بيان الكتب: فرانك مكلاين هو استاذ زائر في كلية الآداب في جامعة «ستراتكلايد» له العديد من المؤلفات من بينها كتاب عن «سيرة حياة مارك غوستاف يونغ»، عالم النفس والمحلل النفساني السويسري الذي كان قريباً من سيغموند فرويد. ونال المؤلف جائزة ادبية عن هذا الكتاب عام 1997 وله ايضاً «نابليون» و«1066». يخص هذا الكتاب «فيللا و زاباتا» تاريخ الثورة المكسيكية لسنوات 1910/1919 والتي يعتبرها المؤلف بمثابة «الهزة الاجتماعية» الكبرى الاولى خلال القرن العشرين. لكنها لم تأخذ في الواقع نفس الاهمية التاريخية التي شهدتها الثورتان، الروسية والصينية وكان الثوار المكسيكيون قد رفعوا شعارات «الارض» و«الحرية» ويرى المؤلف بان الثورة المكسيكية قد قامت على اساس عدة عوامل متعددة الطبائع والمشارب حيث تضافر فيها ما هو محلي بما هو وطني وعالمي وثقافي وعرقي واقتصادي. وكان الممثلان الرئيسان للثورة المكسيكية هما فرنسيسكو فيللا، المعروف باسم «بانشو» وامليانو زاباتا.. ومن خلال سيرة حياة هذين القائدين الثوريين يقوم مؤلف هذا الكتاب «فرانك ماكلاين» بالتأريخ للثورة المكسيكية... اولى ثورات القرن العشرين. لقد شهدت المكسيك خلال سنوات 1910/1919 صراعاً عنيفاً الحق الكثير من الدمار بالبلاد التي عرفت جبهتين للقتال احداهما في الشمال عبر التمرد والذي قاده «فرنسيسكو فيللا» ضد جيش كان يتألف بشكل رئيسي من قطعات متحركة ومن رعاة بقر ـ كاوبوي ـ سابقين... والاخرى في الجنوب حيث تجابه امليانو زاباتا وجماعته مع جيش كان الجنود المشاة يشكلون عصبه الرئيسي والذي كان يعمل كجيش مرتزقة تحت امرة ارباب مزارع السكر.. ويقدم مؤلف هذا الكتاب «فيللا» العسكري اصلا والمتمرد دائماً على انه البطل العسكري العظيم للثورة المكسيكية، بينما يتم رسم ملامح شخصية «زاباتا» على انه كان مجرد متمرد جاء من اصول فلاحية، وخاض معركة ضارية بهدف العمل على تغيير المجتمع المكسيكي. ان تحليلات هذا الكتاب المؤلف من ستة عشر فصلاً تجمع بين كتابة سيرة حياة فيللا وزاباتا وبين كتابة التاريخ المكسيكي في تلك الفترة الزمنية وامتداداتها السابقة التي تصل جذورها احيانا الى فترة الاكتشافات الادبية للعالم الجديد ووفود اعداد كبيرة من المهاجرين الاوروبيين الى مختلف مناطق القارة الامريكية. ويبدو البطلان الرئيسيان في الثورة المكسيكية، اي فيللا وزاباتا، كما يقدمها مؤلف هذا الكتاب كأنهما ينتميان الى الشخصيات الاسطورية في «الياذة» هوميروس. لكن على صعيد الواقع يتفق المؤرخون، باغلبيتهم، بمن فيهم مؤلف هذا الكتاب، على ان عدد الضحايا الذين سقطوا اثناء الثورة المكسيكية خلال سنوات 1910/1919 يبلغ ما بين «350.000» ثلاثمائة وخمسين الفاً ومليون ضحية. هذا باستثناء ضحايا الوباء الذي انتشر عام 1918 واودى بحياة ما يزيد على ثلاثمائة الف نسمة. اضف الى هذه حالة الفوضى التي انتجتها الازمة السياسية الكبيرة التي عصفت بالبلاد. ويلفت المؤلف الانتباه الى واقع ان اغلبية قادة الثورة المكسيكية وعلى رأسهم «فيللا» و«زاباتا» قد ماتوا غيلة او عرفوا موتاً عنيفاً واحياناً في ظروف غامضة. وكان هذا المصير هو الذي عرفه خاصة قادة الصف الثاني.. بل ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بان اثنين فقط من قادة تلك الثورة عاشوا حتى سن متأخرة. واذا كان من المفترض، والمتعارف عليه، هو ان الثورات تقوم بتغيير مجريات الامور في بلادها الى هذا القدر او ذاك. فماذا غيرت الثورة المكسيكية؟ المتشككون من يقولون بانها لم تغير الشيء الكثير واذا كانت النخب القديمة قد انتهت فان نخباً رأسمالية جديدة حلت مكانها وانحصرت الثورة في يد قلة قليلة بينما بقيت الجماهير الشعبية التي قامت الثورة باسمها» على الهامش. كما ان بعض مظاهر الفساد واستشرت في البلاد بالاضافة الى المنافسة والخصومات داخل المجموعات الثورية نفسها. وبهذا المعنى لم ينجح الثوريون في بناء مجتمع مكسيكي جديد اذ استطاعت القوى المعادية للثورة كبح اي تقدم بل ونجحت في دفع الامور «الى الوراء». ويقوم المؤلف ضمن هذا الاطار بالمقارنة بين الثورة المكسيكية والثورات الروسية والصينية والكوبية، والتي يرى بها نوعاً من «الاستثناء». لكن الثورة المكسيكية لم تطرح ابدا مسألة التغيير الجذري للمجتمع، لاسيما وان السلطة المركزية المكسيكية، كانت تميل الى سياسة ذات طابع ليبرالي وحتى في ظل الرؤساء الثوريين. ويميز المؤلف ثلاث «طبقات» تراتبية «فوق بعضها البعض» داخل نسيج الثورة المكسيكية. تضم «الطبقة» الاولى مجموعة شرائح «الرأسماليين التقدميين» على قاعدة تنامي قوة البورجوازية الصناعية ومن اهم ممثلي الشرائح «كارانزا» وقد وجدت هذه الشرائح خصومها الرئيسيين في «العناصر الرجعية» الذين لم يكونوا يجدون اي سبب يبرر وصول قوى جديدة تتحكم بمقادير الاقتصاد المكسيكي. الطبقة الثانية تضم مجموعات الفلاحين الاحرار والتي كان «زاباتا» افضل رمز لها. اما «الطبقة» الثالثة فقد كانت تتألف من تحالف «رعاة البقر وعمال المناجم وعدد من المجموعات الهامشية الاخرى». وكان هؤلاء يتواجدون بشكل خاص في المناطق الشمالية للبلاد.. وبسبب الطبيعة العنيفة والخراب الذي شهدته سنوات الثورة في الشمال بدا ان الامر يتعلق اكثر بـ «عصابات» مما هو يتعلق بـ «ثوار» يحملون مشروعاً لتغيير مجتمعهم. واذا كان مؤلف هذا الكتاب يركز في تحليلاته على شخصيتي «فيللا» و«زاباتا» فانه يتعرض ايضا لبعض الشخصيات الاخرى الاقل شهرة من امثال «فرانسيسكو ماديرو» الذي كان يدافع عن الحريات الديمقراطية وعن الاصلاحات الاجتماعية. كما اشتهر كأحد قادة التمرد ضد الجنرال «بورفوريو دياز» الذي استأثر بالسلطة ونصّب نفسه رئيساً للجمهورية حيث اقام نظاماً دكتاتورياً وأعاد انتخابه بالقوة لثلاثة عقود من الزمن الى ان اطاح به «ماديرو» عام 1911. واذا كان «دياز» قد مات منفياً فان «ماديرو» لم يستطع ضبط القوى الثورية واغتيل عام 1913، وكان «باتشو فيللا» احد العناصر الاساسية في دعم «ماديرو» اثناء صراعه على السلطة مع «دياز». مثله في ذلك مثل «زاباتا» نفسه، لكن هذا الاخير ذا الاصول الهندية قطع الصلة سريعاً مع «ماديرو» لانه «رفض ان يعيد الارض لمالكيها السابقين». وكان «زاباتا» كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب قد اصبح بمثابة الرمز «الثوري» ذي الطبيعة المزدوجة الهندية اولا والفلاحية ثانيا، وحيث ان هاتين السمتين اصبحتا ملازمتين لما عرف دائماً باسم «الحركة الزاباتية» والتي يعتبر الثوري المكسيكي ذي الشهرة العالمية حاليا «ماركوس» انه ينضوي تحت لوائها. وضمن هذا الاطار يرى المؤلف بانه لا يمكن اعتبار الثورة المكسيكية بمثابة «انتقال من الاقطاعية الى الرأسمالية» او من «البورجوازية الكومبرادورية الى البورجوازية الوطنية». المقصود بالكومبرادورية ذات العلاقة بالاجنبي». بل يذهب ابعد من ذلك الى القول بان «المزارعين» كانوا بمثابة عائق وقيد امام بناء «الدولة الرأسمالية الحديثة» في المكسيك. وتبقى احدى السمات الاساسية لحياة الرموز السياسية الاساسية في فترة الثورة المكسيكية «1910 ـ 1919» هي انهم قد اغتيلوا جميعاً. وفضلا عن «فيللا وزاباتا» كان ذلك ايضا هو مصير «فنستيانو كارّانزا» الذي كان في الاصل مالكا لمساحات شاسعة من الاراضي. وقد دخل في الصراع الى جانب «ماديرو» ضد «دياز».. ولكن بعد اغتيال «ماديرو» اصبح رئيس الحركة «الدستورية» وتم انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1917 لكن تم الانقلاب عليه ومات مقتولاً، وكان ثورياً اخر هو «الفارو اوبريجون» قد انتفض ضده واصبح رئيساً للجمهورية بعد ذلك واتبع سياسة اجتماعية معادية للكنيسة مما دفع احد الكاثوليكيين المتزمتين الى قتله. الثورة المكسيكية لم تكن في جوهرها ذات طابع يساري، بالمعنى الشائع اليوم.. ويؤكد المؤلف بانه و«حتى مع زاباتا لم تكن الشعارات الاشتراكية مطروحة». كما ان دستور عام 1917 ـ وخاصة المادة 27 والمادة 123 منه والذي يعتبره العديد من المعلقين بانه كان بمثابة بداية لتكوين «عالم يساري» لم يكن في الواقع بخصوص يساريته سوى نوع من «مصالحة اللحظة الاخيرة» بناء على طلب بعض الثوريين المتطرفين. بالمقابل يمكن اعتبار «الثورة المكسيكية» بمحصلتها العامة انها كانت بمثابة خطوة باتجاه «الرأسمالية». لكنها انهت الاحتكارات السياسية القديمة. ووضعت بدلا منها «نخبا اكثر شبابا وطموحاً». اما على صعيد الطبقات الشعبية فان الفترة الثورية فتحت عيون الشرائح المكسيكية المتواضعة على امكانيات يطرحها العالم ولم يكن بامكان تلك الشرائح تصورها من قبل تعبير اخر تحسنت درجة الوعي الشعبي بموقعها الاجتماعي. ان مؤلف هذا الكتاب يؤكد على ان ابتعاد «فيللا» و«زاباتا» عن احتلال موقع القيادة العليا في المكسيك.. وارتباط مسيرتهما المشتركة اعتباراً من عام 1914، اعطاهما بعدا اسطوريا وخاصة بالنسبة لـ «زاباتا»، لم يكتسبه ثوريون اخرون مثل «كارانزا» و«ابريجون» اللذين كان لهما دورهما في الثورة المكسيكية لكنهما فقدا «الهالة الثورية» عند ممارستهما المسئولية العليا في الحكم. وفي المحصلة يؤكد المؤلف على مدى التحليلات التي يقدمها على ان الرجلين ـ فيللا وزاباتا كانا حليفين طبيعيين رغم ان معالجتهما للمشاكل المطروحة على المكسيك جاءت من منظورين مختلفين تماماً. اذ كان رجل الجنوب ـ زاباتا يعمل في الوسط الاجتماعي للمزارع ولانتاج السكر، فان رجل الشمال ـ فيللا كان يعيش في اوساط رعاة البقر القريبة من الولايات المتحدة الامريكية. اضف الى هذا الاختلاف الكبير في شخصيتي الرجلين وهذا ما عبر عنه المؤلف بجملة تقول: «كان زاباتا عقلانيا ومتأملا ومرحاً بينما كان فيللا متهوراً وغرائزياً ومهرّجاً». لقد كانا فيللا وزاباتا رجلين عظيمين وسيرة حياتهما تدل على ذلك