جابرييل انكيري هو كاتب فرنسي من اب لبناني ـ فلسطيني وام فرنسية من منطقة بروثانيا. وهو يعرف بنفسه سياسياً بأنه خارج كل الاطر.. ويؤكد بأنه يستعد للترشيح في معركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة في شهر مايو من عام 2002، لكن، هل يستطيع الحصول على الـ 500 توقيع المطلوبة لكبار الناخبين من اجل ان يكون في عداد المرشحين الرسميين؟! هذا الكتاب يشكل نوعاً من السباحة ضد التيار، السائد في الاعلام الفرنسي والغربي عامة.. ذلك ان المؤلف يرفض الحقيقة الرسمية حول الصراع العربي ـ الاسرائيلي في الشرق الاوسط، وخاصة فيما يتعلق بـ «الاسس التاريخية» المزعومة لقيام الدولة العبرية. ومنذ الجملة التي اختارها المؤلف كي يصدر عمله يعلن بوضوح وصراحة عن انتمائه وتوجهاته في الشروح المقدمة، اذ انه اهدى كتابه لـ «الشعب الفلسطيني، الضحية لظلم لا يعادله ظلم في القرن ـ العشرين». وكذلك يعلن المؤلف منذ الصفحات الاولى عداءه الصريح للايديولوجيات اليسارية عادة والشيوعية بشكل خاص. ويخص بهجومه بشكل خاص الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يتزعمه رئيس الوزراء الفرنسي الحالي ليونيل جوسبان. وبنفس الوقت يؤكد على ان فرنسا تواجه في الافق الدولي المنظور «العزلة او التكامل نهائياً في منطقة للتبادل الحر تقع تحت سيطرة الانكلوسكسون». ويطرح المؤلف في مواجهة مثل هذا الوضع فكرة تقوية الثنائي الفرنسي، الالماني و«الالتفات نحو البحر الابيض المتوسط» و«ادارة الظهر لبريطانيا». بالمقابل يرى المؤلف بانه اذا كان القرن العشرون امريكياً، فإنه كان ايضاً قرن اسرائيل. وهو يعود بهذا الصدد الى تفنيد مختلف الحجج المقدمة حول تأسيس الدولة العبرية، ويعتمد بشكل كامل تقريباً على مؤلفين وباحثين يهوديين بحيث لا يمكن اتهامه بمناهضة السامية. هذا وتتمثل الفكرة الاساسية التي يطرحها في هذا السياق بالقول بأن تدمير الامبراطورية العثمانية التي لم يكن السلطان العثماني قادراً على السيطرة عليها كان امراً مطلوباً من اجل اقامة دولة يهودية، في فلسطين، ولا يتردد المؤلف في القول بأن الصهيونية قد مارست منذ البداية الخداع من اجل اخفاء مقصدها النهائي على السلطات العثمانية، اي الاستيطان في فلسطين وسكانها العرب. وتختلط في هذا الاطار عملية الاعتماد على الوثائق التاريخية مع ذكريات المؤلف المأخوذة عن جده وابيه اللذين كانا من مسيحيي المنطقة. انه يعيد للاذهان مرّة اخرى اقتراح «اوغندا» لتجمع اليهود بعد اقتراح سابق حول اقامة مستوطنات زراعية يهودية في الارجنتين، هذا مع تأكيد المؤلف ايضاً بأن اليهود كانوا من انصار المانيا، اثناء الحرب العالمية الاولى، حيث كانوا يرون بأن حدود اوروبا تتوقف عند نهر الرين. كما ينقل عن وايزمان نفسه. ومن المثير للانتباه هو ربط المؤلف بين الشيوعية والصهيونية، في منظور عمل اليهود. ويكتسب عام 1917 في هذا الاطار اهمية كبيرة. يقول المؤلف: «ان هذه السنة كانت استثنائية بالفعل اذ تركت بصماتها على القرن وحتى اليوم! ان دولتين قد ولدتا هما الدولة السوفييتية والدولة الصهيونية». ينقل المؤف عن «ج. ديروجي وهينري كارمل، قولهما ما نصه في كتاب صدر لهما عام 1995 تحت عنوان قرن اسرائيل 1895 ـ 1995، ما نصه: «في يافا، بفلسطين، وفي عام 1905 ـ اي بعد فشل الثورة الروسية الاولى، تواجد عدة مئات من المناضلين الثوريين.. ان العام التالي 1906 شارك 150 مندوباً في الجمعية العامة الاولى لعمال صهيون. وما بين 8 و 10 اكتوبر 1906، اي غداة مؤتمر يافا امضى عشرة من بينهم (كان في عدادهم دافيد جرين، المعروف بدافيد بن جوريون) وقتهم في غرفة بلا نوافذ في الرملة حيث ناقشوا نصاً اصبح فيما بعد معروفاً باسم «وثيقة الرملة»، والذي كان تقريباً بمثابة اعادة انتاج حرفية لبرنامج الحزب الصهيوني ـ الاشتراكي الروسي المنتسب للأممية الثانية، ثم هناك دور حاييم وايزمان اليهودي الاروسي، استاذ الكيمياء في جامعة جنيف ثم في جامعة مانشستر البريطانية، والذي نسج علاقات وطيدة مع بلفور ولويد جورج وتشرشل، ولم يكن بعيداً عن وعد بلفور وحيث ان الفترة الجنينية للمشروع الصهيوني لم تكن قابلة للفصل عن الاطماع الامبريالية لحقبتها، وبما ان اليهود كانوا موالين بأغلبيتهم لالمانيا، كان لابد من شرائهم بواسطة وعود لا يمكن تحقيقها الا على حساب شعوب اخرى. وعندما وصل ادولف هتلر الى السلطة في المانيا عام 1933، كان يسكنه طموح واحد كبير هو ان يمحي اثار معاهدة فرساي المخجلة، والظالمة، اي المعاهدة التي توصل الاوروبيون المنتصرون الى توقيعها مع المانيا المهزومة في الحرب العالمية الاولى عام 1919. كان على قناعة بأنه قد جرى طعن بلاده في الظهر، لكن ممن؟ من العدو الداخلي. ومن هو هذا العدو الداخلي؟ انهم اليهود. ان هؤلاء اليهود الذين كانوا فخورين بأن يكونوا المانيين هاهم ينتقلون الى جانب العدو. وفي عام 1939 كاد المشروع الصهيوني لفلسطين ان يسقط لكن الانجليز والامريكيين خاصة هبوا لنجدته وتم في عام 1948 الاعلان عن قيام الكيان الصهيوني في فلسطين. وهذا ما يعبر عنه المؤلف في محصلة القرن الماضي بالقول: لا شك بأن الامريكيين واليهود هم اكبر الرابحين في القرنين التاسع عشر والعشرين، هما قرن واحد، وكل الاخرين هم من الخاسرين او من الذين تدمروا مثل المانيا واليابان. لكن هذين البلدين قاما باعادة تعمير بناهما. في الحقيقة، ان اكبر الخاسرين في القرن هم الفلسطينيون. وتحت عنوان من الحرب الى الحرب يتعرض مؤلف هذا الكتاب للحديث عن الحروب الاسرائيلية العربية المتتالية وخاصة عام 1948، وحيث اظهرت المرحلة الاولى منها نجاحات بالنسبة للجانب العربي، لكن بن جوريون ومجموعته كانوا بارعين باستغلال الرأي العام الاوروبي حيث قدموا النزاع على انه كان بينهم وبين النازيين، المحتلين، كما بثوا دعاياتهم بالحاج امين الحسيني، مفتي القدس. لقد حاولت الامم المتحدة التدخل، حددت وسيطاً هو الكونت السويدي «فولك برنادوت» الذي تم قتله. وينقل المؤلف عن مقال نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية عام 1988 بمناسبة اربعين عاماً على قتل المبعوث الدولي، ما نصه، الواجب الان هو طرد برنادوت ومراقبته. واليد التي تتحرك هي مباركة، كما جاء في احد منشورات حركة ستيرن المعروفة. وبعد ان يتحدث المؤلف عن دور اليهود في الاتحاد السوفييتي اثناء الحقبة الستالينية يطرح تساؤلاً في عنوان يقول: «بعد الاتحاد السوفييتي، هل جاء دور اسرائيل؟، ويقول في معرض الاجابة: ولو كنت فلسطينياً، وكنت اعرف ما اعرفه فانني كنت انا ايضاً سألقي الحجارة»، ومنذ عام 1918، بل وربما منذ عام 1897، تجدر الاشارة الى انه في عام 1897 تم عقد المؤتمرالصهيوني الاول في مدينة بال السويسرية، انه يطالب بالقاء الحجارة على جميع لصوص الارض، الامبرياليين والاستعماريين، وعلى اولئك الذين يمكن ان يتهموه بانه متحيز اذ ان اليهود قد قدّموا الكثير، في فلسطين، يقول: النازيون ايضاً بنوا الملاعب الرياضية ومنازل السكن والطرق ووسائل المواصلات الاخرى. كما ان الستاليين كانوا يدعون زوارهم للاطلاع على منجزات نظامهم. وفي الوقت نفسه يرى مؤلف هذا الكتاب بأن اليهود قد تأقلموا تماماً في المجتمعات الغربية، مما يجعل قيام دولة لهم امراً لا قيمة كبيرة له.. كما ان هذه الدولة ليست مبررة عقائدياً، اذ انها لا تلقى القبول لدى الجميع بل وهناك بعض الكهنة اليهود الحاخامات ـ الذين اعترضوا، ولا يزال بعضهم من معارضي قيام دولة يهودية. ان المؤلف، وعلى مدى الصفحات الاخيرة من هذا الكتاب يحاول ان يشرح وجهة نظره حول الاخطار، المحيقة باسرائيل في سياق العولمة.. وخاصة بسبب التبدل، الذي تشهده الولايات المتحدة الامريكية بسبب هجرة شديدة التنوع جعلت من هذه البلاد، دولة عالم، يلتقي فيها مجموعات بشرية ذات انتماءات اثنية ولغوية وعقائدية مختلفة. ان الولايات المتحدة بصدد التبدل، يقول المؤلف كي يخلص الى نتيجة مفادها ان اليهود في امريكا، كما في بقية بلدان العالم، سينتمون على ضوء مصالحهم، بين تيارين عريضين احدهما يضم انصار الدعم غير المشروط لاسرائيل، والاخر يضم «انصار الانفتاح»، وفي النتيجة لقد اختفى الاتحاد السوفييتي لان اليهود تركوه يسقط ووجدوا افضل منه في مناطق اخرى ـ الولايات المتحدة وكندا واوروبا، وفي وقت يبدو فيه بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الانفتاح على العالم، فانه سيكون على يهود اسرائيل الاعتراف بالاخرين ـ الفلسطينيين، او الانغلاق داخل دولة. ثم يشير المؤلف ضمن هذا السياق الى عدد من الكتب والدراسات التي صدرت خلال الفترة الاخيرة المنصرمة لكتاب يهود من الجيل الجديد الذين يؤكدون بأن اليهود لن يبقوا على الهامش، وانما سيحاولون الانفتاح على واقع العولمة، ومن بين هذه الكتب المليون السابع، للاسرائيلي «توم سيجيف» الذي اثار ولايزال يثير فضيحة في اسرائيل بسبب آرائه النقدية لاسس اسرائيل وكتاب الباحث الامريكي ناتات، الذي يحمل عنوان صناعة المحرقة الهولوكوست الذي لا يتردد في اتهام اليهود بـ «فبركة» الكثير من مسائل اضطهاد اليهود من قبل النازية، كان قد تم تقديم هذا الكتاب في عدد سابق من «بيان الكتب»، تجدر الاشارة الى ان الكاتبين يهوديين، وبالمحصلة يبدو المستقبل «غائباً» بالنسبة لليهود في فلسطين. كتاب يحاول مؤلفه قراءة تاريخ القرن العشرين وقيام اسرائيل بعيداً عن الروايات الرسمية، والعنوان نفسه شديد البلاغة حول مضمونه