بيان الكتب: فيفيان فورستر، روائية وباحثة. نشرت عدة عشرات من الكتب من بينها كتاب «الرعب الاقتصادي» الذي تمت ترجمته الى خمس وعشرين لغة، ونالت المؤلفة عليه جائزة «ميديسيز» للدراسات عام 1996. ومن كتبها الاخرى «سيرة حياة فيرجينيا وولف» و«عنف الهدوء»، و«هذا المساء، بعد الحرب».. وتعمل المؤلفة حاليا ناقدة ادبية في صحيفة «لوموند» الباريسية المعروفة، وهي احد اعضاء لجنة المحلفين لجائزة «فيمينا» الادبية. في هذا الكتاب «دكتاتورية الكسب، دكتاتورية غريبة» تواصل المؤلفة الاطروحات التي كانت قد قدمتها في كتابها السابق «الرعب الاقتصادي». وهي تحاول ان تبرهن في هذا الكتاب الجديد بأنه لاتزال هناك امكانيات لمقاومة النظام السياسي الليبرالي «المتطرف» الذي يجري تمويهه وراء تعبير «العولمة».. وتطالب بالوقت نفسه بضرورة النضال ضد ايديولوجية «مدمرة» ترى بأن «الكسب عن طريق المضاربة ممارسة لابد منها مع التركيز على الدور «القيادي» للتمويلات، ولا تتردد المؤلفة بوصف الحالة القائمة بأنها ضرب من «الجنون» يترك نصف البشرية في حالة بؤس مطلق ويدفع اعداداً متعاظمة من العاملين الى واقع العيش بما هو «ادنى من عتبة الفقر».. والذي، وهذا هو اخطر ما في الأثر يخرب القطاعات الاكثر ضرورة بالنسبة لأية حضارة، اي قطاعي الصحة والتربية اللذين يتم النظر اليهما بأنهما مصدر لـ «العجز العام» في الميزانيات. تجدر الاشارة الى ان هذا الكتاب لا يحتوي على مقدمة او خاتمة او فصول، وانما هو عبارة عن «نص» تستطرد فيه مؤلفته من بدايته الى نهايته دون اي عنوان فرعي وعلى مدى «220» صفحة من القطع الصغير. وقد بدا هذا العمل مثل مرافعة متصلة للمؤلفة ضد نزعة ليبرالية متطرفة او «دكتاتورية ليبرالية متطرفة» تعطي الاولوية للكسب على حساب «الانسانية جمعاء». الملاحظة الاولى التي تقدمها المؤلفة تتمثل في القول: بأن «النظام الايديولوجي القائم على مبدأ قدرة الاقتصاد المسمى باقتصاد السوق على اجراء عملية ضبط ذاتي، انما هو نظام يثبت عدم قدرته على ادارة شئونه وعلى السيطرة عما ينبعث منه...»... باختصار ترى المؤلفة بأن «المنظومة الليبرالية المتطرفة» عاجزة عن ايجاد «الحد الادنى من النظام على ما تصر ان تفرضه». ان مثل هذه الآراء تبدو بوضوح بمثابة «سباحة ضد التيار» اذ يسود الاحساس بأنه من العبث الكبير محاولة التشكيك بـ «العولمة» فكيف بالاعتراض عليها؟!. مع هذا كله، ورغم هذا كله، ترفض مؤلفة هذا الكتاب ان ترى ما يجري في العالم حولنا هو بمثابة قدر... وانما تراه مجرد «نظام سياسي جديد»، تتمثل الفكرة المركزية فيه بـ «فتح السبيل دون اية عوائق امام الكسب». كما ترى بأن «العولمة»، التي يفترض ان تؤدي الى «تحديد حالة العالم» انما تقوم بـ «التعتيم على هذه الحالة». ثم ان العديد من المؤسسات التي تقدم المؤلفة نماذج منها مثل «سوني» و«الكاتيل» و«اكاي» وغيرها، تقوم بعمليات صرف عدد من العاملين فيها تحت عناوين عريضة مثل ان «العولمة تقتضي...» و«المنافسة تستوجب...».. ودائماً على قاعدة ايديولوجية ذات طبيعة ليبرالية متطرفة. وعلى قاعدة المنطق نفسه ترفض المؤلفة مقولة «نهاية التاريخ» التي كان المفكر الامريكي من اصل ياباني فرنسيس فوكوياما، اول القائلين بها، وذلك على اساس ان سقوط الشيوعية عنى الانتصار النهائي والاخير للرأسمالية، اي ما يعني نهاية الصراع بسبب عدم وجود خصم. ان المؤلفة ترى في مثل هذا القول نوع من «قسر» التاريخ الذي هو «باستمرار عربة تسير في حركة دائمة، وهذه الحركة الدائمة هي التي تحدد التاريخ الذي لا يمكن بأي حال من الاحوال «تثبيته» على «حلقة» من حلقات سيرورته. وبالتالي ان البشر لا يعيشون «نهاية التاريخ». بل على العكس انهم يشهدون اكبر حالات «فورانه». ذلك ان الفترة الحالية، لا تشهد مجرد ازمات يمر بها المجتمع وانما نحن امام «حالة تبدل حضارة» كانت قائمة على العمل والاستخدام اللذين يتناقضان مع «اقتصاد المضاربة» السائد اليوم. ان «الخلل» يبدو اليوم وكأنه ذو طبيعة «بنيوية». ومن المقولات التي تتعرض لها المؤلفة بالتحليل والنقد والتفنيد المقولة الليبرالية المتطرفة القائلة «ليس هناك اي بديل لاقتصاد السوق». هذه «مقولة لا تقوم على اساس» تقول لنا المؤلفة ذلك لان «اقتصاد السوق» يغطي في الواقع اقتصاداً يقوم على مضاربات البورصة مما «ينسف» عملياً مضمونه. ثم ان التأكيد على الـ «لا بديل» انما ينم عن «عقلية ستالينية» وعن خطاب «ذي طبيعة دكتاتورية» مهما كان النظام المعني، وفي هذه المرحلة الراهنة من المسار التطوري الانساني تحاول النزعة الليبرالية المتطرفة بقدر من النجاح حاليا «التحرر» من اي اهتمام اقتصادي حقيقي بل وتحاول «تحريف» معنى تعبير «الاقتصاد» ذاته والمرتبط حتى الان بحياة البشر بينما يراد «تقليصه» بحيث لا يعني سوى «السباق الى الكسب». وفي المحصلة ترى مؤلفة هذا الكتاب بأن العالم يشهد اليوم «ارتسام» منظور قيام «نظام ذي طبيعة تعسفية» مؤهل على فرض «وسائل القمع» التي تطالب بها قوته «المالية». وذلك دون ابراز اي شيء يمكن ان يدل على نية تثبيت الايديولوجية «القهرية» لهذا النظام. بل على العكس يتم التأكيد على تبني سياسة «واقعية» رغم فعل كل شيء من اجل تعزيز هيمنة «أقصى اشكال اللامبالاة المثيرة للدهشة للواقع ذاته». ومثل هذه السياسة مؤهلة. وقادرة، على قاعدة «البعد الواحد» الذي تتأسس عليه، على القيام بعملية «طلاق» مع الديمقراطية، ولكنها ـ اي سياسة دكتاتورية الكسب ـ تتمتع الان بدرجة من القوة تجعل من غير مصلحتها وضع الديمقراطية جانباً. بتعبير اخر لايزال «الديكور» الديمقراطي مفيداً... وهو «مفيد» ايضا بالنسبة لاولئك الذين يريدون «التحرر» من هذه «الدكتاتورية الغريبة التي ترى بأنها لاتزال تستطيع، طالما هي قوية، تحمل وجود اطار ديمقراطي». الشعار المرفوع في المرحلة الراهنة من قبل اركان «اقتصاد المضاربة» وكل جحافل المنظرين «التابعين» لهم، وبما يملكونه من وسائل اعلام وغيرها، هو «ضرورة التأقلم» و«التأقلم اكثر فأكثر.. ودائماً».. ولكن التأقلم مع ماذا؟. «مع الامر الواقع ومع الضرورات ـ الحتميات ـ الاقتصادية، ومع نتائج هذه الضرورات، وكما لو ان الفترة كلها قائمة على الضرورة الحتمية.. وان التاريخ قد وصل الى نهايته والحقبة قد اكتملت، باختصار التأقلم مع اقتصاد السوق، والمقصود مع اقتصاد المضاربة». لكن «دكتاتورية الكسب» تقود نحو «اشكال اخرى من الدكتاتورية».. ومع ذلك تقوم بتثبيت مواقعها بسهولة «مثيرة للدهشة والقلق». وهي تستخدم من اجل ذلك «وسائل في غاية البساطة» في مقدمتها «السرية». اذ وحتى لو كان الكسب هو «مفتاح كل شيء، وانه ذو حضور دائم فانه يبقى «غائباً» في الخطاب الرسمي. ذلك لان الجميع يعتبرونه بمثابة واقع «متجذر» الى درجة انه من البداهة عدم الحديث عنه فـ «حق الكسب الموجود ضمناً ـ سرياً ـ باستمرار... غدا بمثابة حق مطلق». ويتخذ هذا «الحق» احيانا صيغاً مختلفة مثل «خلق الثروات» التي يفترض ان «تعم خيراتها» على الانسانية كلها. لكنها في الواقع، وكما تراها المؤلفة، مجرد «ثروات» تزيد من غنى «المقاولين» وممثليهم في البورصات. ان «الاكثر بؤساً» في العالم هم الذين تقع عليهم اسوأ نتائج «دكتاتورية الكسب». «البؤس» و«الازدراء» يدفعان بالملايين نحو حالة هي اقرب ما يكون بـ «العبودية» رغم تزايد الحديث عن «حقوق الانسان». تقول المؤلفة: «ان السهولة التي تم بها استعباد الاكثر نفراً من قبل سلطة استبدادية تثير الدهشة في ظل غياب اي قلق او رد فعل مع الصمت حيال الاعتداء المستمر ضد حقوق الانسان. غياب هذا كله يثير القلق اكثر من الوقائع نفسها لاننا على تخوم البربرية حيث تتم معاملة بشر وكأنهم من مرتبة ادنى ـ ما دون انسانية ـ من قبل بشر آخرين»