بيان الكتب: جوزيه الان فرالون هو صحفي في جريدة «لوموند» الباريسية. وهو صحفي تحقيقات، سبق له وقام بتغطية عدد من الاحداث الكبرى في مناطق التوتر في العالم. اما «بودوان» الذي تشكل سيرة حياته موضوع هذا الكتاب فهو ملك بلجيكا الذي لم يكن يريد ان يصبح ملكاً كما جاء في العنوان.. لكن هذا الملك «الخجول» كما يبدو من ملامح الصورة التي يرسمها له المؤلف، استطاع ان يفرض سلطته الاخلاقية على جميع البلجيكيين وفي بلاد صغيرة تواجه باستمرار تهديدات مصيرية تتعلق بوحدتها، حيث هناك شرخ كبير بين سكان شمال البلاد من «الفلامنكيين» الذين يتحدثون اللغة الهولندية و«الوالون» سكان الجنوب الذين يتحدثون الفرنسية. وصل «بودوان» الى الحكم عام 1951 بعد تخلي والده ليوبولد الثالث عن العرش.. وبقي على رأس السلطة حتى عام 1993 عندما توفي بنوبة قلبية اثناء وجوده في اسبانيا. ان شخصية «بودوان» تبدو النقيض تماماً لما كانت عليه شخصية والده الملك ليوبولد الثالث وجده ليوبولد الثاني الذي استبد كثيرا في افريقيا «الكونغو» من أجل المحافظة على الوجود البلجيكي في القارة السوداء. وصل «بودوان» الى العرش عندما كان عمره واحد وعشرين عاماً. ولم يكن في واقع الامر مهيئاً لتتسلم مثل هذه المهمة وكان قد عرف الكثير من الاحداث التي هزّته ولم يكن اقلها تجربة سنوات الحرب ووفاة والدته الملكة «استريد» بحادث سير ليعرف الطفل بداية حياة مليئة بالأس والحزن الى درجة ان الملك «بودوان» لم يبتسم خلال السنوات الاولى من حكمه «لقد كان رجلا خجولاً» يقول مؤلف هذا الكتاب. ويشرح المؤلف في بداية الكتاب الظروف التي تنّحى فيها الملك ليوبولد الثالث عن الحكم لابنه «بودوان». وكان الاب قد اضطر للتخلي عن العرش بسبب موقفه اثناء الحرب العالمية الثانية. اذ ومنذ دخول الجيوش النازية الى بلجيكا عام 1940 اعتبر الملك ان الحرب بادية النتائج والهزيمة تلوح في الافق، وبالتالي وبدلا من اللجوء الى بريطانيا كما فعل فيما بعد الجنرال شارل ديجول حيث اعلن من اذاعة لندن تشكيل جيش فرنسا الحرة ـ وأخذ موقعه على رأس المقاومة الوطنية البلجيكية ضد الاحتلال النازي، بقي في بلجيكا ليتم «تسفيره» الى النمسا بناء على اوامر صدرت من ادولف هتلر. وبعد نهاية الحرب العالمية الثالثة بدت بلجيكا منقسمة بين تيارين عريضين. تيار مؤيد للملك ليوبولد الثالث وتيار آخر مناهض له، وخاصة في صفوف الاشتراكيين الذين انتقدوا بشدة موقفه حيال النازيين على الرغم من عدم مقارنته معهم، وفي عام 1950 جرى استفتاء شعبي حصل فيه ليوبولد على 57% من اصوات الناخبين البلجيكيين الذين اقترعوا لصالح عودته الى الحكم، لكنه فضل في العام التالي 1951 التخلي عن العرش لابنه بودوان «بودوان الاول». تجدر الاشارة الى ان سلالته تسيطر على الحكم في بلجيكا منذ عام 1831. ومن السمات الأساسية التي يركز عليها مؤلف هذا الكتاب في السيرة «الملكية» لبودوان الاول قدرته على ان يفرض نفسه كحكم في بلاد صغيرة تعصف فيها المنافسات والخلافات بين الجمهوريين والملكيين، وبين الاشتراكيين والكاثوليك، واخيراً، وربما الاكثر أهمية وتهديداً النزاع التاريخي بين «الوالون» الناطقين باللغة الفرنسية و«الفلامنكيين» المتحدثين بالهولندية. ومن أهم المواقف التي عرفتها هذه السيرة الملكية، موقف الملك بودوان الاول هناك موقفه من استقلال الكونغو كينشاسا ـ الزائير حاليا ـ التي كانت مستعمرة بلجيكية بينما كانت الكونغو برازافيل مستعمرة فرنسية. وقد عرف هذا الملك ذي الاخلاق التقليدية والكاثوليكي المتحمس ان يفرض القبول بجلاء بلجيكا عن الكونغو في موقف يصفه المؤلف بـ «التاريخي»، هذا على الرغم من تأكيده، اي المؤلف، ان بودوان الاول لم يكن من بين اولئك القادة الذين عرفوا كيف «يقرأون» حركة التاريخ منذ ان تبدأ ملامحها الاولى. لقد كان بالاحرى يتحلى بكثير من «الحس السليم» حيال الواقع. واذا كان بودوان الاول قد حافظ خلال السنوات الاولى على تجهمه و«غياب الابتسامة»، فإنه قد عرف هذه الابتسامة لـ «المرة الاولى» عند لقائه مع افريقيا عام 1955 عندما زار الكونغو ملكاً واستقبله شعبها بـ «الهتافات والتصفيق»، اذ طالما كان قد حلم بلقاء هذه البلاد الغنية والتي كان جدّه ليوبولد الثاني قد اخضعها للتاج البلجيكي في عام 1885. وفي مدينة «ستانلي فيل» او «كسنغاني مستقبلاً» بالقائد الوطني الافريقي «باتريس لومومبا»، أحد أهم رموز حركة التحرر في افريقيا والعالم وحيث ثم تعيينه بعد الاستقلال رئيساً للوزراء لتتم تصفيته بعد أشهر على يد خليفته «تشومبي» وبالتعاون مع الاجهزة السرية البلجيكية والامريكية. لقد كان اللقاء بين الملك بودوان الاول والقارة الافريقية، في الكونغو ولكن ايضا في رواندا المستعمرة الالمانية السابقة والتي تم وضعها حسب اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الاولى، وخاصة اتفاقية فرساي، تحت الانتداب البلجيكي اعتبارا من عام 1922، لقاء حاراً، لكن الملك لم ينطق ابدا اثناء خطاباته بأية كلمة ولم تصدر عنه أية اشارة حول «الاستقلال»، كما كان متوقعا، وكان لابد من انتظار حلول عام 1959 شهر يناير واندلاع الاضطرابات في ليوبولدفيل التي اودت بحياة اكثر من مئتي شخص كي ينطق الملك بكلمة «الاستقلال» تلك مرتين. لقد فاجأ الجميع، لكن ذلك اثار بالوقت نفسه حنق اصحاب الدعوات الاستعمارية والمطالبين بضرورة ان تبقى الكونغو كنشاسا بلجيكية، ولم يترددوا في القول ان «الملك يخضع لنفوذ اليساريين المتطرفين ـ اليسراويين». وبعد حديث الملك بودوان عن استقلال الكونغو كنشاسا تراجع وبدا متردداً في موقفه ـ العادة ـ امام الضغط الذي مارسته عليه حاشيته التي كان اغلبية العاملين فيها من المناهضين للاستقلال. كما لعب والده وزوجة والده يعيشان معه في قصر «لايكن» ان بودوان كان لا يزال، في سن الثلاثين، عازباً. وعندما قام الملك البلجيكي بودوان بزيارة الكونغو عام 1959 اعتقد الجميع انه قد جاء لاعلان الاستقلال، لكنه خيب آمال الجميع اذ قال ان الاستقلال لن يعطى للكونغوليين في الحال. وكان لابد من انتظار شهر يونيو من عام 1960 كي يعلن الملك استقلال الكونغو في خطاب وجهه الى الكونغوليين وقال فيه: عليكم ان تبرهنوا ايها السادة باننا كنا على صواب عندما اعطيناكم ثقتنا». ان جميع السمات التي يرى «المؤلف ان الملك بودوان كان يتحلى بها انما كانت في ظل سمتين رئيسيتين هما «التصلب» و«العناد» وعلى قاعدة هاتين السمتين تمت القطيعة مع الرئيس الكونغولي «موبوتو» العريف السابق ـ نهائياً عام 1988 بعد سنوات من التواطؤ والتنازلات. وكانت تلك القطيعة تعود تحديداً الى قيام «موبوتو» بحملة نقد وتشهير عنيفة ضد اسرة الملك البلجيكي، وليس لخلاف حول مشروع سياسي او لواقع خرق الدكتاتور الكونغولي آنذاك لمباديء حقوق الانسان او بسبب حالة الفساد التي كانت مستشرية في الكونغو «المستقلة» وفي عامي 1984 و1985 قام موبوتو، في مواجهة رفض الملك بودوان الاول بتخفيض قيمة ديون بلاده على الكونغو، بالتهديد بإقامة معرض للفظاعات التي قامت بها السلطات الاستعمارية البلجيكية في الكونغو ووصف ليوبولد الثاني، جد الملك بودوان انه مثل «هتلر» بل ونشر موبوتو رسالة كان الملك بودوان قد بعث بها له من اجل اعطاء الاولوية للشركات البلجيكية في عملية مشروع «موبايي»؟ وهو احد اهم المشاريع الصناعية في الكونغو آنذاك. على الصعيد الشخصي تزوج الملك بودوان الاول بـ ما يشبه المراسلة اذ تعرف على زوجته فابيولا عن طريق احد رجال الكنيسة وتبادلا بعد ذلك سلسلة من الرسائل تم نشرها فيما بعد في كتاب «وكان زواجاً ناجحاً وجد الملك البلجيكي الطمأنينة فيه. لقد كانت زوجة «على القياس»، ولم يعكر «نقاء» اللوحة سوى واقع عدم انجاب الزوجين لولي عهد بالنسبة لبلجيكا، وتقول فابيولا عن زوجها الملك بودوان: ان افكار زوجي اكثر قوة وصلابة من الاسمنت المسلح. وقد جاء مثل هذا القول في الوقت الذي كان فيه الملك «بودوان» رفض التوقيع على قانون يبيح الاجهاض ، بعد ان كان البرلمان قد تبناه عام 1989. واعتبر الملك ايضاً ان مبادئه الاخلاقية والدينية لا تسمح له بتوقيع مثل ذلك القانون. وكان المخرج من تلك الازمة «الدستورية» التي تواجه فيها الملك ـ على اساس موقف ضميري ـ مع البرلمان والحكومة الاشتراكية آنذاك هو ـ اي المخرج» استخدام مادة من الدستور البلجيكي تم على اساسها اعلان الملك في حالة «عدم القدرة على الحكم» لمدة ثمانية واربعين ساعة تم اثناءها «تمرير» القانون المذكور. كتاب عن الملك «الخجول» الذي استطاع ان يقود سفينة بلاده لمدة تزيد على اربعة عقود من الزمن وفي بحر «هائج» باستمرار... ورغم انه كان يحلم بشيء آخر غير ان يكون قلقاً كما قال مراراً