بيان الكتب: ترتبط مؤلفات جمال باروت، بدءاً من «يثرب الجديدة»، ومروراً «بأطياف الحداثة»، وصولاً الى مؤلفه الاخير، الذي بين ايدينا، بخطاب فكري واحد جامع، موضوعه الحداثة العربية، بكل تجلياتها: سيرورة فعلية، وايديولوجيا، وبمنهج واحد، ينطلق من معايير نقدية لهذه الحداثة. في كتابه الاخير (الدولة والنهضة والحداثة) ، يحاول ان يؤصل نقده ارتكازاً على نقد (الاصل): الحداثة الاوروبية، ليلتفت الى خطاب ما بعد الحداثة نفسه، وكأنه يريد ان يتفحص ادواته المفهومية النقدية، ليضع نفسه على مسافة من التحولات الايديولوجية لما بعد الحداثة، عبر نقده لها. يأتي نقد باروت للحداثة من داخلها، وليس من خارجها، ونقده لا يستهدف، من حيث الجوهر، سيرورتها، بل ايدلوجيتها. فالحداثة كسيرورة تاريخية: شأن دنيوي وزماني وعلمي، وليس لها خطاب سوى ديناميتها ذاتها، فهي تستبعد اية غاية خارجها. ولكن الحداثة ليست مجرد تاريخ سيرورتها بل هي ايضاً تاريخ ايدلوجيتها، التي شيدت اسطورتها الخاصة تحت يافطة العلمانية، والعقلانية، ففرضت انجيلاً جديداً ليحل مكان المقدس، وذلك بتحويلها العقل التنويري الى اسطورة دينية باهاب علماني دنيوي، والحال ان الانسان ليس مجرد عارف بل هو متخيل، يشكل المقدس احد جوانب اجتماعه، وان العقل المفتوح هو نمط التعامل الوحيد بين العقلاني، واللاعقلاني، وهو ما يفرض علينا الانتقال من العقل ـ النظام الادائي الى العقل المتجاوز النقدي، فبدون الذات يصير العقل اداة للقوة والاستعباد. بالاضافة الى ذلك فان ايديولوجيا الحداثة قدمت مفهوم الدولة ـ الامة الذي يقوم على مفهوم اندماجي تجانسي للأمة، بحيث ينتج تمازجاً جديداً ممركزاً حول الدولة ـ الامة، وتصهر جميع الهويات المختلفة في هوية واحدة، في اطار تنظيم الامة حسب «مخطط عقلاني»، يوحد ويجانس الافراد حول كلية نوعية جديدة، والحال ان الاندماجية والتجانس ليس في الواقع الا من الاوهام الايديولوجية المركزة للدولة، الامة في مفهومها للهوية، والحال ان الرهان الحقيقي هو سعي الدولة لانتاج مركز للهوية يتخطى هذا المفهوم الدمجي المفتعل، تتمكن فيه مختلف الهويات من العثور على مكان لها فيه.كما يعتبر باروت ان احد مجلوبات ايديولوجيا الحداثة، هو المثقف الرسولي، الطليعي، الذي يستبصر قوانين التقدم التاريخي، ويقف امام الامة، او الطبقة كطليعي، ووصي عليهما! فضلاً عن ذلك، فإن الحداثة الغربية شكلت مفهوماً عن ذاتها تحولت فيه الى مركز للعالم، ومآل تقدمه، ومن هنا قام مفهومها للتثاقف على انكار النسبية الثقافية، ونظرت الى اختلاف الثقافات على اساس تفاوت معياري ما بين الانا الاوروبي المتحضر والاخر الهمجي. واسست فكرة التفوق الاوروبي، وعبّر عن هذه النظرة المتمركزة على الذات الاستشراق، الذي حكم كل حقول الفكر الغربي المتمركز على ذاته، تجلّى ذلك في النظرية العرقية على شكل قطعة عروق عليا/عروق دنيا. وفي فلسفة التاريخ على شكل قطبية مجتمعات تاريخية/ومجتمعات دون تاريخ. وفي الانثولوجيا في شكل مجتمعات متحضرة/ بدائية. والحال، ان حضارة عالمية لابد ان تقوم على تعددية الثقافات، واختلافها. فالاختلاف بين الثقافات ليس تفاوتاً، اذ لا يوجد معيار مطلق للحكم على ان ثقافة ما هي ارقى من لاخرى، وان كان هذا لا ينفي وجود ضعف في تحرك بعض الثقافات لاسباب تاريخية واقتصادية فحسب. لا شك، ان باروت قد استعان في نقده للحداثة ببعض الادوات التحليلية «لمدرسة» ما بعد الحداثة، وذلك كمفاهيم اجرائية، مع حرصه على وضع مسافة بينه وبين تحولاتها الايديولوجية، فهو ميّز بدقة بين مرحلة ما بعد الحداثة كسيرورة فعلية، وبينها كايديولوجيا تنشئ مصفوفة جديدة من المعتقدات عن تلك السيرورة، ففي الايديولوجيا تتحول ما بعد الحداثة الى مصطلح قيمي معياري، تبدو فيه ما بعد الحداثة وكأنها صورة معكوسة للأيديولوجية التي تنتقدها، فيستعير هنا قول ادوارد سعيد الذي وصف التفكيكية في امريكا بأنها مذهب جامعي تماماً. فهي راديكالية شكلاً ومحافظة فعلاً، تقوّض ميتافيزيقيا الحداثة، وفي الوقت نفسه تعزز آلية السيطرة في المجتمع ما بعد الصناعي، ولصالح تفكيك المجتمعات، والدول، وكأنها ايديولوجيا مفصلة على مقاس العولمة. وفي دعوتها عن «نهاية المثقف» تذهب بعيداً في تحويل المثقف الى خبير، والحال ان الفاصل بين المثقف الخبير، والمثقف المخبر ضئيل جداً، وان دعاة العلم الحيادي تحولوا الى خدمة الشركات والجيوش العملاقة. فوظيفة المثقف الحقيقية تتخطى باستمرار المختص والخبير، والعالم، وتتجلى اليوم على الصورة التي يعبر عنها ادوارد سعيد، وشومسكي، وتودوروف التي تدافع عن طبيعة المثقف النقدية، والتي لا تجد تعبيراتها، الا في الانخراط في قضايا العالم وتناقضاته، يتخطى فيه المثقف وظيفة الخبير، وصورته الرسولية، الى صورة مثقف تجاوزي، يستعيد نقديته الشاملة. الاصلاحية الاسلامية، واحتمالات علمنة اسلامية وعلى قاعدة منظوراته النقدية للحداثة، وايديولوجياتها، يعاين نقدياً ايديولوجية الحداثة العربية بتفرعاتها: النهضة، الاصلاح الديني، الفكر القومي. فهو بعد ان يميز بين العلمانية بدلالتها الزمنية الدنيوية، بوصفها سيرورة تاريخية تنطبق على كل المجتمعات، وبين العلمانوية كايديولوجية تنكر المقدس، والبعد المخيالي للمجتمع، وتضع الدنيوي ضد الديني، وتفصل بين الدين والدنيا والدولة، بعد هذا التمييز يموضع باروت خطاب الاصلاحية الاسلامية في فضاء المضمون الاول: العلمانية. ويموضع خطاب الحداثوي العربي في المصفوفة الثانية: العلمانوية. فيسترجع لحظة تمزق الثقافة العربية بين نخبتين حاول اولها تبيئة مفاهيم الحداثة عن طريق تأويل «التراث»، ليترجم فيه الوافد الى التربة الثقافية المحلية، وثانيها ترجم هذه الافكار الوافدة كما هي، متماهياً بها وبأحكامها، فيذكرنا بالمناظرة بين فرح انطون، ومحمد عبده عام 1902. التي عكست نظرتين مختلفتين تجاه العلمنة. لقد حكم منظورات انطون نموذج العلمانوية المعتقدي، واستقى نموذجه الراديكالي علمانية الجمهورية الثالثة الفرنسية، فافترض ان المدينة الحديثة ثمرة الفصل بين السلطتين: الدينية، والمدنية، وبين الدين والدنيا. بينما اقترب اسلام عبده من الدين المدني، او يفضي اليه، اذ اطلق اقصى ما يمكن ان تحتمله منظومته الاصلاحية لاطلاق البعد الدنيوي، القائم على مفهوم الفرد الحديث، انطلاقاً من ان الاسلام يحض على العمل، ويعتبره واجباً دينياً، ويصالح بين الدين والدنيا، فاسلام عبده ـ حسب باروت ـ هو ما يمكن تسميته بدين الرجل الدنيوي المؤسس على الفردية. حينما حرر الفرد المتدين من اية مؤسسة دينية، نافياً بحزم وجود اية سلطة دينية في الاسلام. والخليفة نفسه لا يملك اية سلطة دينية، كما هي عند البابا .. ولقد اعتبر البروتستانتية نفسها مقتبسة من الاسلام. فاستأنست الاصلاحية الاسلامية بالاصلاح البروتستانتي، الذي نفى لاهوتياً المؤسسة الدينية، واطلق آلية علمنة العالم وعقلنته، واسترجع عبده نظرية مقاصد الشريعة للإمام الشاطبي، التي تأخذ بالاعتبار مصالح الجماعة، ولم يدع مجالاً للشك في مطابقته بين الشورى والديمقراطية. ولقد حافظ الامام عبده، في تبنيه لمضمون المؤسسات الليبرالية، ويشكل ذلك جزءاً من آليته الاصلاحية في تبيئة المفاهيم الوافدة، وجعلها تنتظم في المرجعية الاسلامية، بطريقة لا تعود معه «وافدة» او «غريبة». يذهب باروت الى ان اصلاحية محمد عبده افضت الى فتح افاق العلمنة من حيث انها تعني الزمنية والدنيوية، واستقلالية العالم. لذا سمّاها «علمانية اسلامية»، علمانية تمر عبر الاصلاح الاسلامي، وليس ضده. وكانت هذه التربة الفكرية بمثابة الاتجاه العام لمفكري الاصلاح الديني، وفي مقدمتهم الافغاني وارسلان، والكواكبي، ولقد استخلص تلاميذ عبده نتائجها القصوى وهو ما ظهر عند علي عبدالرازق، وقاسم امين. ويصل باروت الى نتيجة مفادها، ان العلمانية الاسلامية كانت احتمالاً ثانوياً ومكاناً في خطاب الاصلاح الاسلامي، بسبب منطقه الذي فتح الباب امام استقلالية العالم، وعلمنته، وامام مدنية السلطة، وديمقراطيتها، ولكن لم يقيض لهذا المنطق اللاهوتي ان يندمج في وعي الجمهور، كما جرى لمثيله البروتستانتي، كما ساهم في قطع هذا الاحتمال التطورات الكبرى لما بعد الحرب العالمية الاولى، ولاصطدامها براديكالية اجتماعية وسياسية لاحقاً، ولكن هذه التجربة المغدورة تجعلنا، كما يقول باروت، نفكر بعلمانية اسلامية كاحتمال قائم، وممكن، اذا توفرت البيئة السياسية المناسبة، خاصة في ظروف التطلب عليها، بعدما شهدنا اخفاق التجارب الراديكالية العلمانية، وصعود الجهادية الاسلامية. من الاصلاحية إلى التكفيرية يتعقب باروت التحولات التي اصابت المفاهيم الاسلامية، عبر تدرجات معقدة الى الاسلاموية، وكيف تم الانتقال من انفتاح النص الاسلامي على العلمانية، والديمقراطية، والدستورية، الى خطاب مغلق ثيوقراطي تمركز بمجمله حول «مهفوم الحاكمية»، فمع سيطرة النظم الشمولية العربية، الكليانية، تناغم معها اصطفاف اسلامي حول «الحاكمية لله» ليرفع الشأن السياسي من الجماعة الى ما ينوب عن الله. انتقالاً من خطاب المودودي الى سيد قطب يصبح الخليفة، ليس خليفة للنبي، او وكيلاً عن الجماعة بل نائباً لله، وننتقل من تكفير الحاكم الى تكفير المجتمع نفسه، ويرتبط المضمون التفكيري لمفهوم الحاكمية بالسيد قطب، وبورثته من بعده. والحال ان الدولة الاسلامية المرتكزة على مفهوم الحاكمية، لا تتعدى ان تكون نمطاً للدولة التوتاليتارية الاوروبية وصورة مقلوبة للدولة العربية الشمولية، بعد اعادة انتاجها باهاب اسلامي. النظرية القومية التقليدية ومآلها يصف باروت «النظرية القومية العربية» كما انشأها الرواد بالنظرية القومية الثقافية، اشتقت نظرية الامة من وحدة اللغة، ولم تكترث بدور الدولة، لانها اهتمت بعلائم الوحدة فوجدته في اللغة وذلك في ظل التمزق السياسي الى دول، وهو ما يقربهم الى فخته والنظرية اللغوية. فضلاً عن ذلك فان كل واحد من الرواد مزج هذا العامل الاساسي، بعامل اخر. فقد تجلّت تلك النظرية بأشكال مختلفة، امتزجت عند الحصري بالتاريخ. وعند الارسوزي بالجنس، وعند زريق وعفلق بالروح والرسالة التي تحملها. والجميع اغفل خطورة الدولة، ان كان في وحدة الامة، او كعقبة في طريقها، فالجميع رأى امكان تحقق الدولة الواحدة، بمجرد ان تعي الامة حقيقتها. من هنا لم تستطع النظرية القومية العربية التقليدية معرفة كنه الدولة القطرية، بل اعتبرتها مجرد هيكل كرتوني زائل. وقد قبل هؤلاء الرواد الصيغة الاتحادية كصيغة ممكنة بين اقطار الامة المجزأة. وهذه ميزة يسجلها باروت لهم. ويمكن ان نضيف الى ما قاله باروت، ان هذه النظرية لم تفتقر فقط الى الاحاطة بالظروف المعقدة التي تحيط بوحدة الجماعة العربية، بل انها رغم تركيزها على عامل اللغة، والثقافة، فهي اغفلت المضمون العربي الاسلامي لهذه الثقافة، بل ان بعضه كالارسوزي جعل نموذجه الفترة الجاهلية، وهو ما اعطى انطباعاً وكأنهم وضعوا تعارضاً بين العروبة والاسلام، وهي مسألة استثمرها الاسلاميون ضدهم، في الوقت الذي افقر نظريتهم. يذكرنا باروت بما يسميه المرحلة الشعبوية للنظرية القومية، التي مزجت الاشتراكية بالوحدة، واعطت للأخيرة طابعاً طبقياً، واختارت الطريقة البروسي للوحدة، فوصلت، بالنهاية الى طريقة مسدود. فيعيدنا باروت مجدداً الى احتمالات النظرية الثقافية، بعد ان نتجاوز القطع الذي الحقه النسق القومي الشعبوي بها، وان نستلهم نسقها اللغوي ـ التاريخي ـ ما دام العرب ينظرون الى انفسهم كجماعة عربية بعد تقشيره من المركزية الاثنية، ليعاد بناؤه في علاقة جديدة ما بين الدولة والامة، في اطار دولة تفتح حضنها لتعدد الثقافات والقوميات ويشير باروت، بحق، ليس للعرب اليوم دولة بل امة تعيش في دول متعددة، وبدون تحول الدولة القطرية الراهنة الى طرف في فيدرالية عربية، مترافقاً مع احياء هيئات المجتمع المدني العربي، فستتحول هذه الدولة القطرية مع نخبها الى جسر للطبقة الدولية المسيطرة. فالتصور الممكن للعمل القومي العربي هو ان تنخرط الدولة القطرية في اطار فيدرالي عربي يحترم خصائص الاقطار وتباينها ويواجه آلية العولمة لتحقيق مصالح الجماعة العربية، وسيطرتها على مصدرها وان تكون قطباً في هذا العالم.