بيان الكتب: يسعى هذا الكتاب الى التعريف بالبوذية وشرح مفاهيمها وطريقة تفكيرها على يد راهب بوذي لم يكتف بما تلقاه من تربية ودراسة تقليديتين، بل عمد الى السفر والدراسة الأكاديمية ليصبح قادراً على تقديم فهم عميق لموضوعه مع قدرة على مقارنته مع غيره من افكار ومفاهيم. يبدأ الكاتب بالتعريف ببوذا كشخصية حقيقية لها تاريخ، فالاسم الأصلي له هو سيدهاتا «سد هارتا»، وهو ملك ابن ملك، لكنه خرج من قصره بحثاً عن حل لآلام البشرية، وبقي يبحث ويمتحن الآراء والأفكار التي يصادفها حتى أدركته اليقظة فأصبح اسمه من حينها بوذا التي تعني «اليقظ». بعد التعريف ببوذا ينتقل المؤلف الى التعريف بالبوذية كأفكار ومفاهيم.. فيعرفنا بالحالة الذهنية البوذية وبمبادئها الأساسية مع مقتطفات ونصوص قديمة. فتحت عنوان «الحالة الذهنية البوذية» يعرض لنا المؤلف الجوانب التي يعتقد انها تشكل خصوصية البوذية، ومن ذلك ان بوذا لم يدع انه مرسل من اله او ملهم من أية قوة فوق ـ طبيعية، ليس هذا فحسب، بل ان كل ما انجزه واكتسبه يعود الى المجهود الانساني وحده والى الذكاء الانساني وحده. والنقطة الثانية التي يرى المؤلف انها تشكل ميزة للبوذية هي ان بوذا لم يفكر بقيادة نظام رهباني خاص به، كما أنه كشف لتلاميذه كل ما لديه، فما من شيء ـ كما قال ـ مخبأ «في قبضة المعلم المغلقة». وهو أيضا لم يقدم نظاما من التحريم والتحليل الذي على تلاميذه اتباعه بل نصحهم قائلاً: «عندما تعرفون بأنفسكم ان بعض الامور ليست مناسبة، مخطئة وسيئة، عندئذ تخلوا عنها.. وعندما تعرفون بأنفسكم ان بعض الأمور مناسبة وصالحة، عندئذ اقبلوها واتبعوها». اضافة الى ذلك، أقر بوذا بشرعية حالة الشك التي تنتاب الانسان تجاه الأفكار والآراء التي تطرح عليه. ثم يأتي المؤلف الى موقف البوذية من الحقيقة، فيقول ان البوذية تهتم بالحقيقة بغض النظر عن الطريق التي يسلكها المرء للوصول اليها، كما أنها ـ البوذية ـ تدعو الى التفهم الحر والابتعاد عن الآراء المسبقة والتعصب الأعمى. اذ «ليس من المناسب لرجل يساند الحقيقة ويحميها ان يصل الى نتيجة مفادها ان هذا وحده هو الحقيقة وكل ما عداه باطل» هذا ما ينقله المؤلف عن بوذا. اما فيما يخص الايمان كما نراه في الأديان الاخرى، فان البوذية لا تأخذ به لكنها تشدد على «رأى، عرف، فهم». وهي ترى نوعا من التعارض بين الايمان والرؤية بالمعنى المحدد للكلمة، فعندما تتحقق الرؤية يضمحل الايمان. ويصور المؤلف الأمر على النحو التالي «اذا قلت لك أنني املك جوهرة مخبأة في يدي المغلقة فان مسألة الايمان تطرح لانك لا ترى الجوهرة بنفسك، ولكن اذا فتحت يدي وأريتك الجوهرة فأنت تراها عندئذ بنفسك ولا يعود ثمة مجال للايمان». بعد هذا التعريف بالحالة الذهنية البوذية ينتقل المؤلف الى التعريف بالحقائق الأربع النبيلة في البوذية وهذه الحقائق هي: دوكها: حقيقة الألم النبيلة. سامودايا: ظهور دوكها او أصلها. نيروزا: توقف او انقطاع دوكها. ماجا: الدرب او الصراط الذي يقود الى توقف دوكها. ولاشك ان التوقف عند هذا المعنى البسيط لكل واحدة من هذه الحقائق الاربع يعتبر سطحياً اذ ان لكل منها شرحاً فلسفيا عميقاً لا يمكن ان يستغرقه عرض بسيط كهذا الذي نقدمه هنا. وبعد ذا ننتقل الى بعض المفاهيم الجوهرية في البوذية، ونبدأ بنظرية «المجاميع الخمسة» التي تقوم على أن ما نسميه «كائن، شخص، انا» هو تركيبة قوى او نشاطات جسمانية وعقلية في تبدل دائم. وهذه المجاميع الخمسة هي: ـ مجموعة المادة: التراب والماء والنار والهواء. اي الصلابة والميوعة والحرارة والحركة. ـ مجموعة الأحاسيس: وهي ستة أنواع. فإضافة الى الحواس الخمس المعروفة الرؤية والسمع والشم والذوق واللمس، هناك الحاسة المتولدة عن اتصال العضو العقلي مع الأمور العقلية من نوايا وأفكار. ـ مجموعة التمييز او الادراكات الحسية وهي ستة أنواع مرتبطة بالملكات الداخلية الست. ـ مجموعة التشكيلات العقلية. ـ مجموعة الوعي. ثم ننتقل الى نظرية الكارما، وهي نظرية جاءت على الضد من فكرة العقاب والثواب في الديانات الاخرى. فنظرية الكارما تعتبر نظرية الأسباب والمؤثرات، نظرية الفعل ورد الفعل، وهي تعبر عن قانون طبيعي لا يرى فيه شيء من عدالة المكافأة والعقاب. اما عن فكرة «البعث» او حياة بعد الموت، فان البوذية لا تقول بهذا، بل وترفضه، وهي ترى ان الموت هو جزء من صيرورة كلية، من قوة هائلة تحرك مجموع الحيوات والموجودات والعالم كله. ونأتي الى ما تطلق عليه البوذية «الانتاج المشروط» فبحسب بوذا، اذا كان هناك حقيقة مطلقة فهي انه لا وجود للمطلق في هذا العالم، وان كل شيء نسبي، مشروط، وغير دائم. ومن المباديء الجوهرية ايضا مبدأ «اللاذات»، وهو يقوم على انكار وجود ذات او نفس مستقلة عن الجسد وتعيش بعد فنائه. ايضا هناك مبدأ «بناء الانتباه» وهو يعني تنمية القدرة على التركيز على موضوع محدد، ويمكن هنا الاشارة الى «التأمل» او الثقافة العقلية، فبحسب بوذا هناك نوعان من المرض، جسدي وعقلي، وتهدف تعاليم بوذا، وبوجه خاص طريقه الى التأمل، الى ايجاد حالة من الصحة العقلية الكاملة، من التوازن والاطمئنان. كما انه ـ التأمل ـ لا يعني الانقطاع عن الأعمال الحياتية اليومية. بعد هذا التعريف بالمباديء الجوهرية للبوذية ينتقل المؤلف الى التعريف بجوانب اخرى، كالأخلاق في البوذية، ويعطي في هذا المجال الكثير من القواعد التي تنظم العلاقات داخل المجتمع، بين أفراد الاسرة، مع الأصدقاء والأقارب، وعلاقات العمل، ومجمل هذه القواعد ينطوي على ضرورة قيام هذه العلاقات على أساس من الاحترام والحب والتقدير، والابتعاد عن كل ما هو شرير. وفي القسم الاخير من الكتاب، يقدم لنا مجموعة من النصوص القديمة التي تتناول جوانب متعددة، سنختار كخاتمة لهذا العرض قصة تعرفنا بمن هو المنبوذ حسب تعاليم بوذا. المنبوذ الحقيقي هو الذي يقوم بالأفعال الشريرة والمنحطة على اختلاف اشكالها وتنوع اوصافها. فالرجل الكثير الغضب والبغضاء، والخبيث والمنافق والرجل المؤذي للمخلوقات الحية، والرجل الذي يدمر المدن والقرى ويحاصر ويحارب.. الخ، كل هؤلاء نماذج على المنبوذ. تكاد هذه تكون الأفكار الرئيسية في هذا الكتاب، ولاشك ان عرضا كهذا لا يمكنه تغطية الكتاب وإيفاءه حقه، فهو كتاب غني بأفكاره، رغم صغر حجمه، ويقدم مادة غنية، كتعريف بالبوذية أولا، وكمادة للتفكير والنقاش ثانياً. عبدالله فاضل