بيان الكتب: فى الحديث عن ابن تيمية (661 ـ 728) المرء لا يجد أفضل من هذا المثل للدلالة على رؤيتنا المعاصرة له.. يقول المثل: أنه ما إن علمت جهات أمنية مصرية بوجود احمد بن تيمية فى امبابه (معقل التطرف فى العاصمة المصرية فى أوائل التسعينيات) حتى قررت اعتقاله لاستئصال أحد عناصر التطرف ، وعلى الفور تم تجهيز قوة خاصة من الشرطة للقبض عليه فى المنزل الذى يقيم فيه. وعندما قرع قائد القوة باب الشقة التى يوجد بها فتحت الباب سيدة شابة منقبة فأخبرها بمهمته أبدت السيدة دهشتها واستغرابها. استأذنته دقيقة عادت بعدها تحمل طفلا عمره نحو عام.. أنه احمد بن تيمية.. لم يصدق الضابط وأبدى تشككه وعندما استوثق أدرك الشرك الذى وقع فيه. ورغم أنه لم يغب عن الساحة فى ظل تنامى وصعود التيار الإسلامى والاتهامات التى توجه لهذا التيار بأنه يستمد أفكاره من ابن تيمية حتى أن البعض وصل إلى حد القول بأن السادات قتل بفتوى من ابن تيمية إلا أن الدكتور عزيز العظمة يفرض علينا الحديث فى الموضوع بقوة من خلال كتاب جديد له فى هذا الشأن بعد أن طالت بنا السنون لم نر خلالها مؤلفا خاصا حوله. وقبل الخوض فى تناول الكتاب بالعرض يهمنا فى البداية أن نناقش فكرته.. لقد جاء الكتاب فى إطار سلسلة يقوم عليها العظمة وتنشرها رياض الريس على شكل كتب تتميز بالإخراج الجيد الأنيق والأغلفة الجذابة تحت عنوان المنتخب من مدونات التراث وتحت هذه السلسلة يتناول فى كتب مستقلة ابن تيمية، محمد بن عبد الوهاب، الماوردي، المسعودى، وبداية فإن الفكرة التى تقوم عليها السلسلة تبدو أكثر من جيدة حيث تقدم لنا مادة تراثية بشكل منتقى يساعد على قراءتها بعد نوع من الغربلة - إن صح التعبير - غير أن ما يعيبها أنها تأتى على شاكلة كتب تراثية أخرى تجعلنا نطلق على الكتاب مختصر كتابات ابن تيمية على وزن مختصر تفسير ابن كثير أو مختصر منهاج القاصدين وهو ما يجعلنا نتساءل عن دور المؤلف أو جامع المادة وهو أستاذ بوزن الدكتور عزيز العظمة. ذلك أن الكتاب باستثناء المقدمة التى لا تزيد عن 14 صفحة من جملة نحو 500 صفحة هو نصوص مختارة من كتابات أو فتاوى أو أقوال ابن تيمية دون أى تدخل من قبل المؤلف رغم أن الدكتور العظمة ينتقد فى إطار دراسة صدرت له ضمن كتاب الحضارة العربية فى الأندلس كتابا لأبى العباس المقري هو نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأن شخصية المؤلف لم تظهر فى الكتاب وأن الكتاب كله لم يكن سوى نصوص مقتبسة وأن سرده لم يكن يشكل سوى اكثرمن فواصل بين النصوص المقتبسة. الأكثر مدعاة للدهشة هى الحجج التى ساقها لنا العظمة لموقفه ذلك أنه لم يكن بالمستطاع وفق المؤلف التقديم الوفى لأبن تيمية إلا بتأليف كتاب كبير (ما المانع؟ الورق موجود والناشر مستعد والقارئ فى لهفة) كما لم يكن حسب المؤلف بالمستطاع تفسير كل اشارة الى اسم او فرقة دون مضاعفة حجم الكتاب. ولا ندرى لماذا يعتبر المؤلف الحجم مشكلة ويقدمه على الهدف الأساسى للكتاب رغم أن المؤلف يوحى للقارئ بأن الغوص فى الكتاب أو كتابات ابن تيمية بمعنى أصح هو غوص فى بحر الظلمات حيث أن مبنى اللغة ومفرداتها تنتمى على حد قوله لعصر آخر وتقوم على الإلمام بعلوم وقواميس علوم وعوالم ماعادت حية الا على صورة كاريكاتورية.. وهو ما كان أدعى لوجود المؤلف برفقة قارئه ليفك له هذه الطلاسم أو مايتصوره كذلك وهو يحاول أن يخرج من مأزقه بقوله: ما كان ممكنا تلقيم القارئ بالملعقة متغاضيا عن أن فلسفة الكتاب أى كتاب إنما هو تقديم جهد تفسيرى يساعد على إلمام القارئ واستيعابه للموضوع الذى يتم تناوله بين صفحات الكتاب! وهو يعبر عن خشيته من أنه فى حال الاستفاضة أن يتناول بذلك مجمل التراث الاسلامى وهو طرح من المتصور أنه ليس مسوغا لتبرير عدم تقديم أى جهد خاص ولذلك فإننا نتصور أن الصيغة المثلى لتقديم الكتاب فى طبعاته الجديدة - اذا كان من المنتظر أن يكون له طبعات جديدة - هو (مختصر الأعمال الكاملة لابن تيميه) جمعها ورتبها عزيز العظمة. من الشكل الى المضمون.. فإن أهمية العمل الذى يقوم به العظمة رغم ملاحظاتنا السابق ايرادها هو أنه يقدم اطلالة للقارئ غير المتخصص يمكن من خلالها تجاوز مايسميه عملية الابتسار والاجتزاء والخروج على السياق.. فبهذا الكتاب يتم تجاوز مرحلة كون ابن تيميه - كغيره من العلماء والمفكرين التراثيين - حسبما يذكر العظمة يذكر ولايقرأ وهو أمر يمكننا حسبما نرى تجاوز العموميات فى الأحكام التى نحياها سواء من هذا الطرف - التيار الاسلامى أو ذاك المناوئ له بخصوص فكر وفقه ابن تيمية. هذه القراءة تمكننا من تفحص مايردده جماعات التكفير المصرية التى استخدمت فتوى ابن تيمية بوجوب قتال المسلمين من التتار دون اعتبار للظروف التى ادت الى القول بقتال أهل القبلة واعتبرتها مسوغا للعمل الانقلابى المسلح، وهو يتيح لنا أن نحدد من خلال قراءة السياسة الشرعية الحكم على مدى صحة ما ذهب اليه الكثير من الاسلاميين اليوم وبجرة قلم القول بالدولة الدينية وهى الدولة التى رآها ابن تيميه محصورة فى النبوة والخلافة الراشدة. غير أننا نعود لنقول أن المشكلة أن من تقدم لهذه المهمة.. مهمة إعادة الكشف عن فكر ابن تيمية فى محاولة لتقديمها بشكل محايد.. يبدو أنه هو ذاته غير محايد وينطلق من رؤية مسبقة تعارض رؤى ابن تيمية بشكل خاص والموقف من التراث بشكل عام.. ذلك أن المؤلف يشير الى أن الهدف من مجموعة النصوص ليس إلا تبيان انغراس هذه النصوص فى عصرها والأخذ بناصيتها التاريخية والعمل على التدريب على مطالعتها على النحو السليم الذى يفيد تاريخيتها وانتماءها الى عصر أخر فاتت مقوماته وما تبقى منه إلا الشظايا والاحالات. ورغم هذه النظرة والعودة للحكم على ابن تيميه انطلاقا من عصره الا أنه يعود للحكم عليه بمعيار العصر الذى نعيشه بقوله أنه لم يكتب فى السياسة وأن كتاب السياسة الشرعية ليس سوى تقرير لبعض الأحكام الفقهية وهو حكم بمعيار متقدم لمفهوم السياسة على أراء فى ذات السياق طرحت فى عصر متأخر. وبعيدا عن هذه الجوانب السجالية التى يطرحها تناول العظمة لموضوعه على النحو الذى أوضحناه نشير الى أن الكتاب يأتى فى خمسة أقسام يأتى الأول منها تحت عنوان الدين الحق يعرض فيه لنصوص من كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح حول الرسالة المحمدية وحقيقية المسيحية فى الاسلام. أما القسم الثانى فيتناول فى جزئه الأول ما يمكن اعتباره ملامح الفكر السياسى لدى ابن تيميه وهو القرأن والسيف حيث يتناول مفهوم خليفة الله وظله فى الأرض والملك والخلافة واستخلاف النبى صلى الله عليه وسلم للراشدين.. والإمارة والولاية وأغراض الحكم وتبجيل الرؤساء. أما فى الجزء الثانى والذى يرد تحت عنوان عالم الايمان فيتناول التلبيس على العوام وبدعة زيارة المقابر ثم يتناول فى الجزء الثالث فيتناول فتاوى متفرقة أما فى القسم الثالث فيتناول فيه العلم فى جزئه الأول ويعرض مبادئ العلم وفى الثانى أصول العقائد ثم ملاحق فى نهاية الكتاب حول حياة ابن تيمية ومختصر سيرته ومؤلفاته من خلال نصوص كتابات آخرين. ومن مجمل هذه النصوص تتحقق من صدق البعض فى وصفه لابن تيمية.. الذى يعتبره الكثيرون أنه مجدد الملة فى القرن السابع ويعتبره العظمه نفسه من أهم المفكرين الاسلاميين.. فقد كان كما قال أحد كبار العلماء.. أدرك من العلوم حظا وكان يستوعب السنن والأثار حفظا.. إن تكلم فى التفسير فهو حامل رايته أو أفتى فى الفقه فهو مدرك غايته أو ذاكر فى الحديث فهو صاحب علم وذو رؤية أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من غلته فى ذلك ولا أرفع ومن درايته.. الخ. واذا كانت بعض فتاوى ابن تيمية الفقهية هى بنت عصره والتى يحرص على الأخذ بها بعض المتشددين هذه الأيام بالفعل بدعوى أنها تراث ابن تيمية فى حين أنها لاتمثل سوى قشور هذا التراث فإن الرجل قدم الكثير فكان بحق أحد المجددين فى الاسلام.. واذا كل يؤخذ من لسانه ويترك الا المعصوم واذا كان لكل مجتهد نصيب إن أصاب فله اجران وإن أخطأ فله أجر واحد فإن بعض مواقف ابن تيمية تدرج فى هذا الإطار ومن ذلك الملاحظة التى يوردها العظمة من أنه من اللافت أن فتاوى ابن تيمية فى العقائد تشكل جزءا كبيرا جدا من مجموع فتاواه تتجاوز فى نسبتها للفتاوى فى الأمور الأخرى ماأفتى به أى من المفكرين الاسلاميين الأخرين وهو مايعنى انتقاله بالكلام فى العقيدة من مقام كلام النخبة الى مجال العامة فى وقت كان ثابر فيه المتكلمون على امتداد قرون على ضرورة الجام العوام عن علم الكلام فإن هذا اجتهاد منه قد يكون جانبه فيه الصواب ولسنا هنا فى مجال الحكم فهذا ما يقتضى البحث فى جوانب عديدة. ومن سياق النصوص والشهادات التى يوردها العظمة بشأن ابن تيمية يمكن استيعاب المكانة التى احتلها فى الفقه والفكر الاسلامى فقد تجاوز ابن تيمية مفاهيم التقليد وانطلق فى أفاق رحبة من الاجتهاد بشكل غير مسبوق حتى أنه خالف الأئمة الأربعة فى مسائل عديدة واحتج لها بالكتاب والسنة وهو ما يصفه العظمة بقوله: خرج ابن تيمية عن الاجماع الفقهى فى الفروع بشأن مسائل عديدة اجتهد فيها اجتهادا مطلقا منها اباحة وطء الوثنيات بملك اليمين.. الى جانب القول بقصر الصلاة فى كل مايسمى سفرا طويلا كان أم قصيرا والقول بأن البكر لاتستبرأ حتى اذا كانت كبيرة وهو قول لابن عمر.. والقول بأن من أكل فى شهر رمضان معتقدا أنه ليل فبان أنه نهار لا قضاء عليه والقول بأن المتمتع يكفيه سعى واحد بين الصفا والمروه. ومن أقواله المعروفة التى واجه بسبب الإفتاء بها محناً وقلاقل قوله بالتكفير فى حلف اليمين بالطلاق. كما من اجتهاداته أن الطلاق لا يقع إلا بواحدة وكذلك جواز التيمم لخشية فوات الوقت فى حق غير المعذور كمن أخر الصلاة عمدا حتى ضاق وقتها وكذلك من خشى فوات الجمعة والعيدين وهو محدث. ومن فتاواه أن تارك الصلاة عمدا لايجب عليه القضاء. ومن فتاويه فى الحكم تأكيده على أن من غير المفترض فى الأمام القائم على ولاية المسلمين أن يكون معصوما ولا يكون الافضل من أهل زمانه ولو كان هذا مستحبا وهى فتاوى واجتهادات يشير أغلبها الى التزام مذهب التيسير. ومن أقواله ايضا التى ألبت عليه الكثيرين انكاره شد الرحال لزيارة القبور فضلا عن ذهابه هو وابن القيم الى عدم خلود النار، يذهب البعض الى أن عمربن الخطاب وجمهور من الصحابة قالوا بذلك الرأي. وقد كان لبعض هذه الفتاوى وصدمها للتقاليد السائدة فضلا عن ضراوة خصوماته الفكرية والفقهية أثره فى سجن ابن تيمية عدة مرات وارتحاله من سجن الى أخر. ورغم أن العظمة يرى أن بعضا من هذه المسائل أو أكثرها شغلت ذلك العصر ولاتشغلنا وقد بعدنا عنها إلا أنها قد تكون واجبة المعرفة فى اطار دراسة عن ابن تيمية غير أنه قد يبدو حقا أن تثار فى المجتمعات التقليدية المغلقة التى تؤسسها بعض الحركات الاسلامية فى جبال الجزائر ومجاهل افغانستان. وقد حاول خصوم ابن تيمية النيل منه من عدة جوانب مستغلين جرأته فى الفتوى فكانت قضية الصفات من القضايا التى مثلت هى الأخرى مجالا للحرب عليه فقد التزم الحرفية فى التفسير ما أدى بخصومه الى نسبته الى التجسيم كقوله أن اليد والقدم صفات حقيقية لله فيما نسبه البعض الى الزندقة لقوله أن النبى صلى الله عليه وسلم لايستغاث به فضلا عن أقوال أخرى جعلت فكرة قتله واتهامه بالردة واردة لدى خصومه. وفى الجملة مثل ابن تيمية مجموعة قيم يجب احياؤها.. قيمة حب العلم والاستزادة منه.. قيمة الجرأة فى الحق والجهاد الفعلى بمحاربة الأعداء الى جانب الجهاد الفكرى فكان بحق العالم الذى لايلى على شئ سوى نصرة دينه. وكان من أقواله فى هذا الصدد : إن فى الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة.. متسائلا ماذا يصنع بى اعدائى؟ أنا جنتى وبستانى فى صدرى أنى رحت هى معى لاتفارقنى.. أنا حبسى خلوة وقتلى شهادة وإخراجى من بلدى سياحة فكانت وفاته فى السجن وهو يتلو قوله تعالى : إن المتقين فى جنات ونهر. فى مقعد صدق عند مليك مقتدر. وبشكل عام فإن الكتاب رغم أى ملاحظات يحقق الهدف منه وهو تقديم وجبة للقارئ تعينه على الالمام الكافى بنصوصه وفهمها واعطاء القارئ فكرة شافية عن سعة القضايا التى تناولها بحيث يستطيع القارئ أن يلم بجماع مقاصده مما قد ينأى به عن نصب ابن تيميه علما يستشهد به دون القراءة والفهم الصحيحين له. مصطفى عبدالرازق