كان الحديث في ندوة مستقبل الكتاب العربي في ضوء تطور المعلوماتية والانترنت قد تغلف بصبغة رومانسية تجاه الكتاب الورقي، وكان المتحدثون الثلاثة الذين تم اختيارهم لهذا العنوان ينطلقون من علاقاتهم الطفولية بخير جليس في الزمان.. ورغم ان الندوة لم تأخذ نهجاً بحثياً علمياً واقتربت اكثر من وجهات النظر والرأي، الا ان هناك عبارات كانت تحاول ان تقف في منتصف الطريق بين ما يطلق عليه هذه الايام من أزمة الكتاب الورقي في ظل بطولة ونجومية الكتاب الالكتروني الذي احتل المكانة مدفوعاً بتقنيات الاتصال الحديثة وبين تلك الحميميات تجاه الكتاب الورقي. مشروعية ان نسأل او ان نتخوف حول مستقبل الكتاب الورقي، وجدوى طرح هذا النوع من القول الآن ربما يعتبر انشغالاً في غير جدوى على اعتبار اننا في المقابل يمكن أيضاً ان نسلم بحقيقة واحدة وهي ان المعرفة يمكن تلقيها عبر قنوات مختلفة ومثلما تلقى الانسان الاول معارفه وارشف ذاكرته على جلود الحيوان وعظامها وعلى سطوح الكهوف والصخور يمكنه ايضاً ان يتلقى معارفه ويؤرشف ذاكرته عبر الوسائل الحديثة، لكن ما قبل هذه التوجسات الا يجدر بنا ان نحللها بأنها توجسات وراقين يخشون على مهنتهم وهوايتهم الرئيسية ربما، وربما هناك شيء عاطفي اكبر.. خلال الندوة التي عقدت صباح امس بقاعة المؤتمرات بمركز اكسبو الشارقة ضمن برنامج الملتقى الفكري المصاحب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب والتي ادارها د. يوسف عايدابي المنسق العام للمعرض.. قدم محمد عدنان سالم نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب ومدير دار الفكر بسوريا ورقة حول مستقبل الكتاب الورقي العربي في ظل تحديات التقنية الحديثة. وبعدما افرد مساحة كافية للعودة الى اصول تدوين الانسان الاول لذاكرته الفردية والجمعية الداخلية والخارجية على مساحات العظام والكهوف ومن ثم الورق أكد محمد سالم على ان الورق خدم الانسان خلال خمسة الاف عام خدمات جليلة لا تقدر بثمن ودفع بالحركة العلمية والادبية اشواطاً واسعة ووسع من الذاكرة الخارجية للانسان بمضاعفة معلوماتها الى ان جاءته المعلوماتية العاتية في الثلث الاخير من القرن المنصرم. ويعرف محمد سالم المعلوماتية في ابسط تعريفاتها هي التخزين المنظم للمعلومات والمعالجة الفعالة لتيسير استرجاعها واستخدامها وقد اتاحت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات افضل السبل فاعلية لهذه المعالجة ومن أهم خصائص المعلوماتية اعتمادها على ثورة المعلومات والعمل الفكري وتحررها من قيد المكان واسقاطها المسافات والابعاد بالاضافة إلى ضآلة الحيز الذي تشغله مع سهولة التصنيف والاسترجاع والربط بالشبكات.. ويضيف المحاضر: هل ثمة بعد ذلك شك في ان ثورة المعلوماتية التي نعيشها الآن تشكل منعطفاً حاداً سوف يحدث تغييرات جذرية في حياتنا وطرق معيشتنا وانماط تفكيرنا واساليب تعليمنا. انني واثق من اننا في عصر المعلوماتية نسير بسرعة مذهلة نحو مرحلة جديدة ستتغير معها طبيعة الشتات وتنقلب الموازين. ولا يجد محمد عدنان سالم اي مبرر للقلق من تحول الكتاب الورقي إلى فضاء التكنولوجيا وهو يقول في هذا الصدد.. الكتاب الورقي لم يكن سوى وعاء لاستيعاب المعلومات يمثل مرحلة سبقتها مراحل كثيرة استقرت في متاحف التاريخ نقوشاً والواحاً ورقائق معدنية وكتبا منسوخة وسينضم اليها الكتاب الورقي المطبوع عندما يحل محله الكتاب الالكتروني، وطالما ان الكتاب هو المضمون المعلوماتي المستوعب فإنه لا يهمه نوع الاناء الذي سيسكب فيه ولا شكله، وان على ناشري الكتاب التقليدي ان يتحولوا سريعاً إلى النشر الالكتروني ويمتلكوا ناصيته قبل ان يصبحوا في عداد اصحاب المهن المنقرضة. أما المحاضرة الثانية فقد تحدث فيها محمد جمال قبيعة متخصص في مجال الكمبيوتر فقد قال: الصديق، الجليس، الانيس وغيرها من الكلمات التي تعودنا ان ننعت الكتاب بها منذ ان ادخلناه في تحد مع ما يسمى بالكتاب الالكتروني او المصدر الوهمي للمعلومات وهو الانترنت. لقد دأبنا على اطلاق هذه الصفات للكتاب وكأننا نواسي اهل ومناصري قائد كبير بينما هو في خضم انتصاراته فما اخطأنا به منذ البداية، كناشرين ومؤلفين ومدافعين عن الكتاب، اننا ادخلناه في مقارنة وتقييم مع عنصر آخر ليس الا عرضاً آخر للكتاب نفسه. اي اننا ادخلنا الكتاب في مقارنة مع نفسه، اذ انه لا يمكنك مقارنة المصدر مع ما نتج عنه. فإذا استعرضنا هذا الكم الهائل في البرامج المتوفرة على اقراص مدمجة، وجدنا ان مصدرها واحد وهو الكتاب أيضاً عند استعراض معلومات ومحتويات الشبكة الضخمة أو الانترنت، وجدناها تعتمد في معلوماتها على الكتب والمكتبات، وخير دليل على هذا الكلام، ان معظم البرامج الاسلامية المطروحة في الأسواق، تتنافس في الدرجة الاولى انطلاقاً من عدد المجلدات التي تحتويها. مما يعني اننا نخطيء عندما نحكم على القاريء العربي انه لم يعد يفضل القراءة، لانه عند استخدام الانترنت، يقرأ العشرات من الصفحات ولكنه تحت تأثير نفسي ينبع من الشعور بالرضى لانه يواكب التطور والتكنولوجيا. واضاف: قد يفاجأ البعض في رأيي هذا الذي لا يصب في مصلحة النشر الالكتروني والانترنت، مع العلم انني امثل هذا القطاع لكني وعلى الرغم من دخول عالم النشر الالكتروني منذ عدة سنوات، لم أنس يوماً انني ابن اسرة نشر عريقة جاهدت لتكون أول من يقدم أبرز تقنيات الكمبيوتر والهندسة والعلوم الاخرى في كتب ومراجع بلغتنا الام ولم تغفل عن تخصيص شركة منفردة لمواكبة تطور العصر. فتحي البس رئيس اتحاد الناشرين الاردنيين قدم مداخلة مرتجلة اكد فيها انه لا استغناء عن الكتاب الورقي مهما تطورت تقنية الاتصال الحديثة ومهما بلغت التقنية بالكتاب الالكتروني، لان هناك علاقة خاصة مع الكتاب الورقي، وبسؤال بسيط يمكن ان نحدد ذلك، حيث لا احد يستطيع قراءة رواية كاملة عبر شاشة الكمبيوتر، ولهذا سيبقى الكتاب الوسيلة السهلة والمعتادة للقراءة، مؤكداً ان الطلب على الورق المطبوع في العالم مازال في ازدياد، وان اتحاد الناشرين في امريكا يؤكد على ان انتاجهم من الكتاب الورقي المطبوع بلغ مليارات الدولارات ويؤكد فتحي البس ان الكتاب سيظل وسيلة سهلة للقراءة وان الكمبيوتر ليس البديل عن الكتاب ولا عن القراءة مشيراً إلى انه ليس ضد التطور التقني والتكنولوجي لكن النعي المبكر لموت الكتاب الورقي يحتاج لمعلومات ادق وأكثر.
