تبدأ، قريباً، في الولايات المتحدة ثورة في عالم الطاقة، حيث ستستخدم لاول مرة كوابل باردة فائقة الناقلية لايصال الكهرباء الى ألوف المنازل. وابتداء من نوفمبر الحالي ستمر الطاقة الكهربائية المرسلة الى 30 ألف منزل في مدينة ديترويت عبر ثلاثة كبلات فائقة الموصلية طول كل منها 120 متراً مثبتة في محطة حي فرسبي الفرعية. يبدو الانجاز متواضعاً لكن العلماء القائمين على المشروع يتوقعون ان اجيال المستقبل ستتحدث عن عام 2001 بوصفه العام الذي تغيرت فيه الكهرباء الى الأبد. الناقلية الفائقة تعني انعدام المقاومة الكهربائية وهذا بدوره يعني عدم ضياع اي كمية من الطاقة. تستخدم حتى الان كبلات الالمنيوم والنحاس لحمل الكهرباء من محطات الطاقة التي تتولد فيها الى المصانع والمكاتب والمنازل التي تستخدمها. وفي الوقت الذي تصلك كهرباء الخطوط الرئيسية الى المنزل، يكون اكثر من 10 بالمئة من الطاقة التي غذيت بها الشبكة المتسامتة من محطة التوليد قد ضاعت على شكل حرارة، تنتج عن المقاومة الكهربائية في كبلات النقل. تعود جذور ثورة الناقلية الفائقة الى عهد بعيد. فالموصلية الفائقة اكتشفت خلال حياة اديسون، لذا فهي في حد ذاتها ليست شيئا جديداً. وكانت اول موصلات فائقة تكتشف هي معادن خالصة. وهذه لا تفقد كل مقاومتها الا عندما تبرّد الى درجات متدنية جدا تقل عن 10 كلفين اي ما يعادل 263 درجة مئوية تحت الصفر. وتتطلب المحافظة على هذه البرودة عددا كبيرا من الات التبريد غير العملية. ولم تنته المشكلة عند حد درجة حرارة التشغيل. فهذه المعادن تفقد موصلتيها الفائقة اذا صادفت مجالات مغناطيسية متوسطة. وبما ان التيار الكهربائي يولد مجالات مغناطيسية بدا للجميع ان تلك المشكلات قضت على أي أمل بانتاج كبلات فائقة الموصلية. ثم بعد ذلك في الخمسينيات والستينيات في القرن الماضي بدأ الباحثون باكتشاف عدد من الخلائط المعدنية فائقة الناقلية والتي تحتفظ بخصائصها حتى عند تمرير تيارات كهربائية كبيرة او عند تعرضها لمجالات مغناطيسية قوية، لكن بعد التطورات المبدئية وقف الباحثون مجدداً عند حاجز درجة 130 كلفين، الى ان تم التغلب عليه باعتماد الهيدروجين السائل الذي تبلغ درجة حرارة غليانه 77 كلفين فقط. وكونه سلعة رخيصة ومتوفرة، يقدم الهيدروجين السائل وسيلة سهلة لتبريد الموصلات الفائقة من اجل التطبيقات العملية. والان تصنع بضع شركات الموصلات الفائقة مرتفعة الحرارة على شكل أشرطة سماكتها بضعة ملليمترات. يمكن لف الشريط حول انبوب يحمل سيل الهيدروجين السائل. وتكتمل المنظومة بطبقات من العزل الحراري والكهربائي مشكلة كابل طاقة قوي. توفر الكوابل الان توفر عدة شركات هذه الكوابل بأطوال تقاس بالكيلومترات بدل الامتار. تتبرد الكوابل من خلال جريان الهيدروجين السائل داخلها، وهي بذلك تستطيع نقل التيار الكهربائي من دون اي مقاومة كهربائية. لكن الطريقة الوحيدة لاختبار الطاقة القصوى لهذه الكوابل هي اقناع السكان المحليين في فرسبي بان يشغلوا كل غسالاتهم وأضوائهم وتلفزيوناتهم وسخاناتهم وأي جهاز يعمل بالكهرباء في آن. وتوفر الكوابل الجديدة التي ستغذي فرسبي ثلاثة أضعاف الطاقة الاستيعابية للكابل النحاسي. ومع ان المشروع قد يبدو الان نوعا من الاسراف، لكن ديترويت ستحتاج الى هذه الزيادة في الطاقة يوماً ما. ويتنبأ الخبراء بأن طلب المدينة على الطاقة الكهربائية سيزداد بنسبة تصل الى 60 بالمئة بحلول عام 2010. واذا انقذ مشروع فرسبي ديترويت من ازمة عجز في الطاقة فانه ربما يغير الى الابد وسائل ايصال الكهرباء في مختلف انحاء الولايات المتحدة على نحو لا يتصوره الادراك. فالبنية التحتية للطاقة في امريكا عمرها نصف قرن وقد بدأت تتقوض. والانقطاعات الشاملة للتيار الكهربائي والتي شهدتها كاليفورنيا مؤخرا لا تعكس عجزاً في الطاقة الانتاجية بقدر ما تعكس تفاقم مشاكل التلف ونقاط الضعف في شبكة النقل التي توصل الطاقة الى المستهلك. ويرى خبراء معهد ابحاث الطاقة الكهربائية في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا انه ليس هناك من عائق حقيقي يحول دون تعميم تجربة فرسبي الاولية التي يشكك البعض في امكانية تنفيذها على نطاق واسع لاسباب تتعلق بالتكلفة. ويقول باول جرانت، الذي يدير برنامج الناقلية الفائقة في المعهد انه لا يفترض ان يكون هناك اي مشكلة في فصل النتروجين من الهواء وتحويله الى الشكل السائل ويضيف: «تلك العملية مطبقة منذ عقود وأنا اعرف شركة بدأت فعلاً بتطوير نظام ملائم لتزويد محطة طاقة فرعية بالهيدروجين السائل. ولا أجد سبباً جوهرياً يمنعنا من بناء محطات تبريد لتبريد الكوابل الانبوبية كل 500 متر. ويبدو واضحاً ان المنافع المرجوة من النظام الجديد تفوق المشكلات التي يمكن ان تعترض طريقه، حتى ان بلدانا عديدة في العالم بدأت تفكر جديا بتطوير كبلات موصلة فائقة خاصة بها. وفي شهر مايو الماضي بدأ مشروع دنماركي بإيصال الكهرباء عبر كبلات موصلة فائقة الى 150 الف منزل في كوبنهاجن وتجري تجارب على مشروع مماثل الان في طوكيو. ويتوقع ان تعلن وزارة الطاقة الامريكية قريباً عن ثلاثة مشاريع جديدة في هذا المجال وعن تطوير محطة فرعية كاملة فائقة الناقلية. وفي ذلك كله مؤشرات على ان تجربة فرسبي الرائدة ستصبح منارة في تاريخ تطور الطاقة الكهربائية. علي محمد
