بيان الكتب: ولدت فرجينيا وولف في لندن سنة 1882، كانت روائية مبدعة وناقدة عظيمة، بل انها من أكثر النقاد شهرة في زمانها أغواها أخوها لأمها جورج وراودها عن نفسها، ولما نجح في ذلك، تسبب لها بصدمة قوية لم تفق منها ، طوال حياتها وهو ما اعتبرته إفساد لحياتها قبل أن تبدأ ! وذلك أثّر على حياتها فيما بعد مع زوجها وانعكس سلبا على شخصيات رواياتها وأهمها رواية «إلى الفنار» وهي من جانبها وخلال مسيرة حياتها حاولت جاهدة طمس هذه الأحداث من حياتها وكثيراً ما كانت تعاني من الاكتئاب والخوف من الناس وتمشي وهي منكسة الرأس وتخضع للعلاج. منعها طبيبها من القراءة والدراسة ونصحها بنظام بسيط من الحياة مع نزهات قصيرة للترفيه. فالجنون الأكتئابي .. جنون الثرثرة .. اللغو وسماع الأصوات الغريبة .. الحسرة الدائمة الداء العضال، وغيرها مراحل متعددة من المرض مرت به فرجينيا وأحست وقد جاوزت الأربعين أن حياتها أفلتت من يدها .. من أجل ذلك حاولت استعادتها في روايتها «إلى الفنار» ونظراً لمرضها العقلي تعرضت روايتها الى الكثير من النقد والتحليل النفسي وعندما كانت تسيطر عليها تلك التخيلات كانت تعتقد بأشياء لا وجود لها كأن يكون ذلك الهوس والتخيلات نتيجة لافراطها في تناول الطعام فتحرم نفسها منه. عندما توفى والدها ليسلي ستيفن والحاصل على لقب سير سنة 1904 إنهارت وحاولت الانتحار ولكنها نجت وانتهت الى الجنون .. كانت تحبه كثيرا، وهو الذي قام بتعليمها شخصيا .. ثم تكررت محاولة الانتحار سنة 1913 بتناولها مئة حبة من حبوب الفيرونال ونجت أيضاً. مرت بسلسلة من الرجال كادت تتزوج أحدهم، بعضهم مصاب بالشذوذ الجنسي وآخرون يكبرونها كثيراً أول رجل في حياتها كان يكبرها بأربعة وعشرين سنة، زير نساء، يهتم بالفتيات الصغيرات لهذا لم توافق أختها فانيسيا على مثل هذه العلاقة، توفى في سنة 1908 وسبب لها صدمة أخرى، أما الرجل الثاني الذي تعرفت اليه كان ليتون ستراوش فقد كان شاذا، وعندما قارب عمرها على الثلاثين وهي عانس وتعاني من الفشل كتبت الى أختها قائلة: لم أستطع الكتابة .. وخرجت كل الشياطين سوداء كثيفة الشعر، ها أنا في التاسعة والعشرين دون زواج، مثال للفشل، دون أطفال، مجنونة، ولا أجيد الكتابة. تزوجت من ليونارد وولف سنة 1912 وحملت إسمه، وصارت تعرف به لكنه لم يستطع أن يعيد إليها أنوثتها وثقتها بنفسها، فهي لا تزال تعاني من اضطراب في الدور الانثوي ولم تتغلب على الخوف من الرجال، ولم تفلح هذه العلاقة بمد جسورها إلى الحياة الجسدية كما كان يؤمل تحدثت عن برودها العاطفي قائلة: ربما ما زلت الآنسة سي وكان اللوم يقع في النهاية على أخيها جورج صاحب الجرح العميق في حياتها! أسست مع زوجها دارا للنشر من خلالها نشرت كتبها، وكان لها عزاء في ذلك. وخلال الحرب العالمية الثانية .. تلك الحرب التي تكرهها فرجينيا لأنها تذكرها بالفحولة وبالتالي بالرجل المتسلط الذي تمقته في داخلها .. في تلك الأيام التقت العالم النفساني المعروف فرويد وأهداها زهرة نرجس .. ولكن حتى العالم فرويد لم يتمكن من اخراجها من عالمها المريض كانت تود أن تصبح أما والأطباء ينصحونها ألا تنجب وتعرض حياتها للخطر وهذا كان مبعث حسدها لاختها فانيسيا التي تزوجت وكونت أسرة تضم ثلاثة أطفال. نشرت فرجينيا العديد من الروايات أهمها: رحلة في الخارج 1915، الليل والنهار 1919، حجرة يعقوب 1922، مسز دالواي 1925، إلى الفنار 1927، اورلاندو 1928، الامواج 1931، السنوات 1937، بين الفصول 1941 وحاولت في معظم رواياتها تسجيل الزمن والحاضر وتدفقه في خبرة الفرد، حتى عناوين رواياتها كانت تحمل العناوين الدالة على الزمن وأهميته للكاتبة، صاغت رواياتها هذه بشكل محكم التنسيق، مستخدمة الأساليب الشعرية تارة مثل استخدام الصور المرتدة، وتارة بالاقتصار على زمن الحدث. وعكست صور حياتها الخاصة في رواياتها تلك. فسجلت هذه الروائية المبدعة والمجنونة في آن واحد، سجلت بالقلم ما يغلي في أعماق عقلها الباطن، وبصورة تأسر القاريء وكأنها تؤكد للقاريء مقولة ألدوس هكسلي: هذا هو ما كنت أشعر به وأفكر فيه دائما، ولكنني لم أستطع أن أصوغ ذلك الاحساس في كلمات حتى ولا إلى نفسي. وتعرضت فرجينيا إلى النقد الشديد من بعض النقاد بلغ الوصف بأنها بائعة متجولة تروج لمخدرات وأفيون الرأسمالية. كشف زوجها ليونارد وولف بعد انتحارها ومن خلال مذكراتها طريقتها في الكتابة، وأوضح انها تكون شديدة الهياج ومجهدة عند الكتابة، وأنها تعاني من الشعور بالفشل! لخص الدكتور طه محمود طه كتابين عن سيرة حياتها كتبهما أبن أختها فانيسيا والتي كانت فرجينيا تغار منها بشدة، الكتاب الأول تناول حياتها منذ ولادتها حتى زواجها، والثاني منذ زواجها حتى انتحارها. في روايتها «إلى الفنار» موضوع بحثنا والتي تقع في ثلاثة أجزاء هي النافذة، الوقت يمر، والفنار، رثت المؤلفة نفسها ورثت خلود الحب وكانت أكثر رواياتها شيوعاً وتعرضاً للنقد .. هذه الرواية تناولت فيها حياة الأسرة والبحر وهو موضوع عالمي وباسلوب فريد يعكس صلة المؤلفة بوالديها وأسرتها مستخدمة رمزية مغرقة متناولة الحياة والموت وكأننا نقرأ في يومياتها، وفي هذه الرواية اختارت بطلي الرواية مستر ومسز رامزي كنموذجين لوالديها. وقد اختلف النقاد حول رواية «إلى الفنار» ولخص نورمان فريد مان ست تفسيرات مختلفة عن الجزء الأخير من الرواية، إلا أنهم «أي النقاد» أجمعوا على أنها من أفضل روايات فرجينيا وشاركت فرجينيا نفسها بالحوار والنقد التي تعرضت له الرواية وقد اهتمت دائرة المعارف البريطانية بانتاج فرجينيا الأدبي أكثر من اهتمامها بحياتها الشخصية. ووضعت فرجينيا المعادلين الحياة والموت كأساس لروايتها، وعلى لسان الشخصية الرئيسة في الرواية .. الأب، الذي كان يجلس في القارب ويسرد قائلا: نحن جميعا هالكون لا محالة .. بينما يسحق تحت قدميه سمكة من أسماك الماكريل. وتحدثت فرجينا عن الرواية قائلة: هذا العمل قد يكون أمرا عاطفيا: أبي وأمي، والطفل في الحديقة، والموت، والابحار إلى الفنار، وشخصيات الرواية، والطفولة، وهذا الشيء غير الذاتي الذي تجرأت على انجازه بمساعدة الاصدقاء وهو التحليق في الزمن! وحتى يومنا هذا يختلف النقاد حول رواية «الى الفنار» وحولوها إلى قضية تثير الجدل والنقاش . ويرى العديد منهم أن الرواية هي مرآة لشخصية فرجينيا التي أشارت كل الدلائل إلى أنها مضطربة عقليا فالرواية تنضح بالاكتئاب سواء في جوها العام أم في صورها الأدبية كتخيل جمجمة الخنزير المعلقة على الحائط، أو الجثث الملقاة على الطرق، أو العظام البيضاء المحترقة .. وغيرها هذا فضلا عن صور العنف الذي يتعدى حدود العدوان على الانسان ليشمل الحيوان والطبيعة وكأن الكون في حرب عظيمة. أما روث تمبل فترى أن رواية «الى الفنار» هي أكثر روايات فرجينيا أخذا باسلوب الاعتراف! وتضيف أن فرجينيا متأثرة كثيرا باسلوب الروائي الفرنسي مارسيل بروست المتوفى سنة 1922، والأخير هو أحد أبرز ممثلي الرواية النفسية .. وأن فرجينيا وبروست كلاهما يستخدم الذاكرة اللاارادية كمفتاح لصدق الخبرة، وكلاهما يرثي الحبيب الميت ويرثي نفسه كميت كما يرثي خلود الحب في الزمن وفي الفن!! ويقول الفيلسوف الانجليزي جورج مور المتوفى سنة 1958 وهو أحد أبرز المفكرين البريطانيين في العصر الحديث، يقول عن الادب القصصي لفرجينيا: اننا لا نرى الاشياء في قصصها كما هي، بل نرى الاشياء وقد امتزجت امتزاجا لا ينفصم بالرأي نفسه. أما الاضطراب في الدور الانثوي لفرجينيا والذي يعود إلى بدايات حياتها، وبعدما تكونت خبراتها العاطفية مع أخيها غير الشقيق جورج والتي كانت عادة تبدأ في غرفة المكتب وتنتهي في غرفة النوم، تلك البدايات التي كانت تشعرها بالخجل والاحساس بالذنب وتجعلها تمشي منكسة الرأس إنما هو اضطراب في الموقف الاوديبي، أدى إلى اضطراب مصاحب في الشخصية وأدى في النهاية إلى رغبة لا شعورية في أن تصبح رجلا أوصلها إلى أن تعيش علاقات حب وغرام مع بعض الصديقات . .. تلك الرغبة إلى أن تصبح رجلا هو المعادل في الرواية إلى الوصول للفنار .. ذلك الحدث الرئيسي في الرواية والممثل في رغبة وأمل الصبي جيمس ثم أمل جميع أبطال الرواية .. ذلك الأمل الذي لم يكن يعيق تحقيقه سوى عدم ملاءمة الجو تارة وتعسف الاب تارة أخرى. فالفنار رمز ذكرى، والماء يرمز إلى العودة إلى رحم الأم حيث الجنين محاطا بالماء في الرحم .. والذي يؤيد ذلك هو أن الصبي جيمس أبن مستر رامزي يصبح فتى مكتمل النمو الجنسي بعد وصوله إلى الفنار !! كما أكدت فرجينيا الصلة بين رواية «إلى الفنار» وبين أسرتها ويرى النقاد أن شخصية ليلي في الرواية تمثل شخصية فرجينيا والتي تقوم بملاحظة والدها مستر رامزي. الجزء الاول من الرواية والمسمى بـ «النافذة» والمكون من 200 صفحة تقريبا ويمثل بذاته رواية مستقلة، استخدمت فيه فرجينيا العديد من الرموز أولها عنوان الرواية «النافذة» وهي وسيلة الاتصال بين النفس الصافية، نفس فرجينيا والمجتمع الذي تحبه وتعيش من خلاله. أما الجزء الثاني من الرواية الأم والمسمى الزمن يمر فان فرجينيا وعلى لسان الراوية تستمر في التحليق بأفكارها على امتداد الكرة الأرضية والكون بأجمعه متخطية كل الحواجز لترسم صورا بديعة مبتكرة من النواحي الأدبية، الا أنها وفي نفس الوقت غريبة من النواحي النفسية وهكذا تستمر فرجينيا بالتحليق في شخوص روايتها حتى تصل إلى الجزء الثالث والأخير في روايتها «الفنار» لتضّمن هذا الجزء الدلالات والاشارات التي تؤكد وجود اضطرابات عقلية لدى المؤلفة مثل سماع شخصيات الرواية أصواتا ورؤيتها أشباحا وغيرها وهو ما كان مادة خصبة للنقاد الذين تناولوا هذا الأثر الأدبي الكبير بالنقد والتحليل، ومرجع ذلك إلى أن الأمر يعود إلى وجود الربط بين الأثر وعالم الواقع، عالم الاغتراب الذي كانت تعيشه المؤلفة حتى لكأن فرجينيا في كتابتها لرواية «الفنار» انما تقوم بنوع من العلاج لنفسها والرواية بعد ذلك تتضمن كما هائلا من الاكتئاب والرغبة في الموت ممثلا بالابحار في المياه للوصول الى الهدف «الفنار» أو قل الموت ... وهو ما ترجمته المؤلفة على أرض الواقع والتنفيذ!! ففرجينيا التي كانت تعاودها النوبات العقلية وسماع أصوات علوية غريبة تدعوها الى سلوك طريق الموت .. وقبل أن تنتحر للمرة الثالثة والأخيرة كتبت رسالتين الأولى لزوجها والثانية لأختها فانيسيا تخبرهما: انها عادت تسمع من جديد تلك الأصوات التي تزعجها ثم ألقت بنفسها في نهر أوز بالقرب من مسكنها بعد أن وضعت عصاها جانبا وملأت جيوبها بالحجارة لتضمن لنفسها غطسا مميتا، منهية بذلك حياتها غريقة سنة 1941. إعداد ـ كريم السماوي