فجر المسلسل التلفزيوني «اميرة من عابدين» العديد من القضايا في الشارع الفني المصري، من دلع الفنانين الى تدخل النجوم في العمل الفني او طلب مخرج «ملاكي». هذه آخر صيحة من صيحات الفنانين الضاربين بكل المباديء الفنية عرض الحائط. مبدأ مهم ارسته اكاديمية الفنون في تدريسها لطلابها وتحافظ على النقابات الفنية بكل ما اوتيت من قوة ولكن ذلك توارى خجلا امام معارك طاحنة شهدتها الساحة الفنية في الايام الاخيرة حينما طالب بعض الفنانين بادوار «تفصيل» او فرض مشاركة فنان او تعديل السيناريو او طلب مخرج ملاكي لتولي اخراج اعماله الفنية. القضية اطرافها عديدة والحديث عنها شائك والمسلسل ليس وليد ليلة ولكن له جذور بدأته فاتن حمامة في مسلسل «ضمير أبلة حكمت». البداية من «اميرة من عابدين» والخلاف الحاد الذي نشب بين الفنانة سميرة احمد بطلة العمل ومخرجه محمد فاضل، فهي اصرت على حقها في اختيار نجم المسلسل وفاضل يرفض الخضوع لارادتها فاضطر اتحاد الاذاعة والتلفزيون برئاسة المهندس عبد الرحمن حافظ لاتخاذ قرار بتأجيل المسلسل. ويقول المخرج محمد فاضل: انه لامر خطير ولايجب التغاضي عنه واسفي انه قد يصبح قاعدة تؤسس عليها ظواهر اخرى غير مسبوقة بما يهدد الاعمال الفنية، واسفي الكبير انه يأتي من نجوم كبار. واذا كان الممثل اليوم يعمل ممثلا ومخرجا فلماذا الاستعانة بالمخرج اذن، هل للوجاهة ام الديكور؟ خبرتي تتعدى الـ 50 مسلسلا تلفزيونيا وخمسة افلام سينمائية وخبرة فنية مثار الحديث ثم أفاجأ بعد ذلك بفرض رأي على اختياراتي؟ كيف؟ والمشكلة التي تثير القلق في اعماقي هي كيفية مواجهة شباب المخرجين لهذه القضية. اليست تمثل حكرا على رأيه وعلى ابداعه؟ اليست تقضي على ملكات فكره وانا وابناء جيلي لم نصل الى ماوصلنا اليه الا بعد حق مارسناه في الحرية والابداع وحق التعبير عن انفسنا؟ والامر خطير لانه لو ان المخرج تخاذل امام طلبات النجوم فعند ذلك سيحول الى مخرج منفذ واذا بلغنا مرحلة المخرج الملاكي فلن يكون العمل الفني في حاجة الى مبدع بل الى موظفين وحينذاك تختلط الاوراق وتنتزع الحقوق وتغتصب الحقوق من اصحابها. وفي كل الاحوال انا لا ارفض المناقشة بل ارفض حرماني من حقي ولم اتمسك ذات يوم بمقولة المخرج «عايز كده» ولكني مؤمن بان التفاهم خير وسيلة لتقديم ابداع وعمل فني راق وهذا لن يتحقق الا بانسجام بين كافة الاطراف من مؤلف ومخرج وفنان وحتى بقية الاطراف المعاونة. ويعقب الكاتب اسامة انور عكاشة بقوله: انا مع المخرج في حقه في اختيار الطاقم المعاون لانه اولا واخيرا مسئول عن العمل امام الرأي العام. ومع تقديري لكافة النجوم ويقيني ان الممثل هو اداة يستعين بها المخرج لتوصيل فكر المؤلف الى الناس، واذا حدث تدخل في عمل المخرج فكيف نبيح لانفسنا حسابه في النهاية واذا تغاضينا عن ذلك سنصبح امام عرف في قوة القانون. اليوم يطلب الفنان اجبار مخرج على شيء وغدا يطلب تغييره وبعد ذلك يطلب تغيير بعض المشاهد او الاستعانة بمؤلف آخر. فيصبح المناخ قمة في السوء والفساد وحينذاك لن يقدم فنا حقيقيا. وهذه قضايا خضنا فيها حروبا عديدة وتم حسمها من زمان وقلنا يومها ان المخرج هو المسئول عن انتقاء ادواته لتوصيل النص الى المتلقي اما في السنيما فان المخرج والمنتج هو الذي يعرف الجمهور والشباك وفي كل الاحوال لو وافقنا على ذلك فاننا نعرض مخرجينا للاهانة. ـ وهل تعرضت لمثل هذا الموقف؟ ـ نعم وذلك في المسلسل التلفزيوني «ضمير ابلة حكمت» وكانت بطلة العمل الفنانة فاتن حمامة واختلفت معها فاعلنت انسحابها دون طلب ودون التدخل في اي من التفاصيل لتعطي الدرس والقدوة لبعض الذين تسول لهم انفسهم بالتدخل في الاعمال الفنية. ويقول الكاتب وحيد حامد: لقد عشت عن قرب مثل هذه المشاكل لذلك فانا من المؤيدين لمحمد فاضل والمنادين بالتمسك بحقه لكونه صاحب الحق الاصيل في اختيار فريق العمل وبعيدا عن المؤلف والمنتج، وتجربتي الاولى كانت في مسلسل «العائلة والناس» عندما اعتذرت الفنانة محسنة توفيق فاختار المخرج اسماعيل عبد الحافظ خيرية احمد بدلا منها وكنت غير محرج بذلك على الاطلاق لكون خيرية فنانة كوميدية والدور قمة التراجيديا وبعد نجاح المسلسل ايقنت ان اسماعيل عبد الحافظ كان على حق. وتجربتي الثانية كانت في المسلسل «اوان الورد» اراد الفنان سمير سيف الذي وقع اختياره على هشام عبد الحميد بعد اعتذار محمود عبد العزيز. وللمرة الثانية لم اوافق على هذا الاخيار ولكن جاءت النتائج لتؤكد صحة موقفه وايقنت ايضا ان التوفيق كان حليف سمير سيف لذا اعود وأؤكد ان المخرج هو المسئول الاول ويحق لنا محاسبته عند التقصير. الفنان نور الشريف له رأي آخر يقول فيه: هناك قانون يحكم الجميع وعرف متبع لايجب تخطي هذا او اغفال ذاك لان القانون يؤكد ان صاحب الكلمة العليا في اي عمل فني هو المنتج. من الممكن ان تتوارى كل هذه الامور ويتم حل جميع المشاكل لو ان المنتج نفسه هو النجم لكن العرف الصحيح يقول ان المخرج هو المسئول عن العمل ولكن يظل او يجب ان نضع نصب اعيينا ان العمل الفني في النهاية هو عمل تجاري وهذا هو المجال السينمائي بعينه والفني عامة. ولكن كل هذا يختلف بالطبع في الانتاج الحكومي المتمثل في اتحاد الاذاعة والتلفزيون، فالكلمة الاولى والاخيرة هي للمخرج الا اذا كان النجم هو الذي رشح المخرج فلن يطلب تغييره. وعلينا ان نعلم الجميع بان الفنان مهما وصل من نجومية في بورصة الشارع الفني وخبرته فاقت الوصف هذا كله لا يعطيه الحق في اختيار طاقم العمل ويصبح التفاهم هنا سيد الموقف. ويقول الفنان كمال الشناوي: تدخل الفنان في عمل المخرج ظواهر دخيلة علينا ولم نكن نسمع عنها على الاطلاق وفي عز نجوميتنا لم نكن نستطيع التدخل في عمل المخرج، وعندما كان يريد احد الاصدقاء انتاج فيلم ويدعونا لان نشارك فيه ولو بدور صغير كنا نقبل ونتعاون حتى يخرج العمل بالشكل المطلوب دائما وكانت تجمعنا جلسات تشاور ويتم اختيار افضل وانسب الآراء في جو من الحب ومصلحة العمل. ولقد اراد الفنان يحيى شاهين رحمه الله ذات يوم ان ينتج فيلما بعنوان «الغريب» وكان فيه مجموعة كبيرة من الفنانين منهم ماجدة ومحسن سرحان ويحيى شاهين البطل بالطبع واخراج كمال الشيخ وفطين عبد الوهاب، ولم اتردد حينذاك رغم صغر الدور وعندما قررت انتاج فيلم «وداع الفجر» بطولة سراج منير وفردوس محمد واخراج حسن الامام كان بالصدفة اصغر الادوار يناسب يحيى شاهين وتقبله يومها برحابة صدر غير عادية وكان مدرسا خصوصيا لشادية، والاكثر من هذا انه هو الذي صنع اسمه بعد اسمي لاننا في زمن الفن الجميل لم نعرف مرض النجومية. وتعلق الفنانة الهام شاهين بقولها: ما اسمعه اليوم من تدخل لبعض الفنانين يستثيرني من الاعماق لكونهم وضعوا انفسهم فوق الجميع. والاكثر من هذا انهم شكلوا وصاية على جميع كوادر الفيلم ونصبوا انفسهم على الفيلم بالرغم انهم لايخرجون عن كون احد عناصر الفيلم. وهذه الامور يجب حسمها فعندما يحقق بعض الفنانين او الفنانات طفرة نجومية عمل معين ويحرزون درجة كبيرة من النجاح فانه حينذاك يعتقد انه اصبح من حقه التدخل في كل كبيرة وصغيرة ويعتقدون انهم اصبحوا فوق الجميع وهذا اعتقاد خاطيء، يريدون ان يفعلوا مايشاؤون وهذه اشياء غريبة لم نكن نسمع عنها على الاطلاق، ولكنني لا الوم سوى المخرج الذي يفرط في حق اعطاه له العرف والقانون والرضوخ لتحقيق رغبة نجم او نجمة ويتحول الامر الى مهزلة خاصة اذا اتخذ المنتج من القضية موقف المتفرج لانه مطالب بحسمها ليس لرؤية او غير ذلك ولكن لشيء محدود وهو القانون. القاهرة ـ عبد اللطيف خاطر