عندما جاءت النهاية كانت سريعة وحاسمة فالارض تحت مدينة هيراكليون المقدسة ارتعدت، ثم بدا وكأنها ذابت والمدينة التي كانت بمثابة الحارس للساحل المصري على البحر المتوسط غرقت في الطين، واختفت تحت الامواج وبعد بضعة قرون، جاء دور مدينة كانوبي الممتدة على طول الساحل فقد بدا ان الارض الواقعة تحت الضاحية الشرقية من المدينة تذوب، ثم انزلقت البيوت والمعابد والطرق الى مياه البحر. كانت مدينتا هيراكليون وكانوبي، اللتان اسستا في فترة افول نجم الفراعنة قبل حوالي 2500 عام، مركزين تجاريين مزدهرين، خلال قرون الحكم اليوناني. وقد تحكمت هاتان المدينتان الواقعتان في موقع استراتيجي عند مصب النيل بحركة السفن اعلى النهر، وحققتا الثراء بالاعتماد على الرسوم التي يتم فرضها على السفن التجارية والآن تقبع هيراكليون في قاع البحر، وكانوبي انقسمت الى قسمين، احدهما لايزال منتصبا على نتوء صخري، والآخر تحت الماء. لم يترك احد رواية لشاهد عيان عن الاحداث التي دمرت هاتين المدينتين المزدهرتين، فحالما اختفى آخر حجر عن الانظار، بدأ الناس بنسيانهما وفي النهاية، لا يستطيع احد حتى ان يكون واثقا من مكان وجودهما، ثم تمكن عالم الآثار الغارقة تحت البحر فرانك جوديو في الصيف الماضي، من اعادة المدينتين الضائعتين الى الخريطة والآن يحاول ان يحل احد الالغاز العظيمة لتاريخ المتوسط من خلال معرفة الجواب على السؤال التالي: ماهي الكارثة الفظيعة التي مسحتهما عن وجه الارض؟ وقد حقق جوديو، مدير المعهد الاوروبي لعلم الآثار تحت الماء في باريس، سلسلة من النجاحات المشهودة له. فعمليات التنقيب التي يستخدم فيها تقنية متطورة كشفت النقاب عن الاحياء الملكية الغارقة في ميناء الاسكندرية واسطول نابليون المفقود الذي اغرقه نيلسون خلال معركة النيل في عام 1798. وفي عام 1996، بدأ بالبحث عن المدن الغارقة ومن خلال تتبعه للدلائل البسيطة الموجودة في الكتب القديمة والمكتشفات التي تمت بالصدفة من القرن الماضي، قام جوديو بمسح 150 كيلومترا مربعا من خليج ابو قير جيئة وذهابا في مركب صغير حافل بأجهزة الكشف الالكترونية. وقامت اجهزة الرنين الصوتي «السونار» بمسح قاع البحر بحثا عن اي كتل او نتوءات قد تكون قطعا من بنايات مهدمة. وقامت اجهزة مسح زلزالي بعمل صور لما يقع تحت الطمي، وفي المواقع الاكثر احتمالا قام الغواصون بالقاء نظرة عن كثب. وقد اعطى هذا العمل ثماره ففي عام 1999، وجد جوديو الضاحية الشرقية لمدينة كانوبي على بعد 16 كيلومتر عن الشاطيء، وكانت تربض على عمق يتراوح مابين 6 الى 8 امتار من المياه وكانت مدفونة جزئيا في الطين، وفي السنة التالية اكتشف بقايا هيراكليون، على بعد 65 كيلومترات عن اليابسة وتغطي منطقة بطول 1000 متر وعرض 800 متر. ويقول جوديو: لم يكن من السهل رؤية الساحل، ولكنني كنت اجلس هناك في قارب مدينة تحوي كل شيء في مكانه الاصلي. بدأ فريق غوص تابع لجوديو باستخراج الآثار، فبرزت اشياء مذهلة من قاع البحر الملييء بالكنوز، وفي الضاحية الشرقية من كانوبي كانت هناك اجزاء من معبد وبقايا بناية بطول 60 مترا وبجدران يبلغ سمكها مترين، وكان هناك قطع نقدية ذهبية ومجوهرات وتماثيل رائعة بما في ذلك رأس بازلتي لاحد الفراعنة وجسد مقطوع الرأس لايزيس، ويرجع تاريخ الاشياء التي وجدت الى الايام الاخيرة من عهد الفراعنة وحتى اوائل العهد الاسلامي في القرن السابع للميلاد. وفي الربيع الماضي، بدأ الفريق باستخراج آثار هيراكليون، ومن بين الطمي خرج رأس لأبي الهول، وثلاثة تماثيل من الجرانيت الوردي لفرعون وملكة وهابي، المسئول الرمزي عن فيضان النيل، وبقايا معبد هرقل اليوناني الذي منح المدينة اسمها ومما لا يترك شكا ان المدينة هي هيراكيون فقد رفع الغواصون قطعة ضخمة من الجرانيت تحمل اسم المدينة. وبالنسبة لجوديو، فان اكبر المفاجآت كانت اكتشاف عشر سفن محطمة فيما كان واضحا انه ميناء المدينة ويقول بهذا الخصوص: لقد ذهلنا كانت جميعها في صف واحد، وكل واحدة منها لاتزال تحتفظ بمراسيها على الجانبين. كانت الاكتشافات الاثرية رائعة وملفتة للنظر، لكن اللغز الكبير ظل قائما وهو: ما الذي دمر المدينتين؟ لم يكن هناك نقص في الاقتراحات والتخمينات من الزلازل الى ارتفاع مستوى سطح البحر، ولكن مهما تكن الحقيقة، فانها تربض مختبئة وسط الخرائب الغارقة. وقرر جوديو ان يستدعي باحثين جيولوجيين لمساعدته في البحث عن الادلة. عاموس نور، وهو عالم في الفيزياء الجيولوجية من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، يعتبر خبيرا في الزلازل القديمة قام بتحليل خرائط الغواصين لكل حجر غارق ولكل تمثال وعمود باحثا عن انماط قد تشير الى ضرر زلزالي، والثاني هو عالم الاثار الجيولوجية جين دانييل ستانلي من معهد سميثسونيون في واشنطن العاصمة الذي يعتبر رجل الطين والرمل، وهو خبير عالمي في تغير تضاريس دلتا الانهار، ومهمته كانت سبر غور الترسبات الموجودة في خليج ابو قير بحثا عن تفسير للاختفاء المفاجيء للمدينتين. يتفق نور وستانلي على الحقائق الاساسية وهي ان البنايات انهارت فجأة والارض انخفضت بمعدل يصل الى ثمانية امتار، ولكن ما لايتفقون عليه هو السبب. نور يعتقد ان الزلازل هي المسئولة عما جرى. بينما يلقي ستانلي باللائمة على الفيضانات، وبالطبع لكل منهما حجته التي يستند اليها. فنور يستند الى سجل المنطقة الحافل بالزلازل، حيث ان هناك ثمانية زلازل وقعت في الاسكندرية المجاورة بين عامي 320 و 1301 م، ويقول نور ان الزلازل التي ضربت الاسكندرية لابد وانها ادت الى تدمير هيراكليون وكانوبي. اما ستانلي فيستند في اعتقاده الى موقع المدينتين بالقرب من مصب نهر النيل الذي كان مشهورا بفيضاناته المدمرة. ويقول ان جغرافية دلتا النيل كانت مختلفة تماما عن جغرافيتها الحالية، حيث كان النهر يمتد بفرعه الغربي الى مسافة طويلة متنقلا بين الشرق والغرب قبل ان يصب في النهاية في البحر المتوسط عند ابو قير. وعلى الرغم من هذه التخمينات والدراسات والتحاليل، الا انه لايزال من المبكر الجزم بطبيعة السبب الذي ادى الى اختفاء المدينتين وغرقهما في البحر. ضرار عمير