ربما يسيطر عليك الغضب، وتصرخ في وجه كمبيوترك لتباطئه في العمل، او لاي سبب آخر، لكن ماذا سيكون شعورك لو رد عليك الكمبيوتر بالصراخ ايضا او حتى لو انفجر بالبكاء؟ يعتقد بعض الخبراء ان العلم في طريقه الآن لايجاد، كمبيوترات ذكية حقا، وان المسألة مجرد وقت فحسب لكن هل يمكن فعلا للالة ان تفكر كما يفكر الانسان؟ تعود جذور الذكاء الآلي الى الجهود المضنية لفك رموز الشيفرات المعادية خلال الحرب العالمية الثانية. وتستلزم المقاربة التقليدية لمفهوم الذكاء الآلي برمجة اجهزة كمبيوتر بنظام تطور متزايد باستمرار. وربما كان اكبر انتصار لما يعرف بالذكاء الصناعي الخطي في عام 1997، عندما هزم كمبيوتر اي بي ام «ديب بلو» بطل العالم الاسطوري في الشطرنج جاري كاسباروف. ويمكن للمقاربة الخطية، التي تقوم على سلسلة متعاقبة من الخيارات والعمليات المنطقية، ان تعطي اداء مبهرا لكنها في حقيقة الامر لاتضاهي عمق وتعقيد الذكاء البشري. اذ ربما يجب برمجة الكمبيوترات بحيث تعمل بطريقة تشبه طريقة عمل الدماغ؟ وهذا المفهوم يطبق الآن الى حد ما فيما يعرف بالشبكات العصبية، حيث يتم بناء البرنامج في طبقات متصلة فيما بينها اشبه بشبكات الدماغ، يمكن تدريب الشبكات العصبية على التعرف على الاشكال والنماذج، وهي خاصية اساسية من خاصيات الدماغ، وقد بدأ الخبراء فعلا باستخدام هذه الشبكات في التحليل الكيميائي والتشخيص الطبي. في هذه الاثناء، تشير الابحاث التي تجري على مفهوم دمج الخلايا العصبية ورقائق السليكون في وحدة واحدة وكذلك التجارب على زرع رقائق الذاكرة الحاسوبية في الدماغ تشير الى انه قد يكون من الممكن في نهاية المطاف بناء نسخة صناعية متوسطة الجودة من الدماغ البشري. هذه رؤية جمهرة انصار مايعرف بالذكاء الصناعي «القوي» اما اصحاب الرؤية البديلة المعروفة بالذكاء «الصناعي الضعيف» فيؤمنون بأن هذا الهدف لا يمكن ان يتحقق لكن الكمبيوترات والروبوتات تستطيع محاكاة بعض مظاهر الذكاء البشري. في الحقيقة يوجد الآن الاف الامثلة من الكمبيوترات التي تظهر على مايبدو بعض مظاهر الذكاء، فمحركات البحث على الانترنت وبرامج التعرف على الاصوات والملابس الذكية المجهزة بمجسات تسجل اداء وظائف الجسم، والانظمة التي تتحكم بعمليات التصنيع، جميعها تقوم بأعمال هامة وبأداء لا يقل جودة عن اداء البشر، وفي حالات عديدة بوتيرة اسرع من وتيرة عمل البشر. لكن حقل الروبوتات يظهر مدى صعوبة محاكاة السلوك البشري الذكي بحق، اطلق الروبوت المنزلي الاول «اكوا كوين» والذي يقوم بتنظيف برك السباحة في عام 1966، لكن منذ ذلك الحين وحتى الآن لم يتم احراز تقدم كبير في هذا المجال. المشكلة الاساسية تكمن في «الابحار» فالربوت لا يستطيع التكيف مع بيئة معقدة او متغيرة، وهو يضل طريقه بسهولة في مثل هذه الظروف. لكن روبتا منزليا جديدا متعدد الوظائف يدعى «ساي» يتم تطويره في بتسبرج بالولايات المتحدة، يمكن تعليمه وتدريبه على التصميم الداخلي لمنزلك، حيث يذهب الى مأخذ الشحن الكهربائي بنفسه عندما تضعف بطارياته. والتحدي الاكبر هو جعل الروبوتات تقوم بأكثر من مهمة، ومعروف ان الانسان مهما كان متواضع الذكاء يستطيع القيام بالوف الاشياء المختلفة، في حين ان الروبوت يكون عادة مكرسا للقيام بعمل واحد فقط، كتنظيف ارضيات المنزل عن طريق شفط الهواء او تشذيب الاعشاب في حديقة المنزل الخلفية، وبطبيعة الحال فان تطوير روبوت متعدد المهارات يتطلب تزويده بمستوى اعلى من الذكاء، وهو ما لايرجح حدوثه في المستقبل المنظور. وربما تكمن العقبة الحقيقية في طريقة صنع كمبيوترات وروبتات ذات ذكاء، حقيقي، في جعل اجهزة الكمبيوتر على ادراك الاحاسيس والتعبير عنها. في كتابه «خطأ ديكارت» يجادل انطونيو دماسيو، في جامعة ايوا الامريكية ان الاحساس ضروري للتفكير المنطقي. ويقول دماسيو، اننا افترضنا لزمن طويل ان العاطفة سحابة تشوب العقلانية، لكن في حقيقة الامر ان اجزاء الدماغ المسئولة عن كل من «التفكير» و «الاحساس» مرتبطة فيما بينها بدارات عصبية حيوية ويصف دماسيو مريضا يدعى اليوت، انقطعت عنده تلك الروابط الحيوية كنتيجة لجراحة لاستئصال ورم دماغي من رأسه. بعد تلك الحادثة لم يعد اليوت قادرا على عيش حياة طبيعية مع ان الفحوصات اظهرت ان اداءه العقلي لم يتعرض لاية اعاقة اثر العملية. لقد فقد اليوت القدرة على اتخاذ القرارات والتخطيط والتفكير المنطقي، كل ذلك لان احساسيه لم تعد تشكل جزءا من اساس افكار كما يقول دماسيو. لطالما كان الروبوت العاطفي حلها غالبا في كتب وافلام الخيال العلمي، وقد دأب العلماء على مدى السنوات القليلة الماضية على تصميم مجموعة واسعة متنوعة في الوجوه الالية المتحركة، وهي عبارة عن برامج تولد صورا لوجوه شبه بشرية على شاشة الكمبيوتر واستكمل الآن الباحثون في معهد ساشوستس للتكنولوجيا بناء ربوت يدعى «كيسمت» له صورة وجه شبه بشري تطل من على رأس صناعي ثلاثي الابعاد بجفنين وعينين وشفتين قابلة للحركة. عندما يترك كيسمت وحيدا، تبدو على وجهه أمارات الحزن، لكن اذا دخل انسان الغرفة، فانه يبتسم وتبدو عليه علامات البهجة واذا كنت قاسيا معه، تبدو تعابير الخوف واضحة على وجهه ويخطط مبتكرو كيسمت الان لتزويد روبوتهم بنظام صوتي يمكنه التعبير عن الاحاسيس. وسيتعين على الكمبيوتر او الروبوت «العاطفي» ايضا ان يدرك الاحاسيس، وهو بذلك سيحاكي السمة الاساسية في الذكاء العاطفي. وقد قام عالما الكمبيوتر الامريكيان ايفراد عيسى واليكس بنتلاند بتطوير برنامج يمكن جهاز الكمبيوتر من التعرف على التعابير الوجهية المتداخلة مع ستة احاسيس اساسية، وعندما تظاهر متطوعون بأحد هذه الاحاسيس الستة، نجح الكمبيوتر بالتعرف على انواع الاحساس بدقة بلغت نسبتها 98 بالمئة، اي افضل من اداء معظم البشر في قراءة تعابير الوجه. ويؤكد الخبير الرائد في مجال الذكاء الصناعي هيربرت سيمون بأن على الكمبيوترات ان تطور احاسيس حقيقية لكي تستطيع تقليد الذكاء البشري، لان العاطفة ضرورية جدا لصنع القرارات وضرورية للبقاء. وحتى الآن فإن كل ما تستطيع الروبوتات العاطفية فعله هو مجرد عرض السلوك العاطفي. ولكي تتمتع بعواطف حقيقية، وذكاء حقيقي ربما يتوجب عليها ان تطور عقلا واعيا وشكلا من اشكال الاحساس بالذات وفيما اذا كان ذلك ممكنا على ارض الواقع لايزال سؤالا موضع خلاف في الاوساط العلمية. علي محمد