بيان الكتب: هذا الكتاب لجون كولر أستاذ الفلسفة المهتم بفلسفات الشرق، ومؤلّف العديد من الكتب بينها كتابه الشهير «الطريقة الهندية» الذي ألقى فيه عبر فصوله السبعة عشر ضوءاً فريداً على الخصائص الأساسية للفكر الفلسفي والديني الهندي، ولكنه هنا سيوسع من دائرة بحثه نحو فلسفات الشرق، حيث يتناول جملة من المفاهيم الفلسفية التي تأسست في حضارات الشرق القديم من خلال المدارس المنتشرة في الهند والصين واليابان عبر الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية، لتؤكّد أن الفكر الإنساني لم يبدأ مع اليونان وحضارتهم، ولا مع الفلسفات الحديثة، وإنما هناك مجموعة من الحضارات أسهمت في تاريخ هذا الفكر إسهاماً كبيراً، بل ربّما سبقت الفكر اليوناني بحسب ما ورد في تقديم الأستاذ إمام عبد الفتاح للكتاب، وهو عين ما ذهب إليه «كولر» من أن ثمة فلسفات شرقية لا تقلّ في عمقها ودقّتها وأصالتها عن فلسفات الغرب. الهندوسية فلسفة حياتية وباعتبار أن المؤلّف كان سافر كثيراً إلى آسيا وزار بلدانها المختلفة، فإنه ركّز في دراساته على مسألة الفهم، فهم خصوصيات المجتمعات الشرقية وطرائق عيشها وسلوكاتها المختلفة اختلافاً بيّناً عن العقلية الأوروبية، حيث ميّز بداية بين طرائق فلاسفة الغرب الذين يعيشون في أبراج عاجية عاكفين على مفاهيم نظرية مجرّدة تبتعد عن الواقع، متجاهلين في الوقت نفسه أهم مسألة في الوجود، ألا وهي مسألة الحياة، بينما على النقيض منهم سينفتح الشرقيون على الحياة، وذلك لأن أهم أنشطة الإنسان تبدأ منذ لحظة وعيه بالوجود والسعي إلى الحفاظ على حياته بل وإضفاء قيمة عليها. وبحسب المقارنة التي أجراها المؤلّف لهذا الاختلاف بين الغرب والشرق، سنرى أن الشرق يمازج بين الحياة والمعرفة، وليس ثمة تمييز قاطع بين الفلسفة والدين، أو بينها وبين علم النفس، أو بينها وبين العلم، وبالتالي فإن الفلسفة ستتصل بالحياة اليومية للإنسان العادي، وسيذكر على سبيل المثال أنه كان من المستحيل في الصين أن تحصل على وظيفة دون معرفة أعمال كونفوشيوس، كما تشتهر الهند باحترامها الكبير للحكماء، حيث تتخذ الحكمة العملية في الهند شكل ترويض النفس اليوجا بهدف تحقيق التكامل المطلق للحياة، وهي بهذا الاعتبار وبحسب فلسفة الفيدا والأوبانيشاد تتّجه لتحقيق غايات إنسانية ترتبط بالعيش الفاضل والورع، ووسائل الحياة، والمتعة، وتحرير النفس، وسترتبط هذه الأهداف بحياة المجتمع، وطبقاته الأربع المقابلة، وسوف تتأثر سائر فلسفات الهند بتعاليم الأوبانيشاد هذه بما فيها الفلسفة البوذية، وذلك يؤكّد حيويتها وقدرتها على التواصل مع الجديد دائماً، حتى عندما وصل الفكر الغربي إلى الهند عن طريق الحكم البريطاني لها طوال قرن من الزمان، فإن المفكّرين الهنود استجابوا للأفكار الجديدة وجددوا نشاطهم الفلسفي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث جمع غاندي إبان مقاومته للإنجليز بين القيم التقليدية «الساتيا» و «الأهمسا» أي اللاأذى والحقيقة كأساس للفكر والحركة الاجتماعية والسياسية مقدماً أسس الإصلاح الاجتماعي، فجاءت فلسفته تجديداً لرؤية «الذارما» القديمة، ولكنها في الوقت نفسه تستفيد من فهمه للمسيحية والفكر الغربي الحديث، وتتحدد بمشاركته في الأحداث المعاصرة. البوذية فلسفة خلاص على غرار الهندوسية ستتجه البوذية لاستكمال الفلسفة الحياتية وتبيان طرق الخلاص من جملة الأشياء التي يعاني منها الإنسان، كالظلم والمرض والفقر والقلق والموت وغيرها من الأشياء التي تسبب لنا قلقاً على الدوام ما لم نعرف هذه المعاناة، وندرك أسبابها، وكيفية الخلاص منها، والسبل الممكن اتّباعها للخلاص منها، وقد وضع بوذا ثمانية تعاليم أساسية للوصول إلى حالة «النيرفانا» أو الخلاص، سمّاها الطريق ذو الشعاب الثمانية، وهي: سلامة الرأي ساماديثي، سلامة النية: ساما سنكايا، سلامة القول: سامافكا، سلامة الفعل ساما كامنتا، سلامة العيش ساما أجيفا سلامة الجهد: ساما فايا، سلامة الوعي أو الانتباه العقلي: ساما ساتي، سلامة التركيز ساما سماذي. وينبغي لأنماط السلوك الحياتية التي تعمل بهذه المبادئ وتعبّر عنها، أن تمضي بشكل متزامن على نحو أو آخر، حيث إن الهدف المنشود هو تحقيق حياة مستقيمة من أسمى طراز، والمبادئ التي تشكّل أساس هذه التصرّفات يمكن إدراكها من خلال تأمل الحقائق الثلاث الخاصة بالسلوك الأخلاقي والانضباط الذهني والحكمة، بمعنى أنه إذا فهمنا أنفسنا والكون الذي نعيش فيه، فإن الفعل سيقوم على أساس حبّ شامل وحنان عام. وبناء على هذا فإن السلوك الأخلاقي ينبغي أن يقوم على هذه الأسس وينبع من الحكمة أو من عقل مستنير. ولكن لتحقيق كلّ ذلك فإن انضباط النفس يعدّ أمراً مطلوباً. ثمّ يذهب المؤلّف في تعريف قارئه بالمضامين الفلسفية الرئيسية للتعاليم الأخلاقية ـ الدينية للبوذية من خلال مناقشة مستفيضة وبحث في جوهر المعاناة كأساس أوّلي للفلسفة البوذية ومن ثمّ المدارس التي تشعبت عنها ومدى افتراقها وتقاربها في تناول تعاليم بوذا سواء على مستوى النفس وطبائعها، أو على مستوى الواقع الخارجي، وعلاقة هذا الأخير بالإنسان، مما سيفضي بنا إلى استنتاج مفاده أن البوذية كدين لا تسعى شأن الديانات الأخرى إلى التقرّب من إله بواسطة الطقوس المعروفة في الأديان الأخرى، وإنما هي حالة خاصّة بخلاص الإنسان عبر النيرفانا، وبالتالي فإنها لم تلغ الإله، وفي الوقت نفسه لم تؤكّده، وذلك لأن بوذا كان يبحث عن نوع من الإثبات مختلف عن الأديان الأخرى. ثمّ سيتناول المؤلّف في فصل خاص فلسفة «الزن» التي تسعى إلى تفعيل اللحظة الراهنة التي نعيشها إلى مداها الأوسع للعثور على النفس بكلّيتها وعلى كمال الحياة، بغاية اكتشاف امتلاء الحياة في كلّ لحظة تجربة، فالمطلق ليس منفصلاً عن اليوميّ، وأن الأشياء العادية التي تتمّ رؤيتها بالشكل الصحيح هي الواقع الفائق، والخلاص أو الاستنارة لا تمضي بنا إلى ما يتجاوز أشياء الحياة العادية، وإنما تسمح لنا بأن نجربها في ضوء جديد وذلك من خلال الكشف عن أعماقها. وتفرض فلسفة الـ «الزن» قاعدة رئيسية لاكتشاف طبيعة الوجود عن طريق السيطرة الكاملة على أعضاء الجسد الإنساني: اليدين، القدمين، الساقين، الذراعين، الجذع، والرأس، وتنظيمها، ويلي ذلك ضرورة تنظيم التنفس بحيث يمكن السيطرة على أنشطة العقل. وخلال سلاسل من الأشكال الخاصة من التركيز يتمّ تجميع أنشطة العقل وتوحيدها وتسكينها. وتتمّ كذلك السيطرة على الانفعالات والنزعات وتنسيقها مع الذهن، وبعد تحقيق هذا كلّه يبقى غرس ما يسمّى عادة بالصمت العميق في أعمق أبعاد كيان المرء. ولتوضيح هذا الجانب من مراحل الممارسة للقارئ، سيسعى المؤلّف إلى تحليل قصّة الراعي والثور التي تتألف من عشر مراحل، تبدأ بانفصال الثور عن الراعي، والثور هنا يرمز إلى الواقع المطلق وغير المجزّأ، أي طبعة بوذا، التي هي أساس الوجود بأسره. وراعي الثور هو النفس التي أضاعت طريقها فأضاعت الثور، ولدى اقترابه من تعاليم بوذا فإنه سيلمح آثار أقدام الثور، ولكنه لن يراه، أما في المرحلة الثالثة فإنه من خلال علاقته بالطبيعة باستخدام الحواس على نحو سليم سيلمح الثور، وفي المرحلة الرابعة سيمسك بثوره مستخدماً اللجام للسيطرة عليه، ويرمز ذلك إلى الانضباط الشديد، وهذا الانضباط سيفضي بالإنسان مع المرحلة الخامسة للاتّساق مع الطبيعة الحقّة للواقع، فيتبعه الثور طواعية إلى الدار، بينما ستبدأ المرحلة السادسة مع النشوة والهدوء اللذين يجلبهما التوحّد مجدداً مع مصدر الوجود، وفي المرحلة السابعة سيدرك الراعي هويته مع الثور، حتى إنه يمكنه نسيان الثور، لأنه يعدو أن يكون النفس الحقّة، وفي المرحلة الثامنة وهي مرحلة التطهير، فإنه سوف ينسى نفسه والثور ويعود إلى حالة النقاء التي تشكّل أساس الأشياء، بينما في المرحلة التاسعة المسماة بالعودة إلى النبع ونسيان النفس والواقع لتبدأ معها مرحلة الكشف، بينما ستكون المرحلة العاشرة مرحلة التألق، وبسبب هذا التألق سيقود الناس والأشياء نحو طريق بوذا. الكونفوشية والفضيلة يوضّح المؤلّف في مقدمة بحثه أن الكونفوشية هي فلسفة إنسانية اجتماعية تدور حول البشر ومجتمعهم وليس حول الطبيعة ومعرفتها، ولا شيء أسمى من البشر مصدراً للمبادئ الإنسانية، فمن خلال المبادئ الإنسانية وحدها يأتي الخير والسعادة، بمعنى أن ما يؤنسنا على نحو فريد بحسب كونفوشيوس، إنما هو «جين» أو طيبة القلب الإنساني أو الفضيلة الكامنة في أعماق كلّ مخلوق بشريّ، والحياة من دون فضيلة ليست جديرة بأن نحياها، وهذا يعني أن العيش وفقاً لـ «الجين» يقتضي تطوير طيبة القلب الإنسانية من خلال السلوك اليومي، أي من خلال قواعد اللياقة وآداب المجتمع، وهو ما سمّاه بـ «لي li»، وذلك بقهر الأنانية، وغرس الاستقامة، و«لي li »، هنا تعني العديد من الأشياء، فهي تعني الدين، وتعني المبدأ العام للنظام الاجتماعي، وتعني نظام الممارسات الاجتماعية والأخلاقية بأسره، كما أنها تعني الطقوس والاحتفالات، وكلّ ما له علاقة بالسلوك الفضيل بين الإنسان وأي فرد آخر. وهذا يعني بالضرورة وضع قواعد الاحترام الأخوي، والولاء البنويّ في العائلة هسياو، أي فضيلة توقير العائلة واحترامها، لأن الحياة نفسها متولّدة عنها، ثمّ أخيراً تأتي الاستقامة يي YI وهي الاستعداد الأخلاقي للقيام بالسلوك والقدرة على إدراك ما هو صحيح اعتماداً على الحسّ والحدس. وبذلك فإنه يمكن تلخيص المبدأ العالم للكونفوشية بأنها التعبير الحقيقي عن الفضائل العظيمة، وحبّ الناس، وتحقيق الخير الأسمى، وذلك عبر ثمانية عناصر أخلاقية تحدث عنها، وبإمكان القارئ العودة إليها في الكتاب، وقد كانت نيتنا استكمالها، ولكننا نأسف لضيق الحيّز المعطى لنا في هذه الصفحة. ويبقى في الختام أن ننوّه بالجهد الكبير الذي بذله مترجم الكتاب الأستاذ كامل يوسف حسين، وتقديمه في صورته الأمثل، فقد التمسنا منه في مترجماته كافة، والتي تعدّت الخمسين كتاباً، كلّ الرغبة في تقديم أهم منتجات الشرق والغرب الثقافية للقارئ العربيّ، وفق مشروع ثقافي منتظم ومدروس، يذكّرنا على الدوام بأمجاد التراجمة الأوائل وفضائلهم التي لا تنسى على مرّ الأزمان، فتحية له. عزت عمر