بيان الكتب: سوف يسجل التاريخ أن انتفاضة الأقصى منذ الثامن والعشرين من سبتمبر ـ أيلول ـ وأوئل شهر أكتوبر عام 2000 كانت نقطة فاصلة، في التاريخ العربي والفلسطيني. وقد كشفت تلك الانتفاضة العربية ـ الفلسطينية عن حقائق رئيسية يرصدها المؤلف في هذا الكتاب وهي:أولا: إن الاستراتيجية العليا للحركة الصهيونية، وكذلك استراتيجيتها العسكرية، تقوم ـ كما قامت على الدوام ـ على طابع الهجوم المباشر بالمقارنة مع استراتيجيات الانتقام الشامل والاحتواء والردع. وتطبيقا لاستراتيجية الهجوم المباشر، سعت الحركة الصهيونية، ثم الكيان الصهيوني ـ الاسرائيلي. الى امتلاك زمام المبادرة دائما في العمل العسكري وخاصة من خلال تكتيك الضربة الأولى وأسلوب ما أسموه بالحرب الوقائية. يقول المؤلف انه تم تطبيق هذه الاستراتيجية بنجاح فائق طوال المائة عام الممتدة منذ مؤتمر بالعام 1897 حتى الآن، باستثناء فترة حاسمة امتدت منذ مابعد عدوان 1967 مباشرة حتى حرب أكتوبر 1973. ولا تثريب على الكيان الصهيوني في اتباع تلك الاستراتيجية، من وجهة نظر الايديولوجية الصهيونية ومايتلوها من تطبيق العقيدة العسكرية.. بيد ان انتفاضة الأقصى والمواجهة العسكرية الاسرائيلية كشفت عن أعلى ذرى الممارسة الصهيونية على ساحة العمليات القتالية، انها الذروة التي أفصحت عن التمسك بثوابت العقيدة العسكرية حتى في حال كون الخصم أعزل من السلاح، وهو مايتخذ عمليا صورة المذبحة، وبالفعل فقد كانت المذبحة واحدة من أهم مشاهد الفعل العسكري الصهيوني: ديرياسين، قتل أسرى الحروب مع العرب، صبرا وشاتيلا، قانا، الأقصى، بحر البقر. مصنع أبوزعبل. أما الأمر الثاني إن الأيديولوجية الصهيونية، القائمة في جوهرها على رفض اندماج اليهود في مجتمعاتهم الأصلية واعتبارهم في حالة شتات حتى يهجموا على فلسطين ويقيموا في أرض بلا شعب باعتبارهم شعبا بلا أرض.. إن هذه الأيديولوجية الرجعية العنصرية والتي توظف التاريخ والدين والأرث النفسي لصالحها توظيف معكوسا، تنشئ واقعا جديدا هو مقلوب الواقع الحقيقي والمتطور، فيتحول المظلوم في مجتمع ما الى ظالم لمجتمع آخر، ويأخذ الضحية موقع الجاني، وتصير العقيدة قناعا لحركة عدوانية ـ استعمارية وأن هذا النوع من الأيديولوجيا هو من صنف العقائد غير التصالحية ويكون العنف هو أسلوب العمل المتلازم تلازما ضروريا مع طبيعة الهدف المحدد لها. تثبت التقاليد الفكرية والسياسية للصهيونية في فلسطين هذا الارتباط بين الايديولوجية وممارسة العنف دون هواده، باعتبار العربي الفلسطيني ـ هو العدو العقائدي وهذا مانراه منطبقا كذلك على النازية.. وعلى الجناح المحافظ الجديد من الرأسمالية العالمية الراهنة والذي يجدد التقليد النينشوي رافعا شعار: الطبيعة الحمراء بين الناب والمخلب وصاحب تكتيك الدفع نحو حافة الهاوية.. ومايزال التلازم بين الصهيونية والعنف والحرب يثبت المقولات الأولى التي طرحها جابوتنسكي ثم مناحم بيجين ثم الاستراتيجية الاسرائيلية. أما الأمر الثالث فيتمثل فيما ينتج عن طبيعة الاستراتيجية والايدلوجية ويقول المؤلف أن الممارسة عند الحركة الصهيونية وكيانها الاسرائيلي هي من نوع مايمكن أن نطلق عليه الممارسة الكفاحية والتي لا تقبل أنصاف الحلول، فإما الكل واما فلا، وان كانت قابلة للقيام بالمناورة تحت ضغط مؤثر خارجي قوي. ويترتب على هذا ـ أن الحرب والعنف حتى المذابح هم الخيار الاستراتيجي لاسرائيل، وان كانت تلجأ تحت ضغط المؤثر الخارجي أحيانا الى المناورة باشباح السلام. وقد حدثت المناورة عبر ربع القرن الأخير مرتين مرة في أعقاب حرب أكتوبر عقد معاهدة السلام مع مصر وكان الغرض منها عزل مصر على ساحة الصراع العربي الصهيوني. ومرة في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية التي تفجر في نوفمبر 1987 اتفاق أوسلو الموقع في واشنطن 1993 وكان الغرض منها الاعتراف باسرائيل من قبل منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة الشعب الفلسطيني في حقه بأرض فلسطين، وكأن الاعتراف يعني الاعتراف بحق اسرائيل في أخذ أرض فلسطين. ويقول المؤلف: إن العرب، أو الدول العربية بتعبير أدق، قد تعاملت مع اسرائيل بالطريقة الوحيدة التي لا تصلح للتعامل معها، وهي طريقة الانسحاب الدفاعي الى خطوط التسوية السلمية. يطرح المؤلف سؤالا على أرضية ماسبق هو.. انطلاقا من انتفاضة الأقصى: ماذا بعد وكيف يمكن اعادة احياء النظام العربي؟ يجيب: فيما يمثل برنامج الحد الأدنى من المنظور القومي العربي: 1 ـ تكوين ائتلاف سياسي حقيقي بين عدد من دول القلب العربية، بشريا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا: مصر وسوريا والسعودية والجزائر. ويناط بمثل هذا الائتلاف الشروع في تكوين منطقة أمن قومي تبدأ بتصفية الجيوب المتبقية من المستنقعات السابقة وخاصة مستنقع حرب الخليج الثانية،، بما في ذلك مسالة التعامل مع العراق، كما تبدأ ببناء اسس صناعية عسكرية، وليكن ذلك من خلال العودة الى الهيئة العربية للتصنيع العسكري وليكن ذلك أيضا من خلال الاتفاق على أسلوب التعامل مع اسرائيل في موضوعي البترول والغاز الطبيعي بما فيه التعامل مع اسرائيل. 2ـ الدعوة الفورية الى مؤتمر دولي حول الصراع العربي الاسرائيلي، يلتئم فيه شمل الأطراف العربية مصر، سوريا الأردن، فلسطين، وجها لوجه ازاء اسرائيل وفي حضور فعال من الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالذات. 3ـ التلازم بين تكوين الائتلاف السياسي العربي الفعال وبين المؤتمر الدولي الحقيقي. 4 ـ الانسحاب من الأراضي المحتلة في فلسطين والجولان ومزارع شبعا على مدى عام على الأكثر مع ازالة المستوطنات واخضاعها مؤقتا للسلطة الفلسطينية الكاملة. 5 ـ حتى يتم الانسحاب من الضفة الغربية وغزة في المدى المذكور، توضعان تحت حماية ومراقبة دولية من قبل مجلس الأمن الدولي ـ للحيلولة دون تكرار الاعتداء على الشعب الفلسطيني الأعزل. 6 ـ بناء الكيان السياسي الفلسطيني المستقل، ممتلكا قوات مسلحة حقيقية لدولة ذات سيادة، يحرسها ابناؤها برا وبحرا وجوا. 7 ـ دمج الكيان السياسي الفلسطيني في الكتلة السياسية العربية المحيطة، التي تضم الاردن سوريا كبداية. واذا كان ماطرحه المؤلف فيما سبق هو برنامج حد أدنى للصحوة العربية. القاهرة أمين اسكندر