بها، اي بالعين التي ابصرت اسرار البلاغة، ورسمت نظرية النظم لوجدناه يتوج قضية الشكل والمضمون بتاج جمالي متكامل، يمهد به للنظريات الحديثة. وخلاصة ما انتهى اليه ان الشكل والمضمون يعتنقان ويتقارضان التأثير، وان الفصاحة لا توصف بها اللفظة المفردة المقطوعة من الكلام، وانما توصف بها حينما تسلك في تعبير ينتظمها، فيتعلق معناها بمعنى غيرها، واذا كانت هذه العبارة توحي بان الشكل شديد الارتباط بالمضمون ولا تصرح بهذا الارتباط فان لدى الجرجاني عبارات تجاوز التلميح الى التصريح، وتربط الشكل اللفظي بالتصور النفسي للمعنى، كقوله في حديثه عن ترتيب الالفاظ في الجملة: « انك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس» فالشكل والمعنى عنده مترافقان متعانقان، ومتواصلان متكاملان، والغاية من الترافق والتعانق والتواصل والتكامل انشاء الادب الرفيع. وبمثل هذا التكامل بين الشكل والمضمون يستطيع الناقد البارع ان يصل ستة الاركان التي ذكرناها بعضها ببعض، فيخرج منها بنظرية ادبية نقدية، تغني الادب العربي عن اتكاء الحداثيين على عكاكيز الغرب، وترد الى ادبنا ونقدنا اصالتهما وانتماءها بعد هذا التسول والاستجداء، والتسقط والتلقط من فتات النقد الدخيل.