كريستينا سانتهاوس دخلت المدرسة الثانوية في شهر سبتمبر الماضي، وهذا الامر ليس شيئا غير عادي بالنسبة لمعظم الافراد بالغي الرابعة عشرة من العمر، إلا انه شيء عظيم لفتاة الجانب الايمن من دماغها غير موجود، فقد استؤصل ذلك النصف قبل خمس سنوات بعد ان اصيبت كريستينا بمرض تقادمي نادر سبب لها اغماءات متلاحقة. بداية، لابد من تأكيد ان العملية الجراحية خلفت اثارا جانبية كبيرة لكريستينا فهي مصابة بشلل جزئي في ساعدها وساقها الايسر، وفقدان الرؤية المحيطة في عينها اليسرى وعندما تحرك الفتاة رأسها في الاتجاه المعاكس تحس بمادة سائلة تتلاطم في الفراغ الذي كان الجزء المستأصل من مخها يشغله.إلا ان كريستينا لا تختلف بشيء تقريبا من النواحي الاخرى عن اي فتاة مراهقة نموذجية، فذاكرتها وقدرتها الذهنية ممتازتان، انها تكره دروس الجبر وتحب موسيقى البوب وتعلق شارة «رجاء عدم الازعاج» خارج باب غرفة نومها. وتقول الفتاة الشقراء الخجولة: «انني مثل اي طفلة اخرى». والدة كريستينا تعرف ان هذا الكلام ليس صحيحا تماما وهي تقول ان ابنتها تتحسر جدا على الجزء الذي تم اقتطاعه من دماغها. وتضيف الوالدة لين كاتارو 40 سنة: «انني انتظر يوما ستصبح فيه غاضبة جدا وتلومني لما حدث لها، ولاشك انها سوف تكرهني. المرض الذي اصيبت به كريستينا يعرف باسم «راسموسن انسيفاتيس» وهو اضطراب في جهاز المناعة الذاتية يحل عادة باطفال دون سن العاشرة، وقد يكون ناجما عن فيروس او رد فعل مناعي. ويقول الدكتور جون فريمان، احد اخصائيي اعصاب الاطفال في مستشفى جونز هوبكينز في بالتيمور ـ ان هذا المرض ينخر احد قسمي المخ بالتدريج ويترك المريض في حالة وهن واعاقة وتخلف عظيمة. بالنسبة لكريستينا ظهر المرض لديها اولا كرجفة طفيفة في قدمها اليسرى فيما كانت العائلة تمضي عطلتها على شاطيء نيوجرسي، وارسل طبيب غرفة الطواريء كريستينا فورا الى مستشفى سانت كريستوفر للاطفال في فيلادلفيا، وبعد فحوص دامت ثلاثة ايام، توصل اخصائي الأعصاب الى التشخيص المدمر. وقد حدث ذلك في شهر اغسطس 1989 عندما كانت كريستينا في الخامسة من عمرها، وتقول والدتها لين: كنت موجودة هناك جسديا، ولكن عندما سمعت ما قاله الطبيب اعتقد انني غادرت الغرفة عقليا. ووصف الطبيب دواء ضد النوبات وشرح للعائلة اساليب المعالجة الممكنة إلا ان الرجفة اخذت تتفاقم، وبعد شهر دخلت كريستينا مستشفى جونز هوبكينز. وفي حين ان التشخيص الاولى كان قاسيا على الاهل بحد ذاته اقترح فريمان علاجا بدا اسوأ بكثير، هو اجراء عملية جراحية لاستئصال الجزء الايمن المريض من الدماغ، وقال ان العملية ستضع حدا للنوبات. واعتبرت كاتارو العملية همجية وحاولت رفض نصيحة فريمان غير ان الطبيب قال ان القرار ليس منوطا بها تماما. ولكريستينا قال الطبيب: ينبغي ان تقرري بذاتك عندما تصبحين جاهزة للعملية ليس والدتك وليس جدتك او جدك. وعندما تصبحين مستعدة اتصلي بي. وذهب الخريف ووصل الشتاء وتدهورت صحة كريستينا اكثر واكثر واخذت النوبات تهز بدنها اكثر من مئة مرة في اليوم، واصبحت قادرة على توقع النوبات وتصف الصغيرة منها «مقبلات» والكبيرة «وجبة رئيسية» وما يعقبها «تحلية». ومع ذلك تابعت كريستينا دروس الكاراتيه ولعب الكرة ونادرا ما تغيبت عن الصف، وكانت النوبات تأتيها خفيفة ولم تغب عن وعيها ابدا، ولكنها ايقنت انه لا يمكن الاستمرار في العيش هكذا، وفي شهر ديسمبر سنة 1995 بعثت كريستينا برسالة الى الدكتور فريمان قالت فيها: «انني جاهزة الآن». لقد اجرى مستشفى جونز هوبكينز اكثر من مئة عملية استئصال نصفي للمخ، العلاج الوحيد لمرض راسموسن، وتستغرق العملية 12 سنة يقتطع فيها الجراحون النصف المريض مع الحرص على ابقاء التركيبات الحيوية العميقة في مكانها، كالاعصاب القاعدية وساق الدماغ والمهاد البصري. ويقول الدكتور بنجامين كارسون جراح الاعصاب الذي اجرى العملية لكريستينا ان العملية تصلح للاطفال الصغار اكثر من الاطفال الكبار او الاشخاص البالغين لان خلايا ادمغتهم لم تقرر بعد ماذا تريد ان تعمل عندما تكبر. وعليه يستطيع النصف المتبقي من الدماغ ان يأخذ لنفسه وظائف الجانب المقتطع واحيانا تؤدي العملية النصفية الى تحسين مستوى الذكاء لانها تقضي على النوبات والحاجة الى اخذ الادوية المضادة لها، والذاكرة تستقر في كلا نصفي الدماغ ولذلك ليس هناك خطر فقدان الذاكرة. ودخلت كريستينا الى غرفة العمليات في شهر فبراير 1986 وفيما كان الجراحون يعملون كانت والدتها تصلي وانقضت ثماني ساعات دون ان يكون هناك مؤشر الى ما يجري، وبعد انقضاء 14 ساعة خرج كارسون من غرفة العمليات فيما كانت كريستينا تنقل الى غرفة التعافي. وفي الايام التالية اصيبت كريستينا بصداع حاد كان اسوأ من اشد حالات الشقيقة «الصداع النصفي» وكان وجهها متورما، وهي لا تستطيع سوى تحريك جانب واحد من فمها. ولكن بعد شهر ونصف الشهر عادت كريستينا الى المدرسة، حيث احضرت دفترا دونت فيه المحنة التي تعرضت لها، والى جانب صورة النصف المستخرج من دماغها كتبت كريستينا في دفترها «نوباتي ذاهبة الى سلة القمامة». وبعد خمس سنوات دخلت كريستينا المدرسة الثانوية في احدى ضواحي فيلادلفيا، ومثلها مثل كافة تلاميذ صف اول ثانوي كان همها التعرف على اصدقاء وعلى اروقة المدرسة. وتقول كريستينا: كانت لي بعض لحظات الضعف حيث كنت اشفق على نفسي واعتقد انني اتعس البشر، ولكن ما حدث لي كان له سبب، لقد اعطاني الله هذا لحكمته ومعرفته انني قادرة على مواجهته.
