بيان الكتب: عمل بيير لوتييه لسنوات نائباً لمدراء الامن الخارجي الفرنسي وهو يعمل الآن مستشاراً لدى العديد من الشركات الفرنسية الكبرى. وفي هذا الكتاب يتحدث بيير لوتييه للمرة الاولى عن نشاطاته السابقة كأحد «رجال الظل» الذين تبوأوا مناصب كبيرة. وهو يحاول الاجابة، على عدد من التساؤلات التي تشغل اذهان الكثيرين في فرنسا واوروبا بل وابعد منهما لدى جميع اولئك الذين لهم علاقة ما بأهم شركة نفطية فرنسية «الف اكيتين» ذات الامتداد العالمي. فهل كانت هناك عمليات رشاوى ونساء في العلاقة بين الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران والمستشار الالماني السابق هلموت كول اثناء عملية شراء شركة «الف» لمصفاة بترول «لونا» الواقعة في المانيا الشرقية «سابقاً»؟ وهل تم تحويل «الاموال السرية» الى حساب «بيير لوتييه» في «لختنشتاين» كما قيل ورددته وسائل اعلام كثيرة؟. وكما هو الحال بالنسبة لمثل هذا النوع من الكتابة الخاصة بعالم الاسرار ورجاله تختلط السيرة الذاتية للكاتب مع عرض الاحداث والوقائع التي يناقشها.. والموضوعات المطروحة في هذا العمل تخص في الواقع مسائل حساسة تخص الممارسات المالية للمسئولين السياسيين واصحاب القرار الاقتصادي وآليات الاستثمارات الدولية.. وبهذا المعنى يرفض «بيير لوتييه» المؤلف، ان يلبس ثوب المذنب الذي تم تفصيله «على قياسه» باختصار لقد قرر «ان يتكلم» وهذا ما عبر عنه في الصفحات التالية، سوف يتحدث «الجاسوس» عن طبيعة العمل الحقيقي لرجال الظل بينما سيحكي «رجل العمولات» ما يعرفه عن «قضية الف». التحق المؤلف بعد انهاء دراسته الثانوية بمنطقة «الجورا» الفرنسية الجبلية القريبة من الحدود السويسرية، بكلية «سان سير العسكرية» كي يتخرج منها ضابطاً في اواسط عقد السبعينيات الماضي. ولكن بدلاً من ان يلتحق بكلية عسكرية قتالية عادية وجد نفسه من جديد يتعلم مباديء الحرب الالكترونية التي تتماشى بالاحرى مع عمل الاجهزة السرية.. ثم مباديء الاعمال الادارية في المدرسة الوطنية العليا للادارة بفرنسا.. يقول: «من وقت لآخر، كان يتم استدعائي من قبل اشخاص بلباس مدني لم اكن اعرف عملهم وهويتهم الحقيقية حيث كانوا يمتحنون خبراتي ومؤهلاتي ثم يرسلون تقاريرهم الى جهات غامضة. وذات يوم اخبروني بانه قد تم قبولي في الجهاز السري للجمهورية الفرنسية». هكذا اصبح بيير لوتييه» ضابطاً في مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس. كانت اولى المهمات التي اوكلت اليه هي مساعدة موريتانيا بطلب من الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، على تعزيز دفاع بلادها ضد مخاطر هجومات «البوليساريو»، اي مقاتلي الصحراء الغربية. وقد اختاروه لتلك المهمة على اساس انه كان عازباً عليه ان يقيم في العاصمة الموريتانية «نواكشوط» لمدة عام حيث يشرف على تشكيل وحدة من الاجهزة السرية بالتعاون مباشرة مع رئيس الدولة آنذاك العقيد «ولد هيدالة» هكذا تدرب لفترة اشهر عديدة على مستلزمات العمل في ظروف جديدة. وفي النهاية الغيت المهمة لكن كان التحضير لها شديد الفائدة اذ وجد الضابط ـ المؤلف نفسه الى جانب الكولونيل ـ اصبح جنرالاً فيما بعد ـ الا دو موريل» مدير الاستخبارات الفرنسية، وبصفة مساعد شخصي له حتى عام 1981، عام وصول فرانسوا ميتران الى منصب الرئاسة الفرنسي. ثم تابع العمل مع ثلاثة مدراء عامين آخرين لجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية. لقد كان المؤلف ـ ضابط الاستخبارات السابق شاهداً كما يروي على احداث كثيرة وعلاقات واعمال على مستوى القمة. وضمن هذا الاطار حامت حوله الشكوك بانه كان على علم بعملية «الرشاوى والفساد» التي تمت حول شراء شركة «الف اكيتين» الفرنسية البترولية لمصفاة النفط الالمانية ـ الشرقية سابقاً ـ المعروفة «لونا» بل وانه هو نفسه الذي قام بتسليم المستشار الالماني السابق هلموت كول «حقائب» تحتوي على كميات كبيرة من الاموال مصدرها قصر الاليزيه وشركة النفط الفرنسية. انه يعود الى بداية التحقيقات معه في مطلع شهر اغسطس من عام 2000. وحيث كانت مفاجأته امام قاضي التحقيق كبيرة عندما شاهد على المكتب «اوراق حساباته المصرفية وملفاته الخاصة» التي عرف فيما بعد بان القاضي لم يحصل عليها من العدالة السويسرية التي كان قد عهد لها بها، وانما من قبل «خصومه» وما يؤكده المؤلف ضابط الاستخبارات السابق هو ان السلطات القضائية المعنية «لم تكن تريد ان تعرف اي شيء عن حقيقة القضية التي يتم التحقيق بشأنها. في ذلك اليوم اخبره المحقق بانه «رهن التوقيف» وحاول الشرطي وضع القيد بيديه عندما اخبره: «انني اجهل استخدام هذه الاصفاد اذ انني لم اتعلم استخدامها في سان سير ـ اي الكلية العسكرية الفرنسية ـ لقد اقتيد طليق اليدين الى مكاتب التحقيق الخاصة بـ «القضايا المالية» وهناك وجد نفسه في النهاية باحدى الزنزانات. عن تجربة التوقيف يلخص المؤلف الفترة التي امضاها بالقول: «ان الزمن لا يمر في السجن ولكنه يركد» كانت «تجربة» استمرت عدة ساعات فقط لكنها كانت ثقيلة جداً بالنسبة لشخص كان قريباً من مراكز القرار، اذا لم يكن احد هذه المراكز. انه لا يذكر منها اي «جمال» سوى تلك الابتسامة «العسلية» التي منحتها له امرأة عبرت الممر حيث كان «موقوفاً» وقد فهم فيما بعد بان مرورها لم يكن صدفة، اذ انها كانت المحامية التي حاولت في ذلك اليوم دون ايداعه السجن كما كان يريد قاضي التحقيق وممثل الشرطة المالية.. اذ انها استخدمت بنود «الاتفاقية الاوروبية لحماية الشهود»... وكان قد تم استدعاؤه كشاهد فقط. وكانت نصيحة المحامية الشابة له صريحة اذ قالت له بان «عليه ان يغادر باريس بأسرع ما يمكن، اذا كان لا يريد ان يمضي عدة اشهر في ظلام السجن» ويشير المؤلف في هذا السياق بان صحيفة «لوموند» الفرنسية كانت قد اعدت مسبقاً صفحة كاملة لقضية «اعتقاله» و«ايداعه السجن»، وحيث ان الصحافة كانت على «علم مسبق» بالقضية. اما بالنسبة لقضية «إلف» فان مؤلف هذا الكتاب المعني بها مباشرة، يؤكد بانه قدم خلال السنوات الثلاث السابقة 1997/1999 كل الوثائق الخاصة بحساباته التالية ونشاطاته «الاقتصادية» وكل ما يثبت بان المبالغ التي تقاضاها بشأن دوره في المفاوضات من اجل شراء شركة «إلف» الفرنسية لمصفاة نفط «لونا» الالمانية انما كانت تماشى مع النسبة القانونية المعتادة لدور الاستشارة في مثل هذه العمليات. ان مشكلته الاساسية هي مواجهته لنظرة عامة تقول بان «نجاح» عقيد سابق في الاجهزة السرية كرجل اعمال في جنيف، لابد وان يلصق به التهمة المزدوجة بانه «جاسوس» و«ومرتش» وفي هذا الكتاب يحاول المؤلف العقيد السابق في جهاز الاستخبارات الفرنسية الخارجية عكس ذلك. كتاب عن عالم الاسرار والجاسوسية والحروب غير المعلنة و«إلف اكيتين» وامبراطوريتها النفطية